أخبار عاجلة

اتجاهات حديثة في فقه المرأة

اتجاهات حديثة في فقه المرأة*

د. محمد سليم العوا**

مما يحتاج المسلم المعاصر فيه إلى نظرات فقهية جديدة تمكنه من العيش مرتاح الضمير في ظلال الإسلام ومن التصرف في الوقت نفسه بطريقة تناسب العصر وظروفه، موضوع فقه المرأة.

وقد قام بفرض الكفاية في هذا الموضوع أخونا الجليل الأستاذ عبد الحليم أبو شقة – رحمه الله تعالى- فإنه أصدر موسوعة جامعة مستمدة من القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم جعل عنوانها: (تحرير المرأة في عصر الرسالة). وهذا العمل العلمي الجاد الذي استغرق من صاحبه، -رحمه الله-، أكثر من ربع قرن يصلح أساسًا لاجتهادات جديدة معاصرة في كثير من المسائل التي تتصل بالمرأة في حياتنا.

ونسعى هنا من خلال بحث بعض الموضوعات المهمة إلى ضرورة رصد الاتجاهات الفقهية الحديثة، وجمع الاجتهادات في الموضوعات المتجانسة، وتعميق الوعي بها والدعوة إلى البناء عليها حتى لا يعيش المسلم المعاصر في عزلة عن شريعة الإسلام العملية مكتفياً، كما يفعل بعض الناس، بالعيش في ظلال العقيدة وبأداء جانب العبادة من الشريعة مع إهمال بقية جوانبها، أو عدم العلم بوجودها أصلًا.

القضية الأولى- عمل المرأة ومدى جواز ولايتها السياسية:

من القضايا المهمة في مسألة وضع المرأة في الحياة الإسلامية المعاصرة مسألة اشتغالها بالعمل العام، ومدى جواز ولايتها السياسية.

والأصل الذي ينبغي أن نبدأ منه نظرنا في هاتين المسألتين هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منهما رجالًا كثيرا ونساء﴾ [النساء: 1]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فهاتان الآيتان، ونظائرهما في القرآن الكريم، تؤكدان أن وحدة الأصل الإنساني الذي تتفرع عليه المساواة بين الذكور الإناث في الحقوق والواجبات هي القاعدة العامة التي لا يخرج عليها إلا ما استثني بنص خاص.

ويؤكد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “النساء شقائق الرجال”[1] والشقيق نظير ومثيل، ولابد من دليل قاطع، أو راجح في النظر الصحيح، يؤدي إلى عدم المساواة عند وجود سببها.

  ومن أظهر صور المساواة بين الرجال والنساء أن يتساووا في التمتع بالحقوق العامة وفي أداء الواجبات العامة، وهي المساواة التي حاصلها أن يكون للمرأة الدور الذي تؤهلها له مُكناتها العقلية والشخصية في حياة مجتمعها شأنها في ذلك شأن الرجل سواء بسواء.

والموقف الفقهي التقليدي في مسألة الدور السياسي للمرأة يحسم القضية بأن المرأة لا شأن لها بالسياسة، وأن غاية ما يطلب منها أن تقوم به -إن استطاعت في نظر أصحاب هذا الرأي- هو أن تصون بيتها وتربي أولادها. ولا يزال بعض أنصار هذا الموقف يكتبون ويتحدثون مؤيدين له بما يشكل في بعض الأحيان الجهر بقول فاضح علنا، وهو – في بعض البلدان- جريمة يعاقب القانون عليها.

وبعض هؤلاء يستدلون بالحديث غير الصحيح الذي فيه “شاوروهن وخالفوهن” وهو حديث لا تصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن تستمد منه حجة.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير زوجاته في الأمور العامة ويأخذ بقولهن أو رأيهن، فكيف يقول هذا الكلام ثم يكون أول مَن يخالفه؟ وكل قراء السيرة يعرفون أن التي أشارت عليه في شأن امتناع أصحابه عن الحلق والذبح في عمرة الحديبية، بعد الصلح، كانت زوجه أم سلمة- رضي الله عنها-، وأن الله – تبارك وتعالى- درأ بمشورتها غضبه وغضب نبيه على الصحابة – رضوان الله عليهم-.

والحق أن المرأة، من حيث تمتعها بحقوقها وحرياتها العامة، ومشاركتها في العمل السياسي العام، كالرجل سواءً بسواء. وأنه لا تعارض بين قيامها بواجبها السياسي وبين قيامها بواجباتها الأخرى إلا بقدر ما يقع مثل هذا التعارض بين واجبات الرجل السياسية وواجباته الأخرى كذلك. وهو تعارض يزال – حين يقع- بصورة فردية في كل حالة على حدة، وليس من بين وسائل إزالته أو رفعه وضع قواعد مانعة للمرأة من العمل العام، أو قبول هذه القواعد حين يضعها الآخرون.

والمعترضون على ولاية المرأة للمناصب السياسية يحتجون بحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”[2]. وهذا الحديث لا حجة فيه لأن الأمر الذي يشير إليه هو أمر الولاية العامة التي ليس فوقها ولاية، وهي الخلافة أو الرئاسة العامة للدولة الإسلامية الواحدة التي تضم العالم الإسلامي كله. وهي دولة لم تعد موجودة الآن، ولا يتوقع أن توجد في المستقبل البشري المنظور. واختصاصات “ولي الأمر” فيها وشروط ولايته بشمولها وسعتها واتصالها بجميع المجالات بما فيها الإمامة في الصلاة وقيادة الجيوش والاجتهاد الفقهي المطلق ورئاسة القضاء، لم تعد متوافرة في أحد من الحكام اليوم. ولو ادعاها لنفسه به أحد لكان الإسلاميون هم أول من يعترض عليه ويأبى التسليم بها له.

فالحكام اليوم جزء من مؤسسة. والحكم نفسه مؤسسة من مؤسسات عدة تتوزع بينها السلطات والصلاحيات التي كان يجمعها في يده الحاكم الفرد، أيا كان اسم حكمه ولقب سلطانه.

ولا بأس من حيث الأهلية والكفاءة أن تتولى المرأة بعض هذه السلطات – ولو كانت رئاسة الدولة- لأن أيا من تلك السلطات – بما فيها الرئاسة نفسها- لا تمثل الأمر الذي يدل الحديث على عدم فلاح من يولونه لامرأة.

ولأن «الأمر» في الحديث بمعنى الولاية العامة، فقد أباح بعض الأئمة للنساء بعض الولايات الخطيرة، فهي تلي القضاء عند أبي حنيفة فيما تجوز فيه شهادتها. وقال الطبري تلي القضاء والإمارة، وهي رواية عن الإمام مالك أيضا[3].

لذلك فإنني لا أرى مانعاً شرعياً من ولاية المرأة أي منصب تؤهله لها كفاءتها وقدرتها وثقة الناس -الناخبين- فيها إذا كان من مناصب الانتخاب، أو ثقة المسؤولين عن التعيين إذا كان مما يعين له القائم به.

ولهذا الاجتهاد نظير في الفقه الشيعي المعاصر، فقد انتهى العلامة الإمام محمد مهدي شمس الدين إلى مثله في كتابه «أهلية المرأة لتولي السلطة»، وهو بحث مقارن بين الفقهين السني والشيعي جمع فيه صاحبه بين علمي الرواية والدراية، إلى أن لفظ «لن يفلح قوم…» لا يفيد بطلان ولاية المرأة من الناحية الشرعية. وإنما غاية ما يفيده خطأ الاختيار، أو عدم ترتب الغرض عليه، فهو من قبيل قولك: «لن يفلح من اتجر في الصيف ببضاعة الشتاء»، فإنه يعني لن يربح المقدار المناسب، ولكنه لا يفيد فساد البيع قطعًا.

القضية الثانية- شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل:

ومما يتصل بمسألة المساواة بين المرأة والرجل ما تذكره كتب التراث كلها، ويردده الباحثون المحدثون في جملتهم من أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، والواقع أن التطبيق العملي لهذه القاعدة يدل على عدم صحة هذا الرأي. والذي يدل عليه هذا التطبيق أن اعتبار شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل – كما ورد في بعض الأحاديث الصحيحة- هو من قبيل المجاز لا من قبيل الحقيقة. فالواقع العملي في جميع المحاكم الإسلامية، منذ عرفت الدنيا قضاء يتبع الشريعة، أن القاضي إذا قدمت عليه امرأتان تشهدان يسألهما: أيتكما الشاهدة وأيتكما المذكرة؟ فتجيب كل منهما بذكر دورها: شاهدة أو مذكرة.

عندئذ يطلب القاضي من الشاهدة أن تتقدم لتقف موقف الشاهد، ومن المذكرة أن تكون وراءها بحيث يراها القاضي ولا تراها الشاهدة . ويأمر المذكرة أن تشير بيدها إذا أرادت أن تقول شيئًا. ثم يسمع القاضي شهادة الشاهدة كاملة. فإن كانت المذكرة قد أشارت في أثناء الشهادة إلى القاضي فإنه يسألها عما تريد قوله، فإن وجده مؤثراً في الشهادة أثبته في محضر جلسته وسأل الشاهدة عن صحته، فإن أقرت بها فقد اتفق قولهما ولا مشكلة، وإن جادلت أو استمسكت بقولها المخالف كان القاضي هو المرجح بين القولين والفاصل بين كلمتي المرأتين.

فنحن أمام شاهدة واحدة. قد لا تخالفها المذكِّرة في شيء فتكون شهادتها قائمة بلا معقب. وقد تخالفها فتتذكر الشاهدة فيكون الأمر كذلك، لكن المرأة الشاهدة هنا لها مزية ليست للشاهد الرجل: أن تأتي معها بمن يذكرها ما نسيته من وقائع، ويقبل ذلك منهما ويقضى بموجبه بينما الرجل الناسي شهادته ترد ولا تقبل! فهذه كرامة أعطاها الفقه الإسلامي للمرأة ولم يعطها للرجل.

وأقول (الفقه)، لأن النص القرآني (الآية ۲۸۲ من سورة البقرة) وارد في الشهادة المعدة سلفاً، أي الشهادة على الحقوق التي تثبت في وثائق، لا في الشهادة على الوقائع الطارئة التي لا يمكن إعداد الشهود عليها سلفاً؛ فالأصل في هذه أن يشهد فيها من حضر.

واستصحاب الفقهاء حُكم الشهادة على التصرفات ونقلهم إياه إلى الشهادة على الوقائع اجتهاد يحقق مزية للمرأة ليست مقررة للرجل. وليس اجتهادًا ينتقص من مكانتها أو مكانها الاجتماعي أو القضائي.

وقديمًا نُقل عن ابن تيمية قوله: «القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم. إنما ذكر النوعين في البيئات والطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه… وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم [القاضي] شيء. فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والشاهد والمرأتين»[4].

وفي الفقه مسائل تُقبل فيها شهادة المرأة وحدها أوردها ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية تفصيلًا[5].

القضية الثالثة- مشاركة المرأة في العمل العام:

يستدل المانعون لمشاركة المرأة في العمل العام، السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والمانعون لتوليتها المناصب السياسية والقيادية العامة، بعدد من آيات القرآن الكريم يذهبون إلى أنها تؤيد دعواهم. وتأكيد النظر الصحيح في هذه المسألة يقتضي التعرض لمدلول هذه الآيات، والتعرف على الحكم الشرعي المستفاد من كلٍ منها، ليتبين للقارئ مدى صحة نسبة هذا المنع إلى نصوص القرآن الكريم.

فأما الآية الأولى التي يستدلون بها على ذلك فهي قول الله تبارك وتعالى:﴿…وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

وهذه الجملة جزء من آية واردة في سياق آيات الطلاق من سورة البقرة، بل في سياق آيات تتعلق بالحياة الزوجية: نشأتها وممارستها، وانتهائها بالطلاق ثم استئنافها بعده – مع الزوج نفسه- أو مع زوج جديد. وفي هذا السياق يجد المسلم تحريم نكاح المشركين (الآية 221) وحكم العلاقة الزوجية في أثناء الدورة الشهرية للمرأة (الآية ۲۲۲) والإشارة إلى سبب إباحة الجماع (الآية ٢٢٣) ثم تمهيد لتغيير الإسلام حكم الإيلاء (الآيتان ٢٢٤ و٢٢٥) ثم بيان الحكم الجديد للإيلاء (الآيتان 226 و۲۲۷) (وهو أن يقسم الرجل ألا يقرب زوجته ولا يطلقها فتبقى معلقة إلى أن يموت أحدهما، فحرَّم القرآن ذلك وجعل غايته أربعة أشهر إما أن يعودا إلى الحياة الطبيعية بينهما وإما أن يطلقها). ثم الحديث في (الآية ۲۲۸) عن عدة المرأة بعد الطلاق، وهي الآية التي فيها الجملة التي يحتجون بها.

ونص الآية كاملًا هو قول الله تعالى:﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

ثم يتلو هذه الآية تحديد مرات الطلاق، وبيان كونه يصبح بائنًا ( نهائيًا) بعد المرة الثالثة، والنهي عن الإضرار بالنساء والعدوان عليهن ثم أحكام الرضاعة للصغار والفطام، ثم عدة المتوفي عنها زوجها، وجواز التعريض دون التصريح بالخطبة في أثناء عدة الوفاة، وحكم المتعة للمطلقات، وحق المطلقة قبل الدخول في نصف المهر المسمى (الآيات ۲۲۹-۲۳۷).

فما معنى قول القرآن الكريم: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ في هذا السياق؟ وهل يجوز أن يُفهم من هذا القول تحريم اشتغال المرأة بالعمل العام أو تحريم توليها منصباً سياسياً؟

إن السائد عند المفسرين أن معنى الدرجة يساوي معنى القوامة التي ورد ذكرها في الآية الثانية التي يحتجون بها (الآية ٣٤ من سورة النساء) وهو معنى سوف يتبين لنا قريباً أنه لا علاقة له بالعمل العام ولا بولاية المناصب العامة[6].

ولكن النظر في سياق الآيات التي وردت هذه الجملة في أثنائها لا يبعد أن يرجح كون (الدرجة) هي الحق في إعادة الحياة الزوجية إلى أصلها بعد أن فسخها الرجل بالطلاق، أو كَون الدرجة هي الحق فى الطلاق نفسه بعد الرجعة، بدليل حديث الآية التالية لها عن عدد مرات الطلاق وما يجوز بعد الثانية وهو إما: ﴿… فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ…﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وعدم جواز استرداد المهر كله أو بعضه، وجواز الخلع (وهو الطلاق -أو الفسخ- بطلب من المرأة نظير مال؛ وفيه لا يحق للرجل مراجعة مطلقته بإرادته المنفردة). فالدرجة الواردة في الآية الكريمة هي – في هذا السياق- حق متعلق بفسخ عقد الزواج (بالتطليق) بإرادة أحد طرفيه – وهو أمر لا يجوز في سائر العقود- أو في العودة إلى الحياة الزوجية بإرادة الفاسخ نفسه وحده (المطلِّق) على خلاف سائر العقود كذلك.

 وقد نقل ابن الجوزي هذا الرأي في زاد المسير في علم التفسير عن بعض السلف[7]، ونقله القرطبي في تفسيره عن الإمام الماوردي الشافعي[8]، ونقل في الموضع نفسه عن عبد الله بن عباس أنه قال: “الدرجة إشارة إلى حضّ الرجال على حسن العشرة والتوسعة على النساء في المال والخلق”. ثم نقل قول ابن عطية (من علماء المالكية وأئمة التفسير الأندلسيين): “وهذا قول حسن بارع”. ونقل ابن عطية في تفسيره عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (وهو أحد أتباع التابعين الذين يكثر النقل عنهم في تفسيره) قوله إن “الدرجة ملك العصمة وأن الطلاق بيده”[9].

فليس في الآية دليل على منع المرأة من العمل العام أو سلبها حق الولايات العامة، على المعنى الذي استظهرناه من السياق. وليس فيها دليل على ذلك أيضًا على المعنى الذي يراه معظم المفسرين إذ يصرفونها إلى القوامة في شأن حقوق الزوجية دون سواها .

وأما الآية الثانية التي يُستدل بها لحرمان المرأة من حق الولاية للمناصب العامة، وهي قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. وهذه الآية الكريمة واردة في سياق بعض أحكام الزواج، وهو سياق مبدوء بالآية رقم (۲۰) من سورة النساء ومستمر إلى الآية رقم (٣٥) التي ترسم طريق الإصلاح بين الزوجين عند خوف الشقاق بينهما.

والقوامة على الغير هي التكفل بما ينصلح به حاله وشأنه[10]، والقيام على الشيء هو المحافظة عليه وإصلاحه،[11] فمعنى (القوامة) في الآية الكريمة هو قيام الرجال بحقوق النساء التي على الأزواج. وقد يصح أن يقال إن معناها قيامهم ولو لم يكونوا أزواجًا بحقوق النساء كقيام الأب والأخ وغيرهما بحقوق من يليهم من النساء من الأم والأخوات وأمثالهن.

فلا يصح الاستدلال بهذه الآية الكريمة أيضًا، ولا بمعنى القوامة فيها على حرمان النساء من المشاركة في العمل العام وحق تولي مناصبه التي تؤهلهن لها كفايتهن وقدرتهن وعلمهن. إذ القوامة خاصة بالعلاقة الزوجية، أو بالعلاقة العائلية، وليست عامة في كل شأن من شؤون الحياة. ومعناها أداء حقوقهن وليس معناها منعهن أو الحجر عليهن فيما لا تمنع منه نصوص القرآن وصحيح السنة.

وأما الآية الثالثة التي يستدلون بها على دعواهم فهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾[الأحزاب: ٣٣].

والاستدلال بهذه الآية غير صحيح أصلًا، فإنها خطاب لنساء النبي -صلى الله عليه وسلم- في سورة الأحزاب يبدأ بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الآية: ٣٠]، وينتهي بقوله تعالى:﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الآية: ٣٤]. وفي أثناء هذا السياق يأتي قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الآية: ٣٣]. فالخطاب خاص بأزواج النبي – صلى الله عليه وسلم- الله وليس عاماً في نساء المسلمين كافة. والقدر العام فيه هو النهي عن التبرج كما كانت نساء الجاهلية يتبرجن، وما بعده من الأوامر، وهو لا علاقة له بالعمل العام الذي تؤديه المرأة وهي محتشمة، كما يأمرها دينها، ملتزمة أوامره ونواهيه كلها، فأين هذا القدر من النهي عن التبرج المذموم؟.

فإذا تبين – مما سلف – أن الآيات التي يستدل بها المانعون المشاركة المرأة في العمل العام لا دلالة فيها، فيبقى معنا الأصل القرآني، أصل المساواة بين الرجال والنساء في الخلق، وفي الحقوق والواجبات، وهو أصل دلت السنة النبوية القولية والعملية على احترامه، وعليه ينبني القول الصحيح بحق المرأة – كالرجل سواء بسواء – في المساهمة في العمل العـام وولايته، لا تصرفها عنه ولا تمنعها منه إلا الصوارف الخاصة التي مثلها ما يصرف الرجل ويمنعه في ظروف خاصة عن ذلك العمل وولايته.

ومن المسائل التي يكثر التشنيع بها على الفقه الإسلامي مسألة عدم المساواة بـين المرأة والرجل في دية القتل الخطأ. فالذي عليه جمهور الفقهاء، وأخذت به المذاهب الباقية كلها أن دية المرأة على النصف من دية الرجل. وقد ناقش العلامة الدكتور يوسف القرضاوي هذه المسألة في بحث متقن له عنوانه: “دية المرأة في الشريعة الإسلامية – نظرات في ضوء النصوص والمقاصد”[12]، فانتهي إلى أن القرآن والسنة والإجماع والقياس كلها تخلو من دليل صحيح صريح على صحة هذا القول الذي أخذت به المذاهب المتبوعة. وبيَّن الشيخ القرضاوي أن هذا الرأي هو مقتضى دليل المصلحة التي يتوخاها الشرع في أحكامه جميعاً، وهو الذي يتفق مع الحكمة المقصودة من تقرير الدية مستدلًا بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: “المسلمون تتكافأ دماؤهم” الذي رواه أحمد في مسنده، وحكم له محققو المسند بالصحة. وأشار الشيخ القرضاوي إلى أن عددًا من كبار علماء العصر رأوا وجوب التسوية بين المرأة والرجل في الدية، فذكر منهم الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي. وأرجع الشيخ القرضاوي عدم ظهور هذا الرأي الصحيح في شأن دية المرأة، على مر العصور الإسلامية، إلى أن المسألة لم تكن ملحّة في تلك العصور على العقل المسلم لندرة وقوعها؛ بخلاف الحال في عصرنا الذي كثرت فيه أسباب القتل الخطأ للرجال والنساء على السواء. وأشار فضيلة الشيخ القرضاوي في مطلع بحثه المذكور إلى كتاب من تأليف الأستاذ مصطفى عيد الصياصنة حول هذا الموضوع ومدح جهد كاتبه ووصف عمله بأنه علمي موثق وخصوصًا فيما يتعلق بالناحية الحديثية والأثرية .

القضية الرابعة- مشروعية الخلع في الشريعة الإسلامية:

عندما كان مشروع القانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن بعض إجراءات الأحوال الشخصية محل مناقشة في مجلس الشعب المصري أثارت مسألة تقنين الخلع جدلًا كبيرًا انقسم الناس فيه إلى مؤيدين ومعارضين.

وقد كتبت يومئذ في هذه المسألة إن: (الخلاف حول الخلع بين المؤيدين للقانون والمعارضين له لا يدور حول مشروعيته، فهي متفق عليها بين الجميع، ولا يخلو كتاب من أمهات كتب الفقه من باب يعالَج فيه الخلع. لكن الخلاف يدور حول مدى جواز إجبار الزوج على القبول به، أو مدى جواز إعطاء سلطة إيقاع الخلع للقاضي، ثم يدور حول آثار الحكم بالخلع، كما يقررها مشروع القانون.

أما أن تكون سلطة إيقاع الخلع إلى القاضي فإنها يتنازعها في الفقه الإسلامي مذهبان: مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة وهو أن الخلع يقع بين الزوجين دون تدخل من القاضي، والمذهب الثاني مذهب سعيد بن جبير والحسن البصري وابن سيرين وزياد بن عبيد الثقفي وزياد بن أبيه (وكلهم من نبلاء التابعين[13]).

والقول إن الخلع يقع دون تدخل القاضي معناه أن يتراضى الزوجان على ذلك، فإذا لم يتراضيا فماذا يكون الحل؟ لا شك أنه ليس أمام المرأة الكارهة للحياة مع زوجها إلا اللجوء إلى القضاء، وهذا هو معنى مذهب التابعين الذين قالوا: يوقعه السلطان أي القاضي؛ لأن الزوجين هنا في حال شقاق تخاف فيها الزوجة الا تقيم حدود الله بمعنى عدم قدرتها على الوفاء بحقوق الزوج ولابد من الفصل بينهما ولا يملك ذلك إلا القضاء.

ووقائع الخلع في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- كانت ثلاث حالات: أولها قضية ثابت ابن قيس مع امرأته جميلة بنت سلول وكان مهرها حديقة ردتها إليه وطلقها بأمر النبي[14]، والثانية قضيته أيضاً مع امرأته الثانية حبيبة بنت سهل وكان مهرها حديقتين ردتهما إليه وطلقها[15]، والثالثة قضية أخت أبي سعيد الخدري الصحابي الجليل التي شكَت من زوجها وشكا منها زوجها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ترد إليه حديقة كان قد دفعها إليها مهرًا ويطلقها[16].

والمستفاد من هذه الوقائع الثلاث أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أوقع الطلاق بلسان الزوج أي بأمر الزوج أن يطلق الزوجة الكارهة له، فماذا لو أبي الزوج أن يطلق؟ لاشك أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- وكل قاضٍ بعده يملك إيقاع الطلاق جبرًا عن الزوج كالطلاق للضرر وللأسباب الأخرى كالغيبة وعدم النفقة والعنة وما إليها يوقع في هذه الحالات كلها جبراً عن الرجل بحكم القاضي، وكذلك الخلع ولا فرق، والقول بغير ذلك يجعل الرجل الذي لا ترضى زوجته بعشرته قادراً على إمساكها على الرغم من إرادتها، وهو ما يخالف علة تشريع الخلع وهو كونه للمرأة في مقابلة الطلاق المشروع للرجل. فحيث يكره الرجل المرأة يستطيع أن يطلقها، وإن كان الأكثر لا يفعلون، وحيث تبغض المرأة الرجل تستطيع مخالعته، فإن رضي فبها وإن أبى أوقع القاضي طلقة بائنة جبراً عنه، ويكون الواجب بالخلع طلاقاً بائناً، لأن المرأة ترُد إلى الرجل المهر الذي دفعه إليها لتملك أمر نفسها، فلو جعلناه طلاق رجعياً لم يتم لها ذلك وهو ما ينافي مقصود تشريع الخلع نفسه[17].

والملاحظ في حالات الخلع التي رويت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أن المهر المأمور برده فيها كان عقارًا (حديقة) مما تزيد قيمته عادة ولا تثبت أو تنقص إلا نادرًا. أما المهر، في زمننا هذا، فإنه عادة مبلغ من النقود تنقص قيمته كل يوم. فماذا أعدّ مشروع القانون لكي يكون العوض الذي يأخذه الرجل في حالة الخلع مساويًا لما دفعه؟ ولنتصور رجلا دفع منذ عشرين سنة عشرة آلاف جنيه مهرًا ثم عرض عليه اليوم استردادها في الخلع هل يكون شأنه شأن صاحب الأرض الزراعية الذي أمره الرسول بطلاق امرأته وأمرها بردها إليه، أم إنه يكون قد أُجبر على قبول أقل مما دفعه مهرًا لزوجته المخالعة؟

ولا يُعترض على هذا التساؤل بزعم أن الزيادة على المأخوذ في المهر النقدي تثير شبهة الربا، لأننا لسنا بصدد عقد قرض أو وديعة مثلية مما تثور معه هذه الشبهة، وإنما نحن بصدد تعويض تدفعه المرأة إلى الرجل، وقد سماه الفقهاء في المذاهب كلها عوضاً في مقابلة ما تنزله به وبأسرته من هدم لبناء الزوجية وتشتيت لشمل الأسرة بسبب ما تحسه هي من بغضها إياه، والتعويض ينبغي أن يكون عادلًا ومقابلًا للضرر وجابرًا له ويؤيد ذلك ما قرره ابن قدامة في المغني من أن جمهور الفقهاء يرون جواز الخلع على أكثر من المهر[18].

فما دمنا نصنع تشريعًا جديدًا نتوخى به العدل بين أطراف الأسرة جميعاً، فالأصح أن نجعل ما تدفعه المرأة مساويًا في قيمته الحقيقية وقت الخلع للقيمة الحقيقية لما قبضته المرأة مهراً وقت الزواج، حتى لا نجمع على الرجل ضياع ماله وهدم بيته، والواجب عندي أن يقوم مؤخر الصداق عند الطلاق أو الوفاة بالطريقة نفسها لئلا تضار المرأة بسبب لا يد لها فيه .

وقد جعلت الفقرة الأخيرة من المادة (۲۰) من مشروع القانون حكم الخلع غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن، والأوفق في النظر القانوني الصحيح أن يساوى بين الخلع وبين أنواع التطليق الأخرى التي يوقعها القاضي جبراً عن الرجل، وكلها تقبل الطعن عليها بطرق الطعن المقررة، ولا فرق بينها وبين الخلع يوجب اختصاصه بحكم عدم جواز الطعن. والتخوف هنا من طول إجراءات التقاضي عند الطعن يعالج بتحديد مدة للفصل فيه لا تجاوز أقصى مدة العدة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام بالتقويم الهجري، فلو حددنا مدة الفصل في الطعن بأربعة أشهر لم يكن في ذلك ظلم على المرأة ولا إجحاف بالرجل بحرمانه من حقه في الطعن على قضاء لا يرتضيه .

القضية الخامسة- فقه العلاقة الأسرية:

من الفقه المهمل بين عامة المسلمين فقه العلاقة الأسرية، لاسيما علاقة الرجل بزوجته وبناته، وعلاقة الرجل بمن يتعامل معهن من النساء في حياته العامة.

فالغالب على الناس اعتبار النساء من مرتبة أدنى من مرتبة الرجال، وأن التعامل معهن – حين يكن أزواجاً وبنات- يجوز أن يُتغاضي فيه عن واجبات اللياقة وأصول المجاملة الواجبة، وآداب الصحبة الطيبة. ويروي كثير من الناس في ذلك من الأمثال الشائعة والأشعار السخيفة والحكايات، التي لا يعلم أصلها وصحيحها من سقيمها، ما يحاولون أن يسوغوا به السلوك الشائع في معاملة الرجال للنساء. بل لقد سمعت خطيب جمعة قال في مفتتح خطبته كلاماً حسناً ثم ختمه بعبارة زعم نسبتها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- يحذر فيها من صالحات النساء فضلًا عن غيرهن!!

وحريّ بالعلماء والفقهاء أن يبصّروا الناس بخطأ هذا كله، وأن يردوهم في شأنه إلى السنة الصحيحة التي يجب اتباعها، وهي ناطقة بأن النبي – صلى الله عليه وسلم- كان يصنع مع نسائه ما لا يخطر ببال أحد -اليوم- أن يصنع عشر معشاره مع زوجته وبناته.

ففي الحديث الصحيح أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- كان ينشغل في بيته بمهنة أهله، أي بالقيام بما يقمن به هن من شؤون البيت:

روى البخاري عن عائشة أنها سُئلت: «ما كان يصنع النبي في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله»[19]. وقد فسر العلماء المهنة بالخدمة، وبقيامه بشؤون نفسه من إصلاح ثوبه وخصف نعله ونحو ذلك. فأي الرجال اليوم يصنع ذلك؟ وأي العلماء يعلمه للناس ويدعوهم إليه أو يحثهم عليه؟

وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم- لا يسافر وحده – كما يفعل معظم الناس اليوم- بل كان يصحب معه في كل سفر إحدى نسائه، وكان يختارها بطريقة تطيب بها نفوسهن جميعًا، ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها- أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- كان «إذا أراد سفرًا أقْرع بين أزواجه (أي أجرى بينهن قرعة) فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- معه»[20].

وكان – صلى الله عليه وسلم- يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، يتفرغ فيهن للعبادة، ومع ذلك فإنه كان يستقبل زوجاته في معتكفه، ويذهب معهن في طريق عودتهن إلى بيوتهن إكراماً لهن ورفقاً بهن وتلطفاً منه – صلى الله عليه وسلم-. ففي المتفق عليه من حديث صفية أم المؤمنين -رضي الله عنها- «أنها جاءت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- تزوره في معتكفه في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب (أي تعود إلى بيتها) فقام النبي – صلى الله عليه وسلم- معها يَقْلبها»[21] (أي يصاحبها في طريق العودة).

وكان النبي – صلى الله عليه وسلم- يصحب أزواجه إلى ما يوجه إليه من دعوة لطعام، فعن أنس: أن جاراً لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- فارسياً، كان طيب المرق، فصنع لرسول- صلى الله عليه وسلم- طعامًا، ثم جاء يدعوه. فقال: «وهذه؟»، لعائشة، فقال: لا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا». فعاد يدعوه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «وهذه؟»، قال: لا، قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا»، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله: «وهذه؟»، قال: نعم، في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله.

وقد قال العلماء في بيان هذا الحديث: إن هذا من جميل المعاشرة وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة المؤكدة. فقد دعاه الفارسي وعائشة تجلس معه، فكرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم- الاختصاص بالدعوة دونها إكراماً لجليسه[22].

وكان – صلى الله عليه وسلم- يمهد لزوجته موضعاً ليناً لركوبها على البعير حتى لا يشق السير عليها. ففي صحيح البخاري[23] عن أنس بن مالك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- حوَّى[24] لصفية – رضي الله عنها- بعباءته، ثم جلس عند بعيره ووضع ركبته حتى تضع صفية عليها قدمها وتركب البعير. وهذا من عظيم رفقه – صلى الله عليه وسلم- بالنساء وإكرامه لهن، وهو ما لو فقهه الناس اليوم لعاش أكثرهم أسعد وأهنأ ألف مرة مما هم فيه.

وكان النبي – صلى الله عليه وسلم- يهش لابنته فاطمة – رضي الله عنها-، ويرحب بها حين تقبل عليه. ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أن فاطمة «أقبلت تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، فقال: مرحبًا بابنتي، فأجلسها عن يمينه أو عن شماله..»[25].

وفي رواية صحيحة عند أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي – صلى الله عليه وسلم- كان إذا دخلت عليه فاطمة – رضي الله عنها-: «قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه».

فمَن مِن المسلمين اليوم يجعل لبناته من نفسه وعاطفته مثل ما كان النبي – صلى الله عليه وسلم- يجعل لفاطمة؟ وإذا كانت الأسوة المقررة بنص القرآن للمؤمنين في النبي – صلى الله عليه وسلم- تجعل الاقتداء به واجباً على كل مسلم، أفلَيس الأَولى أن نكمل التأسي فنجعله في جوهر حياتنا كلها بدلًا من قصره على التأسي به -بأبي هو وأمي- في مظاهر الأشكال وظواهر الشعائر؟؟

وكان – النبي صلى الله عليه وسلم- رؤوفاً بالنساء حتى في الصلاة. ففي الصحيحين عن أنس ابن مالك أنه – صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه»[26].

وقد روى الشيخان عن عبد الله بن عباس أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- خطب خطبة العيد يوماً فرأى أنه لم يُسمِع النساء، فأتاهن فذكَّرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة»[27].

وأخبار شفقته – صلى الله عليه وسلم- على النساء ورفقه بهن كثيرة معروفة: منها ما رواه البخاري ومسلم من أنه كان في سفر، وكان غلام يحدو بإبل النساء (أي يغني للإبل حتى تنتظم في سيرها) فغنى غناءً أسرعت الإبل بسببه إسراعاً رآه رسول الله يشق على النساء فقال للغلام: «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير»[28]. ومعنى رويدك أي تمهل وترفق، فإنك تحدو حداء يشق به السير على النساء، واستعمال لفظ القوارير لما فيه من الإشعار بالرقة واللطف اللذين يضرّ بهما السير السريع مشعرٌ برأفته – صلى الله عليه وسلم- بهن ورعايته لهن.

ومن ذلك أنه رأى أسماء بنت أبي بكر يوماً – فيما روى عنها البخاري ومسلم- تحمل حملًا ثقيلًا عليها فأناخ لها راحلته لتركب خلفه، فكانت هي التي أبت حياءً من أن تمشي مع الرجال الذين كانوا في صحبة الرسول -عليه الصلاة والسلام-[29].

ومن ذلك، ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عباس أن رجلًا جاءه – صلى الله عليه وسلم- وقال له إني أريد الجهاد (في غزوة معينة) وإن امرأتي تريد الحج (أي في ذات الوقت) فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اخرج معها»، أي مع زوجته للحج. فأمره بصحبتها مفضلًا له ذلك على الخروج للجهاد في سبيل الله[30].

إننا إذا كنا ندعو إلى فقه جديد يناسب العصر، ويحقق فريضة الاجتهاد، فإننا ندعو أيضًا إلى نظر صحيح في الأصلين الخالدين لهذا الدين: يصحح به المسلم فكره وسلوكه، ونظرته إلى الأشياء والأشخاص، والأفكار الموروثة، والمفاهيم الشائعة، حتى يستقيم في ذلك كله على ما يرضي الله ورسوله، وأولى ما يكون ذلك فيه هو شأن المسلم في بيته ومع أهله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* منقول بتصرف من:

محمد سليم العوا. (2006). الفقه الإسلامي في طريق التجديد. ط. 3: مزيدة ومنقحة. الجيزة: سفير الدولية للنشر. ص ص. 147- 184.

** حقوقي ومفكر إسلامي مصري، وكاتب ومحام متخصِّص في القانون التجاري ومحكَّم دولي، وأستاذ جامعي سابق، ومستشار قانوني عمل لدى العديد من الحكومات في بلدان عربية شتى، والأمين العام السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

[1] رواه أبو داود عن عائشة برقم ٢٣٦ ط دار ابن حزم بيروت ۱۹۹۸؛ ورواه عنها الترمذي وأحمد. وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٣٣٣.

وقال الشيخ محمد مهدي شمس الدين – في تعليقه على الطبعة الثانية – إن «هذا الحديث ورد لبيان مماثلة المرأة للرجل في حصول الجنابة. وهذا كلام صحيح، لكن قال العلماء: والمراد هنا أنهن نظائر للرجال في الخلق والطبائع والأحكام كأنهن شققن منهم، فما ثبت من الأحكام للرجال يثبت للنساء إلا ما قام عليه دليل الخصوصية؛ راجع: عون المعبود جـ ۱ ص ٢٧٥؛ والمنهل العذب للشيخ محمود خطاب السبكي جـ ٢ ص ٣٢٦.

[2] رواه البخاري وغيره عن أبي بكرة، وسبق تخريجه.

[3] ابن حجر في فتح الباري ج ۸ ص ۱۲۸.

[4] نقله عنه ابن قيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ط المكتب الإسلامي بيروت ۲۰۰۲، بعناية صالح الشامي ص ۱۷۳. وقد نقلته في كتابي: في أصول النظام الجنائي الإسلامي، سالف الذكر، ص ٤١٩.

[5] ابن قيم الجوزية، السابق، ص ۱۹۰.

[6] انظر تفسير المنار، وهيئة الكتاب، ج۱ ص ۳۰۱، واحكام القرآن للجصاص، ج ١ ص ٣٧٦.

[7] ج ١ ص ٢٦١.

[8] القرطبي ج ٣ ص ١٢٥.

[9] المحرر الوجيز لابن عطية ج ۲ ص ۱۹۷.

[10] تاج العروس ج ۹ ص ۳۹.

[11] لسان العرب، طبعة دار المعارف، ص ۳۷۸۱.

[12] قدمه إلى المجلس الأعلى لشؤون الأسرة في قطر مشاركة منه في (مائدة مستديرة) في تاريخ 22/12/2004 لمناقشة موضوع دية المرأة في الشريعة الإسلامية.

[13] الإمام القرطبي، أحكام القرآن، ج ۳ ص ۱۳۸.

[14] رواه البخاري عن عبد الله بن عباس برقم ٥٢٧٣.

[15] رواه أبو داود عن حبيبة بنت سهل وعن عائشة برقم ۲۲۲۷ و ۲۲۲۸؛ ورواه النسائي عن حبيبة بنت سهل أيضا برقم ٢٤٦٢، ط بيت الأفكار الدولية، بالرياض ۱۹۹۹، وذكره الإمام البغوي في شرح السنة، جـ؟ طبعة ٢ المكتب الإسلامي في بيروت، ص ١٩٤.

[16] رواه البيهقي عن أبي سعيد الخدري، سنن البيهقي الحديث رقم ١٥٢٢٠، وقال فيه: (والحديث المرسل أصبح، ونسبه القرطبي في تفسيره إلى الدراقطني، ج ٣ ص ١٤١.

[17] تفسير القرطبي جـ ٣ ص ١٤٦٤ وحسن الأسوة لمحمد صديق حسن خان ص ٢٨٤ من طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت ١٩٧٦.

[18] ابن قدامة، المغني، ج ۱۰، ص ۲۷۰ من طبعة عبد المحسن التركي وعبد الفتاح الحلوة ومحمد نجيب المطبعي، تكملة المجموع شرح المهذب، ج ۱۸ ص ١٥٠.

[19] صحيح البخاري، ط الرياض، ج ٢ ص ١٦٢.

[20] صحيح البخاري ج ۷ ص ٤٣١، وصحيح مسلم ج ۸ ص ۱۱۲.

[21] صحيح البخاري ج 4 ص ۲۸۱ وصحيح مسلم، واللفظ له – ج ۷ ص ٩.

[22] صحيح مسلم، ج 6 ص ١١٦، من طبعة صبيح، القاهرة (د. ت)، وهو برقم ٢٠٣٧ في طبعة بيت الأفكار الدولية والتعليق في المتن من كلام الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم ج ۱۳ ص ۲۰۹، ط المطبعة المصرية، القاهرة (د. ت).

[23] ج ۷ ص ٤٧٨. ورقم ٤٢١١.

[24] حوّى أي صنع حوّية وهي كساء أو قماش يحشى بشيء ثم يدار حول سنام البعير ليكون أكثر راحة للراكب.

[25] صحيح البخاري ج 1 ص ٦٢٧ ورقم ٣٦٢٣، وصحيح مسلم ج ۷ ص ١٤٣ من الطبعة التي عليها شرح النووي، د.ت، وهو في طبعة بيت الأفكار الدولية برقم ٢٤٥٠.

[26] وجد الام حزنها وقلقها، والحديث في صحيح البخاري ج ۲ ص ۲۰۲ ورقم ۷۰۹ و ۷۱۰، وفي صحيح مسلم ج ٢ ص ٤٤ من طبعة النووي وبرقم ٤٧٠ من ط بيت الأفكار الدولية.

[27] صحيح البخاري ج ٢ ص ٤٦٦ وبرقم ٩٨ و ٩٦٢، وصحيح مسلم واللفظ له ج ۳ ص ١٨ وهو في الطبعة المرقمة برقم ٨٨٤.

[28] صحيح البخاري عن أنس بن مالك ج ۱۰ ص 593 ورقم ٦۲۱۰ وهو في المتن بلفظ هذه الرواية وله ألفاظ أخرى فيه أيضًا؛ وصحيح مسلم عن أنس أيضًا ج ۷ ص ۷۸ ورقمه ۲۳۲۳ ولفظه مختلف عن لفظ البخاري.

[29] صحيح البخاري ج ۹ ص ۳۱۹ ورقم ١٥٢٢٤ وصحيح مسلم ج ۷ ص ۱۱ ورقمه ۲۱۸۲.

[30] صحيح البخاري ج ٤ ص ۷۲ ورقم ١٣٠٠٦ وصحيح مسلم ج ٤ ص ١٠٢ ورقمه ١٣٤١.

عن محمد سليم العوا

شاهد أيضاً

حجاب المرأة

المرأة والحجاب في الخطاب التنويري

أ.تقى محمد يوسف

شكّلت قضية الحجاب أحد أبرز المداخل التي تجلّى من خلالها الجدل الفكري والاجتماعي حول وضع المرأة في العالم العربي والإسلامي، إذ لم يكن النقاش حوله مجرد خلاف فقهي، بل يعكس هذا النقاش رؤية المجتمع لنفسه وطبيعة التحول الذي عاشه العالم العربي في القرن العشرين.

حق الكد والسعاية

مركز خُطوة للتوثيق والدراسات

حق الكد والسعاية: مقاربة تأصيلية لحقوق المرأة المسلمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.