أخبار عاجلة

المقاصد بين عشوائية الإعمال وفوبيا التوظيف

المقاصد بين عشوائية الإعمال وفوبيا التوظيف*

يوسف حميتو**

إن الإسلام أراد للعقل الإنساني أن يكون مواكبًا للسنن الكونية في تحقيق الغاية من وجوده وأداء لوظيفته الوجودية وذلك باعتباره مناط التكليف. والعقل خاضع في كل عمله لقاعدة الشرع في تلقي أحكامه وفهمها وتنزيلها، وهو ما يعني حتمية التوازي بل الجمع بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية في تحقيق مقاصد الشارع، التي اتفقت الشرائع على أنها ما جُعلت إلا لمصالح الخلق في الدارين لأنها هي قوام الحكم الشرعي حين تنزّل، وغاية المكلف الذي سعيه أن يمتثل لأحكام الشريعة والدخول تحتها والعمل بمقتضاها، وانشغال المجتهد الذي همه ضمان سلامة تنزيل أحكام الشرع على أفعال المكلفين وواقعهم.

وهذه السلامة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مقاصد الشريعة الإسلامية، ولا يمكن حفظها واستدامتها إلا عبر ملكة عقل تجاوز مرحلة التعرُّف إلى مرحلة الارتياض والمباشرة والممارسة؛ عقل قادر على فهم نصوص الشريعة وردّ هذا الفهم إلى الحجج، بحيث يفضي كل ذلك إلى الرسوخ والاستحكام واستجماع المآخذ والأسباب والشروط التي يكفي المجتهد الرجوع إليها للتعامل مع الأحكام وتنزيلها على الواقع، وإلى استلهام ما تكتنزه الأدلة من مبادئ كلية وأبعاد مصلحية خاصة في ظل غياب التمكين الذي يتمثل في غياب الأمة عن الفعل الحضاري.

ومن هذا المنطلق، وباعتبار أن العقل المقاصدي عقل فاعل يرتبط حتمًا برعاية الغايات الكلية والمقاصد العامة للإسلام، وباعتبار أن مقاصد الشريعة هي الرابط الجامع بين مكوّنات الدين أصولًا وفروعًا وعقائد وأحكامًا، فإن العقل المقصدي مطالب أن يرعى في عمله تحقيق الغايات العظمى للدين دون أن يدّعي لنفسه حق الابتداع أو الاختراع، لأن دوره مقتصر على الملاحظة والتنزيل والإصلاح، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح فيه المسلمون اليوم في منزلة بين المنزلتين، فلا هم بأهل الإسلام على الحقيقة ولا هم بالخارجين منه على الحقيقة. هذا الزمن الذي غلب فيه منطق التبرير وطغت عليه نزعة الاستكانة والخضوع والانبطاح والاستسلام والدعوة إلى التجرد من الدين ومن الماضي.

أولًا: تيارات في التعامل مع المقاصد

إن مشكلة البحث المقاصدي المعاصر تتمثل في التوظيف والاستثمار والإعمال، ذلك أنه عند التأمل نجد أن مقاصد الشريعة الإسلامية تتجاذبها تيارات مختلفة، يمكن رصدها كالآتي:

1- تيار يتبنى المنهج التفكيكي لمصادر المقاصد الشرعية، وخاصة القرآن الكريم، ويدعو إلى التعامل مع القرآن باعتباره مجرد نص يخضع لمعايير نقد النصوص البشرية، وهو ما يعني القابلية للتأويل وإعادة التأويل والتجديد في تأويل نصوصهما (القرآن الكريم والسنة النبوية) وفق ما تقتضيه الحداثة والتطور الذي يفرض لغة جديدة غير لغة الوحيين، واعمال نظريات حديثة وحداثية في قراءة النص الشرعي تعتمد المقاصد خلال تأويل النص الشرعي بهدف الوصول لقصد صاحب الخطاب، وذلك على اعتبار أن الأحكام لا قيمة لها في ذاتها بل قيمتها في المقاصد التي تحققها، بل لا مشكلة في تقرير قوالب مقاصدية جاهزة تفرغ فيها الأحكام لتناسب روح العصر.

2- تيار يرى أن طبيعة الإسلام تأبى أن يستقر الدين على صورة واحدة، إذ ليس هناك صورة مُثلى يمكن أن تكون حاكمة على كل تاريخ الأمة الإسلامية، ودعواهم في ذلك أن الحق يتغير، لا من جهة معناه ولكن من جهة معاييره، وهذه المعايير تتغير بتغير مقاصد كل عصر. أما الموروث الفكري والحضاري والمفهومي المنقول عبر التاريخ لا نظر إليه إلا من جهة الاستئناس لا الالتزام.

3- تيار متهيب ترتعد فرائصه لمجرد قرع لفظ المقاصد لمسامعه، وليس سبب ذلك أنه يرفض المقاصد بل إن السبب هو مبدأ سد الذرائع الذي يتمسكون به في كل شيء، ولا يترددون أبدًا في إلصاق تهم التفسخ والانحلال والتجاسر على النصوص بكل مَن يناقش وظيفية المقاصد في تقرير الأحكام الشرعية.

وبتدقيق النظر في هذه التيارات، نجد أنفسنا أمام زاويتي نظر: أولاهما: لا ضوابط لها، متسيبة في منهجها، متسيبة عشوائية في وضع أهدافها، متسيبة في طموحاتها، ويمثلها أصحاب التيار الأول والثاني. وثانيتهما: متهيبة من إعمال المقاصد وتوظيفها متهيبة من الحديث عنها، والخوف كل الخوف لديهم من أن تتداخل المقاصد مع منزلة الأحكام، أو أن يُعتقد أن الأحكام جزء من ماهية المقاصد، ولا يتوانى أصحاب هذا الاتجاه من تفسير كل نكبات الأمة بالتمسك بالمقاصد.

ويمكن القول إن هذا التيار لديه فوبيا من الواقع بلغت به أن يوقف حركة المجتمع عند قضية هي نتاج واقع معين في زمن معين، أدى الاستمساك بها دون وعي بملابساتها إلى جعلها من الجزء الثابت من الدين لمجرد الخوف من التعدي إلى الثوابت الحقيقية. إن حائط الصد الذي يبنيه البعض بدعوى الذرائع قائم على أرضية واهية متمسحة بأعراف وعادات وواقع اجتماعي استقر وهمًا في النفس أن مخالفته مخالفة للشرع نفسه.

ثانيًا: المقاصد وعشوائية الإعمال

وهنا نريد التركيز على نتائج هذا التيار دون الإغراق في توصيفه، لأن نتائجه كافية في الإنباء عن كنهه ومنهجه. ولا نريد كذلك أن ننشغل في تحدي الأسماء، لأنه لا عبرة بها ما دامت تمثل نفس الاتجاه وتسعى إلى تحقيق نفس الغايات. وبقراءة متأنية في كتاباتهم يمكن أن نستنتج مجموعة من مظاهر الخطل والزلل عند أصحاب هذا الاتجاه.

  1. التساهل في صورة التسهيل:

التسهيل منهج من مناهج النظر والفتيا، وأساسه الإفتاء بالأسهل والأخذ بالأيسر في الفتيا على الدوام، أو في غالب الأحوال، ولو خالف ذلك دليلًا شرعيًا راجحًا. وأهل هذا المنهج يرون أن تجاوز النصوص أصبح ملحًا في العصر الحاضر من أجل أن تتحقق المقاصد، وتفاديًا للوقوع في وثنية جديدة. ولربما ذهب بعدهم إلى ما يمكن أن نصفه بحاكمية المصلحة في ظل واقع منحرف يعيشونه انطلاقًا من نظرتهم للنصوص ومنهج التعامل معها، فما دام القصد هو المصلحة فلتكن هي معيار الحكم على المقبول والمردود، فما وافقها عُمل بها وما خالفها رددناه ولم نلتفت إليه ولو كان نصًا. ومن ثم فلا بد من الانسياق وراء الواقع بليّ أعناق النصوص وتتبع شواذ أقوال الفقهاء، مما يعني أن الأمر كله يقوم على اتباع الهوى، ومآله انخرام قواعد الشريعة، خاصةً إذا بُني هذا التسهيل على تتبع رخص المذاهب والتلفيق بينها.

وهنا نذكر بما كنا قررناه حول ذبح الجزئيات بحدّ المصلحة، فأهل هذا المنحى لا يرون حرجًا في التوسعات وتتبعها، ولا بأس في تجاوز الخلافيات حتى تسهل على الناس حياتهم. ومن هنا فمتى عُرض للناس أمر فليبحث عن أسهل قول من أقوال المذاهب، وليكن هو المرجع الفصل دون اعتبار لأية ضوابط منهجية أو شرعية أو حتى خلقية، ضاربين عرض الحائط بكل ما قرره المتقدمون من مواقف تجاه العمل برخص المذاهب. فترى البعض منهم يقول: «ما العيب في أن يأخذ الناس باليسر في كل مذهب فقهي».

والحقيقة أن أهل هذا المنهج باختيارهم سلوكه، إنما يُقِرون بعجزهم عن التعامل مع النصوص، وعن الجمع بينها وبين الواقع، وعن عدم استيعاب للمنهج الأصولي الاجتهادي. إذ إن نسبة كبيرة منهم لا يعلمون عن المنهج الأصولي إلا اسمه، فلا يفهمون علاقة العام بالخاص والمطلق بالمقيد، ولا يفهمون حقيقة السياق وأثره في الدلالات، ولا علم لهم بأساليب اللغة حتى يدركوا ما سبق. بل إنهم عاجزون تمامًا عن إدراك المقاصد التي يُعلون لواءها ويرفعون مقامها، وليس لهم هم إلا التعلل، وكل ذلك بدعوى التقصيد فيجمعون بين ما لا يجتمع ويقومون ما لا يستقيم. حجتهم في ذلك الرحمة بالناس والتيسير عليهم حتى ضيعوا عليهم حقوقهم وأضاعوا لهم حدودهم، وصدق عليهم قول الماوردي رحمه الله: «من نُسب إلى رحمة تبطل حدًا أو تضيع حقًا كان كما قال المتقدمون: كالطبيب الذي يرحم العليل من ألم الحديد، ومرارة الأدوية، فتؤديه رحمته إياه إلى هلكته، وتورده حياض منيته، فتصير رحمته له أبلى من قسوته ورفقه به آخر من غلظته».

إن العقل المقصدي السويّ لا يملك الجرأة على أن يحرّف الكلم عن مواضعه، فيقرر ما حقه الإلغاء من المصالح المتوهمة بدعوى التسهيل على الناس، إذ الشعار الذي ينبغي أن يرفعه هو تسهيل لا تساهل، وتنزيل لا تنازل، ومراجعة لا تراجع، فالتنازل منه يعني منازلة المقاصد الأساسية نفسها بتأويلات بعيدة أحيانًا وفاسدة أحايين أخرى، ومنازلتها تفضي حتمًا إلى التنازل عن كثير من القيم الضابطة للتلقي والفهم، وهذا حتمًا مآله إلى فساد في التنزيل، مما يعني حتمًا ضرورة التراجع عن الثوابت لصالح المتغيرات بدل مراجعة المناهج لمعالجتها. ومن البداهة أن يصدق على هذا المنهج قول الشاطبي رحمه الله: «المتعدي على طريق المصلحة المشروع ساعٍ في ضد تلك المصلحة».

هذا التعدي يستتبع أمورًا أخرى، وينتج عنه نتائج من الحتم أن تؤدي إلى الغاية التي من أجلها وُجد. فاستحكام العداء لكل ما هو شرعي ناتج عن زعم أن هذه الشرعيات هي نتيجة عقل فقهي بدأ جامدًا وانتهى متحجرًا رغم كل الحركية التي شهدها تاريخ الفقه والاجتهاد. فقد كانت حركية متسلسلة تدور في فلك الأولين دونما إبداع بدعوى الاتباع، بدليل أن المبدعين من الفقهاء والأصوليين والمجتهدين – وهم قلة كالطوفي والشاطبي- لاقوا عنتًا كبيرًا في عرض مشروعهم التجديدي الذي تراجع أمام صلابة الجمود الذي عرفه العقل العربي والإسلامي.

  1. تقصيد ما ليس بقصد

التقصيد له ارتباط بالتعليل، إذ التعليل هو أساس الفكر المقصدي برمته. ولا نريد هنا الدخول والاستفاضة في الحديث عن نشوء فكرة التعليل ومذاهب الأصوليين والمتكلمين فيها، لأن ذلك ليس مقصودنا من هذا البحث، إنما القصد هو بيان أن المتقصدة أو المقاصديون الجدد لهم تصور ومفهوم خاص لمبدأ التعليل. فإذا كنا نسلِّم بمذهب الجمهور في أن أحكام الله تعالى معلّلة بعِلل علِمناها أم جهلناها، فإن بعض دعاة إعمال المقاصد من غير المتشرعة وحتى من بعض المتشرعة أنفسهم لهم منحى آخر يختلف تمامًا عن مذهب الجمهور.

إن مَن ينتسب إلى الفقه إذا أحكم علم الأصول واستوعب مباحثه أو على الأقل استجمع آليات التعامل معه لا يمكن أبدًا أن ينحرف في توظيف المقاصد والسلوك بها مسلكًا هادمًا للشريعة، واتخاذها منجنيقا ترمى به حصونها وثوابتها، ولا يمكن أبدًا أن تكون حجته “المعقولية الحديثة” التي بنى عليها المتقصدة من العلمانيين نظرتهم إلى المقاصد ومنهجهم في إعمالها وتوظيفها.

إننا حين نتحدث عن مزالق العقل المقصدي ومحاذيره، فإننا لا نريد التحذير من المقاصد، وإنما التحذير من منهج استثمار المقاصد في التعامل مع النصوص الشرعية التي تجرأ عليها العلمانيون والحداثيون، فقَصَّدُوا أمورًا ما هي بقصد، أو خرجوا بها عن القصد، أو وضعوا مقاصد لا تصلح أن تكون مقصدًا للتشريع الوضعي، فكيف تصلح أن تكون مقصدًا لشرع الله تعالى؟

من هنا نقول: إن التقصيد بغير دليل مقتل العقل المقصدي، لأنه يترتب عليه قتل روح الشريعة وتعطيل معانيها، فتختل الموازين وتتخلخل الثوابت وتتضعضع الكليات الشرعية وتنتقض الجزئيات الفرعية بسبب أوهام لا أثر متحقق لها في الواقع، وتخيلات متصورة في صورة المحسوسات.

  1. منطق التبرير:

يتأسس منطق التبرير على تسويغ الواقع باعتباره جزءًا من التراث. فالتراث عندهم لا يستقل عن واقع حي يتغير ويتبدل، يعبر عن روح العصر وتكوين الجيل ومرحلة التطور التاريخي. هذا التطور هو الذي يبرر حاكمية الواقع على النصوص وذلك باعتبار أن التشريع استخلاص إلهي مقيد بشخصية الواقع مما يجعله نسبيًا في فهمه وفي تطبيقه. ومن هنا وجبت تصفية النصوص عمومًا من كل الأفهام والتأويلات التي وقعت فيه عبر مراحلها. يشهد لذلك ما يقوله بعض أساطين العقل المقصدي المحرف والمنحرف حين يتحدث عن فهم السلف للنصوص: «التبصر بالمنهج القرآني الكلي يدفع بنا عميقًا إلى المكنونات، ويكشف لنا عن أن الكيفية التي فُهم بها القرآن في مرحلة تاريخية معينة لا تعني أن الفهم كان خاطئًا بالقياس إلى تلك المرحلة، فذلك حظهم من القرآن ضمن خصائص واقعهم وأبعاده التاريخية. ولكن الخطأ في تطبيق مفهومية التجربة السلفية على خصائص واقع مغاير بأبعاد تاريخية مغايرة. وتحسباً لهذه المتغيرات التاريخية في الواقع، مع بقاء القرآن كما هو مستمراً وخالدًا، فقد جعل الله عز وجل المنهج مرادفًا للقدوة النبوية وجعل النفاذ إلى المكنون بالمنهج هو البديل عن الفهم السلفي للقرآن».

إن هذا المنطق التبريري جرّأ الكثيرين من المتقصدة – الذين يزعمون ظلمًا وعدوانًا غيرتهم على الدين- على ثوابت الشريعة ونصوصها، بدعوى أنهم يقصدون إقرار منهج يحفظ للشريعة بهاءها ودوامها وصلاحيتها لكل زمان ومكان. وهذا المنهج يجب أن يرتبط بالواقع من خلال عقلانية تبرر كل ما هو ماثل في الواقع تبريرًا يقبله الشرع ولو ظاهرًا على أساس نظر مصلحي موهوم وفهم مقاصدي مغشوش جعلوه ملجأ لتسويق حجتهم والتنظير لباطلهم واختراق العقول بهذا الزيف المصطنع الذي يؤسس ثقافة تبريرية لاختياراته من خلال خلق صراع وهمي بين القديم والحديث والأصيل والمعاصر.

بناء على ما سبق، فإن ما ينبغي على العقل المقصدي السعي إليه لمواجهة هذا المنطق التبريري هو رد الاعتبار لواقعية الأحكام الشرعية من خلال أبعادها الصحيحة فهمًا وتنزيلًا، وانطلاقًا من معطيات واقعية حقيقية لا متوهمة تفضي إلى تهيئتها لتطبيقها على الواقع وصياغتها إلى مشاريع واقعية كذلك، عوض أن تبقى مجرد كليات، أو أن تصبح عرضة لتخرصات رخيصة.

إن منطق التبرير الذي يفهمه العقل المقصدي يقوم على «دراسة علمية موضوعية، تستكشف جميع أبعاده وعناصره بإيجابياته وسلبياته والعوامل المؤثرة فيه، بعيدًا عن التهوين والتهويل، وبمعزل عن النظرات المثالية الحالمة، والنظرات الانهزامية المتشائمة، والنظرات التبريرية التي تريد أن تسوغ كل شيء، وإن كان أبعد ما يكون عن الحق، وأن تعطيه – بالتكلف والاعتساف- سندًا من الشرع».

منطق التبرير الذي يفهمه العقل المقصدي هو منطق التعليل الذي عليه التقصيد وهو المنطق الذي أقر به جمهور الأمة عبر تاريخها، فلا مسوغ عنده لأي اجتهاد أو تجديد أو نظر إلا إذا ارتبط بهذا المنطق الذي يأخذ بحجز النفس من أن ترتبط بالهوى، ويحفظ خواص الشريعة.

  1. تقرير نسبية النصوص والمقاصد:

هذه نتيجة حتمية لمنهج التساهل والتقصيد بلا دليل ولمنطق التبرير، إذ كلها عوامل مؤسِسة لمنحى فكري قوامه سيادة المجتمع على أحكام الشريعة. فإذا كانت الغاية هي استدامة الصلاح، فإنها يمكن أن تتحقق من خلال تغيير المفاهيم كليةً، فلم يعد هناك مبرر لثنائيات المفاهيم التي يجب أن تُحسم بشكل كلي لصالح مفهوم واحد. فلم يعُد من الممكن القول بقطعية النصوص، ولم يعد جائزا الحديث عن الجزئيات، ولم يعد مقبولًا حصر العقل في قوالب محددة، ولا أن تحدد له مناهج اشتغاله. فلا قوالب ولا أنماط ولا مناهج ثابتة، بل تبدلية عامة دائمة، لأن الدين ليس حِكرًا على أحد، ومحاولة فهمه حق مشروع لكل فرد، ولا حق لأحد أن يفرض وصايته على الفهم أو أن يقول إن منهجًا ما هو المنهج الأصوب، فكل المناهج صائبة، ومن ثم لم يعد مقبولًا ولا مبررًا التمسك بقاعدة كون كل حكم تعلَّق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مما عرف بالضرورة من دينه.

وعلى هذا فكل قراءة للنص الشرعي وفق ما تقتضيه مصلحة العصر هي قراءة صائبة، فلا مجال اليوم لإشكالية التصويب والتخطئة التي أخذت حيزًا كبيرًا من انشغال العقل الإسلامي. بل إن الواجب اليوم هو إعادة تصنيف القواعد الشرعية ومحاكمتها بمنطق العصر الذي يقضي حتمًا بإلغاء صفة الثبات عنها وإضفاء ذات الصفة على المقصد الذي ينبغي أن يكون ثابتا ما دامت مبررات ثباته قائمة لأن «البحث عن المقاصد من خلال العرضي والمتغير هو الكفيل بتقديم قراءة مشروعة للنصوص الدينية، قراءة موضوعية بالمعنى النسبي التاريخي، ذلك أنه مع تغير الظروف والملابسات والأحوال نحتاج إلى قراءة جديدة تنطلق من أساس ثابت هو المقصد الجوهري للشريعة»

ثم إنه إذا كان من المقرر عند المتقدمين أن الأحكام تدور مع عللها، فإن هذا الأمر مبرِر للمراجعة على اعتبار أن الإسلام نظام للحياة، مبنيّ على ظواهرها، محكوم بنواميسها، مردودة أحكامه إلى العلل المنضبطة التي تدركها العقول، وأحكامها تدور مع هذه العلل، فإن ذلك يقتضي العمل بالحكمة الظاهرة واعمالها وتحكيمها، فما دام الأمر كله لا يخرج عن دائرة الإسلام، فليبق الناظر طليقًا حرًا من أي التزام تجاه نص شرعي أو رأي فقهي، ولْينتقِ ما شاء مما شاء في صفحات الكتب، وليختر – إن شاء- فقط العمل بروح الإسلام العامة ومقاصد الدين الكلية.

إن هذا العبث الذي يتسم به هذا النوع من العقل المنتسب إلى المقاصد يجرِّد الشريعة من كل خواصها السماوية والتشريعية والمقصدية. في حين أن العقل المقصدي السوي عقل يقف عند الضوابط التي قامت على نصوص الشريعة وما دلت عليه من دلالات نصية وعلل حكمية، يحفظ للشريعة مكانتها ويحفظ لنفسه قدره لا يعدوه، هو عقل يجسد فكرة التلاقي بين الوحي والعقل البشري بمنهجية واضحة وثابتة ومقننة، يفرق فيها بين الثوابت التي لا يطولها الاجتهاد وبين المتغيرات التي يلاحقها بالمتابعة والكشف.

ثالثًا: فوبيا توظيف المقاصد

يمكن القول إن هذا التيار لديه فوبيا من الواقع بلغت به أن يوقف حركة المجتمع عند قضية هي نتاج واقع معين، في زمن معين، أدى الاستمساك بها دون وعي بملابساتها إلى جعلها من الجزء الثابت من الدين لمجرد الخوف من التعدي إلى الثوابت الحقيقية. إن حائط الصد الذي يبنيه البعض بدعوى الذرائع قائم على أرضية واهية متمسحة بأعراف وعادات وواقع اجتماعي استقر وهمًا في النفس أن مخالفته مخالفة للشرع نفسه.

وهذا التيار وإن كان لا يرفض المقاصد في حد ذاتها، إلا أن بعض ممثليه ذهب إلى اعتبار أن العمل بالمقاصد والدعوة إليها كان سببًا لعدد كبير من النوائب التي حلَّت بالأمة. حتى إن المرء وهو يقرأ لهم يخال أنه ما من نكبة نكبها المسلمون المعاصرون إلا والعمل بالمقاصد سببه ومصدره. فنتيجة الدعوة إلى إعمال المقاصد تخلّى المسلمون عن إعادة الخلافة ورضوا بالتشرذم في تكتلات ما تتحد إلا بالقدر الذي تتخالف وتتناحر فيه، ونتيجة الدعوة إلى إعمال المقاصد أصبح جهاد الطلب أمرًا منبوذًا ممجوجًا لا يأبه إليه إنسان، ونتيجة الدعوة إلى إعمال المقاصد سقطت عقيدة الولاء والبراء وانتفى الانتماء إلى العقيدة وحل محله الولاء الإقليمي والوطني والسياسي، ونتيجة إعمال المقاصد استبدلت الشريعة بالنظم الوضعية، وغير ذلك مما لم تسلم منه الدعوة إلى إعمال المقاصد.

وإذا ما أردنا استنتاج بعض ما يؤدي إليه هذا المنهج من نتائج، فإنه يمكننا الحديث عما هو آت:

  1. تعطيل العقل الاجتهادي:

ذلك أن هذا التهيّب المبالغ فيه يعود بنا إلى الفترة التي بدأ الحديث فيها عن سد باب الاجتهاد، وأن إبقاء هذا الباب مفتوحًا ستدخل منه على الأمة مصائب ونوائب كثيرة. والحال أن المصائب والنوائب دخلت والعقل الاجتهادي معطل، فهل أغنى ذلك شيئًا؟. فالأكيد أن إغلاق باب الاجتهاد في قرون سابقة تولد عنه نتائج عكسية، إذ وقعت الأمة فيما فرّ منه علماؤها، وصارت النوائب تترى وعلماء المسلمين ينظرون وليسوا يستطيعون فعل شيء إلا استرجاع واستحضار النصوص ومواجهة الوقائع المستجدة بالحفظ والتخريج والقياس. مع العلم أن الاجتهاد ملَكة لا تقوم على الحفظ فقط، بل الاجتهاد ملَكة تتأسس على الموازنة بين المصالح والتنسيق بين المآلات، وترصد مدى تحقق المقاصد، وعوارض تخلفها وانخرامها، مما يعني أن القسم الثاني من أقسام الاجتهاد وهو فقه النفس أصبح ملغيًا مجمدًا، مع يقين الجميع أن العالِم ليس هو من يحفظ فقط، بل العالِم هو الذي يستطيع تنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي، لأنه ذو تبصر زائد على حفظه الأدلة ومواقعها ومناشئ الأحكام منها.

  1. الغلو في الذرائع:

الأصل في سد الذريعة أنه قاعدة مقصدية الغرض منها منع المآلات المنخرمة الفاسدة التي لا توافق الشرع في جوهرها، وإن وافقته في ظاهرها. لكن صارت هذه القاعدة نفسها سلاحًا يُشهر في وجه إعمال المقاصد واستثمارها في الفعل الاجتهادي، وصار همّ الأكثرين أن يترصدوا العوارض المانعة من المباحات، وتقدير المفاسد دون اعتبار المعارض.

  1. التعدية الآلية للأحكام وانخرام مبدأ العدل:

لا تنفصل المقاصد الشرعية عن فقه المآلات. وارتباطًا بعمل المفتين فإن المقاصد هي قوام عمل المفتي، إذ المعلوم أن الهدف من الفتوى تنزيل النصوص على الوقائع، وتحقيق مقاصد الشارع في آحاد المستفتين. ولما كانت مقاصد الشارع واحدة لجميع المستفتين وفى مختلف الظروف، وكان مدى تحقيق هذه المقاصد يخضع لحالة المستفتي وظروف الفتوى. وكان من اللازم على المفتي أن يتصرف في فتواه بما يحقق تلك المقاصد الثابتة والمشتركة بما يتلاءم مع الظروف المحيطة بالمكلف، والغاية في كل ذلك ضمان العدل وتحقيق المصلحة الشرعية. والمقصود بتنزيل المقاصد على الواقع هو القسم الثاني من أقسام الاجتهاد، أي فقه الحكم وفقه المحل. ففقه الحكم هو تمثل لقصد الشارع من وضعه للأحكام. وفقه المحل هو الفهم التجريدي للحكم الشرعي ومدى تحقق قصد الشارع من وراء تشريعه للحكم بعد التكييف العملي له في حقيقة الواقع، وذلك بغرض استدامة صلاح نظام الأمة بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان.

هذه وظيفية المقاصد، ومن هنا كان فقه التنزيل المبني على تحقيق المناط، هو نفسه مراعاة المال الذي يهدف إلى التحقق من تحقيق مقاصد الشريعة، وذلك بالاستناد إلى أن التعدية الآلية للأحكام دون مراعاة لمآلاتها تؤدي حتمًا إلى خطأ في الفهم. والخطأ في الفهم بالضرورة يفضي إلى الخطأ في التطبيق، والخطأ في التطبيق يعود بالطبع على قصد الشارع بالنقض. وهذا معنى قول الشاطبي حين يقول: «المقصود من وضع الأدلة تنزيل أفعال المكلفين على حسبها». وبذلك نستطيع أن ندرك حقيقة تعريفه لمعنى تحقيق المناط حين قال: «أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله…».

إذن، ليس هناك مبرر لهذا التوجس خيفة من إعمال المقاصد، حتى ولو زعم البعض أن الموقف ليس من المقاصد في حد ذاتها، وإنما هو ممن يعمل المقاصد ويوظفها. وهذا وإن كان صحيحًا من وجه إلا أنه لا يصلح أن يكون ماثلًا من كل وجه، لأن ما يترتب على الغلو في إعمال المقاصد هو نفسه ما يترتب عن الغلو في منع إعمالها وإن اختلفت صور التفصي. وذلك على اعتبار أن التعدية الآلية للأحكام دون النظر إلى مقاصدها ومآلاتها، يفوّت محل المقاصد نفسها، ويقطع الوسائل إلى الأحكام في ذاتها. والإسراف في إعمال الاحتياط يضيّع مصالح حقيقية غير متوهمة، خاصة ما يتعلق بالمصالح الراجعة إلى الدنيا، والتي يقول فيها الشاطبي رحمه الله: «فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تُفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة…».

 وأي خرق للمعاني السابقة هو إهدار للمصالح المعتبرة شرعاً، وهذا يعني انخرام مبدأ العدل الذي هو مقصد جوهري للشارع، والذي ما شُرِّعت الأحكام والتكاليف إلا لأجل إقامته مهما كانت نوعية هذا الخرق وحجمه والباعث عليه. ذلك أن مناط النظر في أمثال هذا التصرف إنما هو نفس الإهدار الذي تم به فوات العدل، وفوات العدل يتحقق بفك الارتباط بين الأحكام ومقاصدها، وبين الترابط بين المقاصد الكلية والمقاصد الجزئية، والتي على المكلف السعي إلى تحقيقها وتحصيلها من منطلق الامتثال الذي جعله الشاطبي أحد المباحث الأربعة التي يتركب منها القسم الأول من مقاصد الشريعة عنده.

  1. إهدار المساق الحكمي للشريعة:

وهنا أسوق حرفيًا كلامًا جميلًا للدكتور قطب الريسوني يقول فيه: «إن معالم الرشاد في الاجتهاد والفتوى: الموازنة بين الكليات والنصوص الجزئية، وبين المقاصد وأفراد الأدلة على نحو يعصم من الميل إلى أحد الطرفين: الجمود الحرفي على النصوص باعتصار ظواهرها، وتحكيك ألفاظها في غفلة عن المعاني والمقاصد، أو تعطيل الأحكام وإهدار مراسيمها بدعوى الوقوف عند مراد الشارع وروحه. وهنا تكثر الملاحاة والمماضة بين الحرْفي الضيق والمقاصدي المتقوّل، وكلاهما ناكب عن الصواب، لأن الجزئيات لا تُفهم مقطوعة عن كلياتها، والكليات لا تُستصحب بمعزل عن جزئياتها، والميزان اعتبار كل من الكلى والجزئي بصاحبه وصنوه، ورد أحدهما للآخر، انتهاء إلى التصور الشامل لسياق الشريعة ومراداتها في التكليف…».

  1. اندثار النظرة الموضوعية للأحكام الشرعية:

يؤدي الغلو في الاحتياط من إعمال المقاصد إلى تحطيم النظرة الموضوعية للشريعة، وفكّ الارتباط بالحيثيات والمكونات التي تكوّن واقعًا ما، والتي تكون ملموسة مشخّصة فيه، والتي لها تأثير كبير في استنباط الحكم الشرعي وبنائه على العلة المقتضية له، إما لمصلحة تُستجلب أو المفسدة تُدفع، مما يعني اطرادًا ضرورة تلازم الموضوعية المقصدية والموضوعية في الوسائل المؤدية إلى تحقيقها، وإلغاء هذا الاطراد يتولد عنه انخرام مبدأ اعتبار المآل الذي يتأسس على الالتفات إلى النتائج المادية والملموسة لأفعال المكلفين والتي ينبغي أن يتوافق فيها قصدهم مع قصد الشارع.

رابعًا: ضرورات لتثبيت المنحى الوسطي في التعامل مع المقاصد

إن هذين الموقفين من المقاصد أورثا الأمة تخلفًا على مستوى البحث العلمي والتشريعي. فتيار العشوائية والتسيب إنما يفضي إلى أن تُجرد الشريعة من كل مقوماتها، ولا يبقى للإنسان شيء غير هواه. وتيار الغلو والاحتياط وفوبيا الإعمال يقف محله لا يتقدم خطوة إلى الأمام، ولا يستطيع أن يتعامل مع الواقع كما هو. ولعل ما نشهده من أحداث فكرية وسياسية في مختلف البلدان الإسلامية شاهد على ذلك. وللأسف الشديد أن تيار التسيب يعمل في صمت ويخطط لمدى بعيد، في حين أن تيار الغلو في الاحتياط يرى فقط حد أرنبة أنفه، لا يستطيع أن يدير عنقه أو يرفع رأسه ليرى ما يحيط به، مهووس بالظواهر، عاض على النصوص، لا يسمح لنفسه بمجرد التفكير فضلًا عن الفعل، ودعواه القديمة الحديثة التزام ما كان عليه السلف.

وهذه الأزمة التي تعيشها المقاصد اليوم، لا يمكن رفعها إلا إذا استطعنا أن نحقق أربع ضرورات:

  1. التأهيل

المقصود بالتأهيل تلك العملية الدائمة والمستمرة من أجل إيصال المتصدر للبحث المقاصدي إلى أعلى مستويات اكتساب الملكات التي تجعله قادرًا على مواجهة ما يُعرض أمامه. ولن يكون في الأمر مبالغة إن سمَينا هذه الملكة بالصناعة. وهذه الملكة المقصودة أمر زائد على تحصيل العلوم والمعارف، لكن حصولها متوقف على تحصيلها إذ بها تكتمل عناصر الصناعة، ولا تنحصر في صورة واحدة بل لها عدة صور؛ فتطلق على الإدراك والفهم وعلى الاستحضار والتصرف في الشيء، والاستخراج والاستنباط. ويُفهم من كل ذلك أن المَلَكة لا تحصل إلا بالإحاطة بمبادئ وقواعد الفنون، والوقوف على مسائلها واستنباط فروعها من أصولها.

هذه المَلَكة المؤهِلة للناظر والباحث المقاصدي أن ينظر إلى ما وراء الشرع للكشف عن أسراره وحِكمه ومعانيه التي انبنت عليها أحكامه وليس معنيًا بأن يشرِّع. ولن يقع ذلك إلا بامتلاك عقل منفعل ومتفاعل مع واقعه، وهو انفعال يجب أن يستصحب لحظة تلقي نصوص الشرع، وساعة ربطها بمناطاتها واقتضاءاتها من خلال التحقق من محال أحكامها ومجلى جريانها واستجلاء مقاصدها على اختلاف مستوياتها ووقت تنزيلها وتحقيق ثمرتها، مع شرط سلامة منهج التلقي وصحة الفهم وتحقق التصور والإدراك للأبعاد الاقتضائية للنصوص الشرعية وأبعادها الغائية.

ونحتاج هنا إلى ما يمكن تسميته بعملية «التأليل»، وهي عملية من شقين:

تأليل فقهي مبناه على التكوين اللغوي والأصولي والفقهي المتين من خلال القدرة على استجماع الآليات المنهجية التي تمكِّن الناظر من تلقي الخطاب والأحكام من مداركها والتوثق من ملاكاتها والقدرة على النظر في محالها، وإلحاق الفروع بأصولها.

 –  تأليل سياسي: ومبناه على صناعة الفتوى التي يقول فيها شيخنا العلامة الدكتور عبد الله بن بيه: «كل صناعة لا بد لها من خمسة أشياء تكون عللًا لها – كما يقول أبو زيد البلخي- مادة، وصورة، وحركة، وغرض، وآلة. فمادة صناعة الفتوى هي قضايا الناس ونوازلهم، ونصوص الشريعة ومقاصدها. والصورة التي ينحو نحوها هي موافقة الشرع وإقامة العدل. وأما الحركة فهي تركيب المادة على الصورة أي الحكم الشرعي. أما الغرض فهو أن تكون أمور الناس موافقة للشرع واستدامة ذلك. وأما الآلة فهي حشد الأدلة واستنفارها لمعالجة القضية».

  1. التأصيل

ومعناه أن البحث المقاصدي ينبغي أن يردّ قواعد وآليات عمله إلى الشريعة نصوصًا، ومعاني، ومقاصد، بحيث تكون الشريعة هي الحاكمة على نتائج وثمرات حركته التي تعلقت بأحوال المكلفين، وهو بهذا يضمن حماية الشريعة لأنه يضبط عمل العقل المقصدي فلا يسمح إلا بالقدر الذي يسمح به الشرع، ولا يتعدى الحدود التي ينبغي أن يقف عندها، لأنه ليس إلا مجرد آلة تشتغل لتحقيق والتحقق من وقوع المقاصد التي تقصدها الشارع والغايات التي تغياها كما أرادها. هذا بالإضافة إلى فهم نصوص الشريعة وإدراك مقاصدها وفق فهم السلف، لأنه – كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: «فإنه كلما كان عهد الإنسان بالسلف أقرب كان أعلم بالمعقول والمنقول». وهو المعنى ذاته الذي يشير إليه الدكتور طه عبد الرحمن حين يقول: «مقاصد الشرع هي قيم، والقيم كما هو معلوم أمور تدق وتخفى، أو على الأقل تخفى بها الأصول لو افترضنا أنه يُشترط في هذه الأصول أن تكون أظهر من أن تحتاج إلى دليل لإثباتها. لذا كنا مطالبين بالاشتغال وبالزيادة فيه للاهتداء إلى المقاصد ولحفظها في أعمالنا بأكثر مما نحن مطالبون بهما للعلم بالأصول. وإذا قوي الاشتغال على مقتضى الأصول الصحيحة عند العامل وتمكّن من جوانحه ولو درجة، ألقى هذا الاشتغال في فهمه من المعاني ما يبصره بقيم الشرع العليا ومقاصده الشريفة، وهكذا يتخلص العامل من الاختلال في التوجه بفعل المعاني المبثوثة في فهمه نتيجة زيادة العمل».

وتعود أهمية التأصيل في هذه المرحلة إلى التخبط الذي تعرفه كثير من الدراسات والأبحاث، وكثير من الفتاوى التي أقل ما يُقال عنها أنها عشوائية لا تعتمد على أصل متين، وإن اعتمدت على أصل كان مناطها غير ملائم للتنزيل في الواقع لكونها تعلقت بقضايا لا تستقيم تعدية الحكم منها إلى القضايا المعاصرة لاختلاف مآلات التنزيل.

  1. التفعيل

وهو مفهوم مقابل للنزعة التجريدية التي طغت على الكتابات الأصولية فيما يتعلق ببيان القواعد والأدلة، والتي تتمثل في الخلو السلبي للأمثلة الواقعية. وهو الأمر نفسه الذي يمكن أن نقرره في البحث المقاصدي، إذ لا تزال الصبغة التجريدية غالبة عليه نظرًا لخفاء المعاني على كثير من المتصدرين للبحث المقاصدي، لكننا نختار وصفًا آخر يلتقي مع التشغيل في المفهوم لكنه يزيد عليه في كونه يتميز بجعل المقاصد أداة للتوجيه وللتحكيم في النتائج عند العدول عن القياس لأي سبب من الأسباب الموجبة للعدول عنه، وهو مصطلح التفعيل. والمقصود به البحث عن منطق يحفظ التوازن بين الكلي والجزئي، وذلك حتى يكون البحث المقاصدي «فكرًا قاصدًا يحدد مقصوده، ويقدر جدوى مقصوده، قبل أن يفتح قضاياه ويدخل في معاركه»، ويستطيع أن يحقق مقاصده التي يسعى إليها. هذه المقاصد هي حتمًا مقاصد الشارع لا المقاصد المبنية على مجرد الهوى والتشهي.

إن التفعيل الذي نحن بصدد الحديث عنه ليس المقصود به التحكم كما قد يفهمه البعض، إنه بكل بساطة عملية المراد منها أن تكون الغاية هي الوصول إلى المقاصد، وأن تكون ممارسة عملية الاستنباط بوسائله مجرد طريق إليها. فالكثير من الناس يعتقدون سلبًا أو إيجابيًا أنه حين تتم الدعوة إلى تفعيل المقاصد فإن معنى ذلك إفرادها بالحاكمية في النظر، لكن هذا الفهم مجانب تمامًا للمعنى الحقيقي لتفعيل المقاصد، لأننا نريد من التفعيل أن تتخذ هذه المقاصد حركة فاعلة مؤثرة في الواقع وفي الفعل الاجتهادي، لكن دون أن تعدو هذه المقاصد قدْرها، إذ لا سلطان لها مجردة عن النصوص والخطاب الشرعي الذي لا يمكن أبدًا أن يكون محكومًا.

  1. التصحيح والتنخيل

هي أولوية تعود أهميتها إلى كون المقاصد أصبحت اتجاهًا فكريًا، وخرجت عن الصِبغة التي نظر لها أئمة المسلمين وخاصة الجويني والغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي والشاطبي وحتى نجم الدين الطوفي نفسه على الرغم من كل ما رُمي به. فقد كان غاية هؤلاء الأئمة أن يقيموا للمجتهدين والمفتين والناظرين منهجًا متينًا مبنيًا على مقدمات تضمن سلامة نتائجها، أو على الأقل تتردد بين مراتب ثلاثة: التحقق، وغالب الظن، والظن. في حين أن كثيرًا ممن امتطى صهوة المقاصد لا ينظر إلى هذه الصبغة، بل يبني منهجه على أوهام غير منضبطة. وهذا الوصف لا ينطبق على أصحاب الاتجاه الذي قدموا أنفسهم في صورة العصرانيين الحداثيين التقدميين التنويريين، بل إنه يتعداهم إلى أولئك الذين نصّبوا أنفسهم حماة للشرع والنصوص والمقاصد. إذ كل منهم وإن كان قد أصاب في بعض من وقف منافحا عنه فإنها من باب ما قالت العرب: «رب رمية من غير رام». وكانت نتيجة هذا الصراع أن قُوّلت النصوص ما لم تقل، أو عُطّلت بعض المقاصد، وأُلّفت في ذلك مؤلفات كثيرة حشيت حشوا بمباحث هامشية، أو أُقحم فيها ما لا تصح صلته بالمقاصد، وتخبط الكل في الأدلة، ووقع الجميع في التعسف.

خاتمة

بعد هذه السطور نقرر أن البحث المقاصدي المعاصر يحتاج أن يقوم بمجهود مضن يركز على شقين:

– شق مفهومي: يعتني بضبط المفاهيم إما على وفق ما كان عند المتقدمين أو إبداع مفاهيم مقاصدية جديدة مرتبطة بالتغيرات التي يشهدها الواقع، لأن المفهوم هو قوام الفنون والصناعات، ومن بين هذه المفاهيم تمثيلا لا حصرا:

  • مفهوم المقاصد: وهو أول ما ينبغي أن يعتنى به البحث المقاصدي المعاصر لأنه هو نفسه لا يزال محل اضطراب واستشكال بين من يعتني بالمقاصد.
  • مفهوم المصلحة: وهو مفهوم يستلزم إعادة النظر في ضوابطه اعتمادًا على تنظيرات المتقدمين، ورعيًا لأحوال المعاصرين. وليس هذا الرعي يعني التجرد والتحلل من هذه الضوابط بل لربما استدعى الأمر التعديل على بعضها أو الزيادة فيها.
  • مفهوم الضرورة: وهو محل الاضطراب والاختلاف، ورفعها شعارًا جرأ الكثيرين على أحكام الشريعة القطعية. لكن البحث في قدرها على ضوء تعقيدات العصر يبقى أمرًا متاحًا ما لم يكن ذلك مطية لغايات أخرى.

وأهم ما ينبغي على البحث المقاصدي المعاصر القيام به في هذا الشق البحث عن حدود العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة أين تلتقي وأين تفترق، لأن الخلل الخطير الذي يقع فيه المقاصديون هو الربط الدائم بين المقاصد والمصلحة، بل إن البعض حين يكتب عن المقاصد يكتب وهو يستحضر في ذهنه المصلحة دون أدنى تفريق بين المفهومين.

– شق منهجي: يعتني بمنهج البحث في المقاصد، وأهم ما ينبغي العناية به:

  • تمحيص ما يقع به الانتفاع في البحث المقاصدي لأنه كما يقول الشاطبي رحمه الله: «كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعًا»
  • إبعاد المقاصد عن الصِبغة الفلسفية أو المنحى التنويري الذي يتعلل به البعض، فلا تنوير إلا بالنص والمصلحة الشرعية المعتبرة.
  • تحديد الجوانب التي أهملها المعاصرون عن قصد أو عن غير قصد وكانت محط اهتمام المتقدمين.
  • تجديد بناء العلاقة بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف في البحث المقاصدي المعاصر ينبغي أن يتأسس على أمرين اثنين: تحقيق المناط، واعتبار المآل، وبينهما تقف أنواع الفقه الأخرى التي ينبغي حتمًا أن تكون مهمتها تطويع الواقع لا لوي أعناق النصوص، وأقصد بذلك فقه الواقع، وفقه الموازنات وفقه الأولويات، لأن خلق تناقض وهمي بين المآل وبين النص والواقع مفسد للنظر المصلحي مخرج له عن الغاية التي أبيح من أجلها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  منقول بتصرف من:
أحمد الريسوني “محرر”. (2014). إعمال المقاصد بين التهيب والتسيب: مجموعة بحوث. لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي. ص ص. 345 – 367.

** باحث متخصص في مقاصد الشريعة

عن يوسف حميتو

شاهد أيضاً

الوعي الحضاري وفقه العمران

د. مسفر بن علي القحطاني

علم العمران البشري من العلوم الإنسانية التي أدت إلى نقلة نوعية في كتابة التاريخ، وكان شرف هذا الكشف وتأسيس هذا العلم منسوبًا لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت ۸۰۸ هـ)، وذلك في مقدمة مؤلفه التاريخي المشهور.

نحو تفعيل مقاصد الشريعة

أ. د. جمال الدين عطية

من فوائد التأليف في هذا الفن: بيان كمال الشريعة الإسلامية، والاطمئنان على الإيمان، وأن يعرف المؤمن مشروعية ما يعمل، وردع المشككين، وبيان أن الأحاديث الصحيحة توافق المصالح الشرعية...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.