الرئيسية / الدراسات والأبحاث / بأقلام أصحابها / العصر الرقمي والتحول المفاهيمي

العصر الرقمي والتحول المفاهيمي

الصفحات التالية من كتاب “أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي*” لمؤلفته أسماء حسين ملكاوي.

تعرف العملية الاتصالية بأنها ” عملية مشاركة في الأفكار والمعلومات، فهي التي يتفاعل بمقتضاها مستقبل ومرسل الرسالة في مضامين اجتماعية معيّنة. وفي هذا التفاعل تُنقل أفكار ومعلومات بين الأفراد عن قضية معينة أو معنى مجرد أو واقع معين. فنحن حينما نتصل نحاول أن نشرك الآخرين ونشترك معهم في المعلومات والأفكار، فالاتصال يقوم علي مشاركة المعلومات والصور الذهنية والآراء”[1]

في الرابع من أكتوير 2012، أرسل الشاب الأميركي مارك زوكيربيرغ، مؤسس موقع فيسبوك[2]، علي صفحته رسالة تفيد أن عدد مستخدمي فيسبوك الناشطين تعدي المليار (أكثر من ألف مليون) “مستخدم فاعل”[3]. وألحقها بقوله: ” نعتقد أن الحاجة إلى الانفتاح والاتصال هي ما تجعلنا بشرا، هذا ما يجمعنا، هذا ما يجلب معنى لحياتنا “[4].

إن خصائص التواصل الرقمي وما يميزه أن التواصل التقليدي ومدى انتشاره المذهل والإمكانات التي يوفرها لمستخدميه،تشير إلى أهيمة النظر في مجمل ما كنا نعتبره أمرًا مفروغًا منه، تجعل من الضروري إعادة التفكير في مجموعة من المفاهيم التي تأثرت مباشرة بفعل ما سبق، وعلى رأسها مفهوم التواصل ذاته، إلى جانب مفاهيم المجتمعات، الهوية، الزمان، المكان، العالم، الثقافة، المواطنة، الخصوصية، السرية، الأخلاقيات… وغيرها.

  1. المجتمعات

تبنت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا اجتماعيًا افتراضيًا، علي شكل مجموعات أو جماعات أو مجتمعات مصغرة، تسمى جماعات افتراضية (Virtual Communities)، فالمستخدمون يؤسسون في العالم الافتراضي علاقات اجتماعية ربما تتطور إلي عمل أو زواج أو صفقة تجارية، ويخوضون تجارب مميزة ومؤثرة في ثقافتهم وتطورهم الشخصي.

تجدر الإشارة هنا إلى أن العالم الافتراضي يحوي أنموذجين من التشبيك (Networking): الأول: الأنموذج الاستهلاكي (Consumption Model)المتمثل في المواقع الإخبارية ومراكز البحوث والمكتبات وغيرها من مصادر المعلومات، وتقدم هذه التطبيقات مجموعة محددة من الخيارات، حيث يتفاعل المستخدمون فردياً مع البرمجيات لغرض محدد وضيّق، وهو البحث والوصول إلى المعلومات. وجعلت ميزة سرعة استرداد المعلومات من شبكة الإنترنت وكأنها مجمع تجاري إلكتروني عالمي ضخم.

الثاني، الأنموذج المجتمعي (Community Model) المتمثل في الممارسة التقليدية للتواصل الإنساني التي سيطرت علي العدد الأكبر من مستخدمي شبكات الكمبيوتر بسبب توقعاتهم أن يكون هذا الوسط أكثر من مجرد تجرية استهلاكية، فتطورت التطبيقات الخاصة بالأنموذج المجتمعي المتشابك، وظهرت تجمّعات علي الإنترنت تؤكد بما لايدع مجالا للشك أن المجتمعات هي قيمة إنسانية عُليا[5].

في هذا السياق، يرى جمال السويدي في كتابه “وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك”[6] أن وسائل التواصل الاجتماعي أدّت إلى التحول من القبيلة إلي نموذج فيسبوك، وإذا ما أخذنا القبيلة وفق مفهومها المتعارف عليه بأنها ” كيان اجتماعي، اقتصادي، وسياسي يضم عائلات تجمع بينهما القربى وتنتسب إلى أب واحد أو جد واحد”، فإن وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيسبوك، ساهمت في تشكيل قبائل من نوع جديد تضم كيانات وعائلات يربطها العالم الافتراضي، ومن ثم انتقل الفرد من روابط القبيلة إلى فيسبوك، وجرى تغيير ثنائية “العصبية والقبيلة” إلى ثلاثية العصبية الافتراضية المشتركة، وقوة رابطة وسيلة التواصل الاجتماعي، والشعور بوحدة الهدف والمصالح[7] هكذا إذاً، يمكن القول إن المجتمعات / المجموعات على الإنترنت (Online Communities) هي بكل بساطة ” مجموعة من الناس تستخدم الإنترنت للتواصل في ما بينها […] وتستر شد بمجموعة من السياسات (بما فيها القواعد والمعايير) والمدعومين ببرمجيات حاسوبية”[8]. وتميل مجموعات الإنترنت إلى تسمية نفسها وفق النشاط الذي تقوم به أو القضية التي تجمعها أو الأشخاص الذين تدعمهم. ومن أمثلة المجموعات المنتشرة على فيسبوك نذكر “مجموعة الصداقة والمحادثة بين طالبات تركيا وطالبات الأردن”، ” مجموعة المغتربين العراقيين” وغيرها الكثير من المجموعات التي يعج بها موقع فيسبوك، ومواقع التواصل الاجتماعي، التي كان لها أثر كبير وواضح لا يمكن إهماله في ما يجري في العالم العربي من حوادث، حيث يمثّل هذا الواقع الجديد تحديَا للفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا الذين يعتبرون أنفسهم حراس المجتمعات المحلية أو الجماعات الاجتماعية.

  1. الزمان والمكان

من الناحية الطبيعية، نختبر الوقت أو نعيشه باعتباره تكرارًا لدوائر طبيعية مثل ” إيقاعات الجسم” ، ” تناوب الليل والنهار”، “المواسم”، ” الأعمار”، بمعدلات ونسب محددة وفقاً للمواقع والفضاءات، كامتدادات لأماكن عيشنا المعتادة (أين نعيش)، ومحددة كذلك وفقاً للمسافات التي يمكننا السفر إليها والتواصل معها ورؤيتها. ويعتبر مجموع هذه الخبرات هو المحددات الرئيسة للشعور بالمكان فتجعل من تنظيم اهتماماتنا المشتركة ونشاطاتنا وتنسيقها أمرًا محلياً [9].

اعتبر ديفيد هارفي أن وعي الإنسان بالزمان والمكان قضية اجتماعية متغيرة باختلاف الزمان والمكان. فعلى الرغم من قدرتنا على اختراع مقياس موحد عن طريق التقويمات والساعات والمناطق والخرائط والتلسكوب وتطور وسائل النقل والمواصلات، إلا أن توسط التقنية انتهك الحدود الطبيعية للمكان بشكل مصطنع. وتحدث هارفي عما سماه الضغط الزماني المكاني ( Time – Space Compression)، وهو العمليات التي أحدثت ثورة في الخصائص الموضوعية للزمان والمكان، حيث أُجبرنا على تغيير جذري لكيفية تمثل العالم في أنفسنا في كثير من الأحيان[10].

يمكن القول هنا إن العصر الرقمي جعل الاهتمامات والنشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في تمركز متزايد، من خلال تدفق البيانات اللحظي عبر مسافات شاسعة، وإن الشبكات المحوسبة للتواصل الإنساني قدمت مستويات غير مسبوقة من السرعة والتشغيل الآلي والقدرة على الوصول. وهذا كله قلل من الحاجة إلى تزامن النشاط وحصره في أماكن معينة. فبسبب تنوع وسائل التواصل الرقمي تعددت أزمنتنا و أماكننا أيضًا؛ ففي الوقت والمكان اللذين تُقرأ فيهما هذه السطور، أنت موجود في أماكن وأزمنة أخرى في حال كان لك حسابات على فيسبوك وتوتير وواتساب، أو أحد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتحدث إليك الناس ويرسلون إليك المعلومات وكأنك حاضر بينهم.

  1. الهوية

ما عادت الهوية تقتصر على معلوماتنا في جواز السفر أو بطاقة الائتمان،إذ تعرض مفهوم الهوية لعملية تحول جعلها أكثر ضبابية، وبات الباحثون يطرحون سؤالاً محيرًا في شأن ما إذا كانت هوية أي شخص مقتصرة على وجوده الفيزيقي أو من خلال وجوده في العالم الافتراضي. فمع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت هوية مستخدميها عبارة عن مجموعة من البيانات التي يمكن استحداثها من خلال تفاعلهم مع العالم الافتراضي.

في هذه اللحظة، هناك ملايين من الناس الذين يتفاعلون في ما بينهم من خلال شبكات التواصل الرقمية، حيث وجدوا الفرصة للحديث وتبادل الأفكار والمشاعر التي تعبر عن هويتهم التي اختاروها؛ ففي العصر الرقمي، يعيش الناس تجربة جديدة يتعاملون فيها مع أشكال أخرى من الهويات على شبكة الإنترنت، سواء تلك الموجودة على البريد الإلكتروني أم من خلال المشاركة في المنتديات وغرف الدردشة، أم في المدونات، وبالطبع في مواقع التواصل الاجتماعي.

من الجدير بالذكر أن الأغلبية العظمى من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تستخدم إسمها الحقيقي، وأصبح الإسم الحقيقي ثقافة شائعة في موقع فيسبوك، لكن على الرغم من ذلك أعلنت إدارة الموقع أن نحو 9 في المئة من مستخدمي فيسبوك مشتركون بحسابات وهمية لا تُظهر أسماءهم الحقيقية، أو لديهم أكثر من حساب واحد، الأمر الذي دعاها إلى تطبيق استراتيجية جديدة، للتأكد من أن مشتركي شبكة التواصل الاجتماعي عندها يستخدمون أسماءهم الحقيقية، ومن ثمة تعطيل الحسابات التي تحمل أسماء وهمية[11].

ربما يكون عدد كبير من هؤلاء الذين يخفون هوياتهم الحقيقية من الدول والثقافات المحافظة، مثل الدول العربية وبعض الدول الآسيوية ذات التوجهات المحافظة أو الاستبدادية، فنجد بعضهم يستخدم أسماء وكني خاصة بمشاعره أو أحلامه. ومع ما للهويات المجهولة من مضار على الحوار تتعلق بالموثوقية والصدقية في نقل المعلومات، وربما انتشار الشائعات وغيرها، يرى بعضهم عدم معرفة الشخص الذي تحاوره على الإنترنت معرفة شخصية، يجعل الحوار يتسم عادة بالجرأة والصدق؛ إذ يحرر المستخدم نفسه من قيود الزمان والمكان والمجاملات ذات العلاقة بالمسميات والمناصب والوضع الاجتماعي والمادي والسلطوي وغيره. فحكمنا وتقويمنا وإعجابنا أو كرهنا للمستخدم الذي نحاوره لا يتأثر بالشكل الخارجي كما في الحوار المباشر، وإنما بالأفكار والأطروحات والاهتمامات المشتركة[12].

بالتالي، تمكّننا ملاحظة أن مفهوم الهوية مرتبط بمفهوم آخر، وهو الاغتراب (Alienation)، المرتبط بظاهرة إخفاء الهوية الحقيقية التي تؤدي إلى الشعور بالعزلة والوحدة، بسبب عدم التفاعل المباشر مع هوية الشخص الحقيقية.

في هذا الإطار، تحدث سوراج هونغلاداروم عن الانصهار بين الهويات الواقعية والهويات الرقمية، وأكد في دراسته أن أكثر شيء حميمي يخصنا، هويتنا تأثر بتقنية الاتصالات الرقمية، حيث إن كثيراً من الناس يبني شخصية بديلة له على الإنترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي[13].

كما تحدثت شيري تيركل في كتابها “الحياة على الشاشة”[14] عن كيف غيّرت علاقتنا مع الكمبيوتر عقولنا وقلوبنا، والأهم من ذلك أن الاتصال عبر الحواسب الإلكترونية تسبب في إعادة تقويم هوياتنا في عصر الإنترنت، وغيّر الطريقة التي نتصور بها هوياتنا[15]. وقالت “إننا نستخدم الحياة على شاشة الحاسوب للانخراط في طرائق جديدة للتفكير، بالتطور والعلاقات والسياسة والجنس والذات”. فالجديد الذي قدمته تيركل هو ” الشعور الجديد بالهوية” باعتبارها هوية غير متمركزة ومتعدّدة (De – Centered And Multiple)[16]

  1. اللغة الرقمية

تأثرت اللغة بشكل عام واللغة العربية بشكل خاص كثيرًا بظهور الإنترنت، عندما التجأ المستخدمون إلى الأحرف اللاتينية والأرقام للتعبير عن أنفسهم في المحادثات المكتوبة نصيًا على شاشات الحواسيب. وبالعودة إلى جذور الظاهرة بغرض الفهم والتفسير، تبيّن أنها مرتبطة بالمهندسين والمطوّرين الأوائل لشبكات الإنترنت في أميريكا الشمالية؛ إذ كانوا يهدفون إلى تسهيل الاتصال باللغة الإنجليزية المعتمدة على الأبجدية الرومانية (Roman alphabet)فحسب، ولم يتوقعوا حدوث مشكلات لغوية عند المتحدثين بلغات أخرى غير الإنجليزية إذا ما حاولوا التواصل عبر الإنترنت، أو أن هذه  المشكلات لا تعنيهم بالدرجة الأولى. عندها كان الحل عند عدد من مستخدمي الإنترنت الذين لا يتقنون اللغة الإنجليزية، هو الكتابة بلغتهم (العربية على سبيل المثال)، لكن باستخدام الأبجدية الرومانية وإدخال بعض الأرقام إلى جانب الحروف للدلالة على الصوت المطلوب الذي لا توفره الأبجدية الرومانية. وهكذا ظهرت في العالم العربي ظاهرة اللغة التي سميت “عربيزي”. والغريب أن هذه الظاهرة لاتزال مستمرة إلى الآن على الرغم من تطوّر تطبيقات الإنترنت باللغة العربية وحلّ المشكلات التي وجِدت في البدايات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن حتى في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، ومع تطور الإنترنت، ظهرت لغة جديدة سُميّت ” لغة الإنترنت”، الأمر الذي استدعى تدخل اللغويين وفلاسفة اللغة لإعطاء مزيد من الاهتمام لدراسة الظاهرة اللغوية على الإنترنت”. ومن الأمثلة التي تُذكر في هذا السياق استخدام الحروف ” LOL” للدلالة على الضحك بصوت عال (Laugh Out Loudly) في أثناء الحوار أو الدردشة! والخطر في الأمر، أن تأثير لغة الأنترنت امتدّ إلى الحياة الواقعية للناس، ولا سيما الطلاب، أينما كانت مواقعهم إلى درجة أن بعض الطلاب يستخدمها للكتابة والتعبير.

ما يثير الانتباه هنا هو أن اشتغال كثير من الأكاديميين في الغرب على دراسة لغة الإنترنت ساعد في تكريسها وديمومتها، من خلال ابتداع مصطلحات تصف هذه الظاهرة. ومن الأمثلة على ذلك مصطلح “Netspeak” الذي ابتدعه ديفيد كريستال وعرفه بأنّه ” نوع من اللغة تُعرض من خلال سمات تفردت بها الإنترنت[…] ظهرت للعامة باعتبارها وسيلة إلكترونية وعالمية وتفاعلية”[17].

في هذا السياق ، يقدم علي حرب وصفًا جميلاً للفرق بين اللغة الرقمية واللغة المكتوبة أو المقروءة على الورق، من حيث النمط والبنية أو الشكل والنظام أو القوة والطاقة. ” فاللغة الرقمية لمسية أكثر مما هي يدوية، وهي سريعة وآنية بقدر ماهي أثيرية وغير مادية، لذا فهي تنتقل عبر البثّ، لا بواسطة النشر كما هو الحال في اللغة الورقية […] كما أن النص الإلكتروني متشعّب وعنكبوتي، بقدر ما هو ذو طابع تعددي أو تركيبي يتيح استخدام كافة وسائل الاتصال من سمعي وبصري ومرئي. في حين أن اللغة الورقية ذات طابع خطّي أو مستقيم أو تسلسلي. فالنص الإلكتروني يمنح القارئ حرية أوسع بكثير من الحرية التي يمنحها النص الورقي […] واللغة الرقمية هشّة وعابرة ومتغيرة، لكنها ذكيّة ذات طاقة إعلامية هائلة، وهي متناهية الصغر، لكنها غير متناهية من حيث مواردها، وهي افتراضية، لكنها ذات قدرة لا حصر لها على الفعل والتأثير […] كما أنها اصطناعية كذلك، لكنها ذات صفة عالمية، وهي مشهدية بقدر ما تغلب المرئي على المكتوب، وهي ميديائية ومباشرة، ولكنها أفقية ووسطية  أكثر مما هي نخبوية وعامودية وأخيراً إن اللغة الرقمية تعتمد على تقنية المحاكاة والتخييل المجسّم والمرئي، بعكس اللغة التقليدية التي تعتمد على تقنية القياس والتمثيل. بالتالي، يمكن القول إن اللغة الرقمية لا تصف الحوادث ولا تحلل الواقع أو تقرأ الموجود، وإنما هي تستحدث وتصنع ما يسبق الحدث أو يفوق الواقع”[18].

يضيف حرب أيضّا أمرًا مهمًا مرتبطًا بالفروق السابقة، وهو أن هذه الفروق تجعل اللغة الرقمية تتيح إمكانًا جديدًا للفكر التداولي والعمل الديمقراطي. وربما يقصد بذلك أن اللغة الرقمية تتيح لمستخدميها التواصل والتداول بأدواتهم وأساليبهم اللغوية، حيث لا يكون التداول والنقاش على الإنترنت مقصورَين على النخبة المتعلمة أو المستخدمين لغة رصينة، وأن المشاركة في التداول والنقاش عبر الإنترنت مهما كانت لغتهم، تفتح أمام جيل الشباب إمكان العمل الديمقراطي الحر!

  1. الحرية

مع بداية ظهور شبكة الإنترنت، هناك من اعتقد أنها ستشكل مجتمعًا يوتوبيًا خياليًا، ولا زال كثيرون يعتقدون ذلك. وعادة يساوي أولئك الذين يعتقدون الجانب اليوتوبي للإنترنت، بين عالم الإنترنت ومفهوم جون لوك في القرن السابع عشر في شأن ” الحالة الطبيعية” (State of Nature)[19]، وهي الحالة من الحرية والمساواة الكاملتين. ويقصد هؤلاء بذلك أن تكون الإنترنت خالية من التدخل والرقابة السياسية من الحكومات التقليدية[20].

وفقاً لذلك، يمكن ربط ذلك الاعتقاد بردات الفعل على قرار الولايات المتحدة الأميركية القاضي بتطبيق قانون الاتصالات لعام 1996، ذلك القانون الذي يهدف إلى فرض المراقبة الحكومية على شركات الاتصالات (Telecommunications Act of 1996). ويبرز في هذا المجال الإعلان الذي كتبه جون بيري بارلو، الناشط في مجال الحقوق الإلكترونية، وسمّاه ” إعلان استقلال الفضاء الإلكتروني” ونشره على الإنترنت من دافوس، حيث قال: “حكومات العالم الصناعي […] لا أهلًا ولا سهلًا بكم […]”. ولأن الحرية فكرة فاتنة يعتقد بارلو ومؤيدوه أنها ممكنة الوجود على الإنترنت، فإنه يقول في إعلانه: ” ياحكومات العالم الصناعي […] أنتم لا تملكون سلطة على المكان الذي نجتمع فيه […] إنني أعلن أن الفضاء الاجتماعي العالمي الذي نبنيه مستقل عن الأنظمة الاستبدادية التي تسعون إلى فرضها علينا […]، إن الفضاء الإلكتروني لايقع ضمن حدودكم، لا تعتقدوا أن بإمكانكم بناءه، إنه فعل الطبيعة”[21].

غير أن الحكومات التقليدية تؤثر، في واقع الأمر، في الإنترنت وتتدخل فيه، سواء أكان ذلك في الولايات المتحدة أم في دول العالم بأسره العربي.

بقي أن نقول إن النظريات الأخلاقية والاهتمامات الفلسفية الحديثة في شأن شبكات التواصل الاجتماعي والأخلاق أصبحت تهتم وتركز على دراسة القضايا التي عرضت آنفًا، فأصبحت قضايا مثل الخصوصية، الهوية، الصداقة، الملكية الفكرية، الحرية، الديمقراطية، قضايا تقع في صلب اهتمامات النظريات الأخلاقية، بعد أن كانت اهتمامات النظريات  الأخلاقية التقليدية تتركز على مجموعة من القضايا، مثل الفضلية، الحقوق، الواجبات، الدوافع، النتائج.

  1. الإعلام

أحدثت تقنية التواصل الرقمية الحديثة تغيرات جذرية أصابت ما يسمى “وسائل الإعلام التقليدية” مثل الراديو والصحيفة والتلفزيون التي مثلت لوقت طويل وسائل تواصل من طرف واحد، حيث يصعب على القارئ أو المشاهد أو المستمع إبداء رأيه في ما يتلقاه من خلالها، وساعدت في ظهور ما يسمى ” الإعلام الجديد” (New Media) أو ” الإعلام الاجتماعي” (Social Media) أو “صحافة المواطنين” (Citizen Journalism) التي تعرَّف بأنها: “فعل المواطنين، أو مجموعة منهم الذين يقومون بدور فاعل في عملية جمع الأخبار والمعلومات وكتابة التقارير عنها وتحليلها ونشرها”[22]. وبالطبع يكون ذلك من خلال تقنية التواصل الرقمي الحديثة؛ إذ يتنوع هذا الفعل من التعليق على خبر منشور إلى نشر خبر أو صورة أو فيديو على مدونة شخصية أو حساب خاص على تويتر أو فيسبوك.

على عكس الصحافة التقليدية التي تأتي بالأخبار كمنتج منتهٍ وجاهز للجمهور بطريقة عمودية، فإن صحافة المواطنين هي عبارة عن أخبار أفقية تواصلية (تخاطبية)، تكون دائمًا غير مكتملة وقيد التطوير المستمر[23]. ويُنظر إلى صحافة المواطنين باعتبارها فرصة لتحسين الصحافة وتطويرها وجعلها أكثر شفافية وديمقراطية؛ إذ بات الجمهور أكثر قدرة على التحقّق من المعلومات والأخبار وتصحيحها أو الإضافة إليها. كما تشجع مؤسسات الإعلام المحترفة انخراط المواطنين وانفتاحهم على النقاشات التي تدور على مواقعها بما يعطي أخبارهم مصادر منوعة، وسياستهم تتمثل في أن ” هناك شخصًا ما يكون دائماً على دراية أكثر منّا حول خبر ما”[24].

يجب أن نذكر هنا أن ظهور وسائل التواصل الرقمي الجديد ترتب عنه تداخل مفهوم الإعلام مع مفهوم الاتصال أو التواصل، حتى أُشكِلَ على كثيرين فهم العلاقة التي تربط بينهما، أو الفروق التي تجعل من كل منهما شيئاً مختلفًا. وفي هذا الإطار وضع دومينيك وولتون كتابًا بعنوان “الإعلام ليس تواصلاً”[25]، حاول فيه تغيير النظرة السائدة التي تصور الإعلام أمرًا جادًا، بينما التواصل ليس كذلك، ويعتبر أن العكس هو الصحيح؛ فالتواصل أعقد من الإعلام لأسباب ثلاثة:

  • إنه دائماً يطرح مسألة العلاقة مع الآخر.
  • التناقض المشوّه بين الشرعية التي يتمتع بها الإعلام والصورة المشوّهة التي تلازم التواصل. ففي الوقت الذي لم يسبق للبشر أن أنفقوا هذا الكمّ الهائل من الوقت والمال والطاقة في محاولتهم التواصل في ما بينهم، نجد أن التواصل لا يحظى بالقيمة التي يتمتع بها الإعلام، وفي هذا حطّ من قدر أنفسنا.
  • كيف يمكن النظر إلى الإعلام على أنه خير و إلى التواصل على أنه شر، في حين أن كليهما لم ينفصل أحدهما عن الآخر طوال قرنين في كفاحهما من أجل الانعتاق الفردي والجمعي.

يلخص وولتون الفرق بين الأمرين بأن ” الإعلام معنيّ بالرسالة، أما التواصل فمعنيّ بالعلاقة”[26]، ما يجعل التواصل أكثر تعقيداً، ولا سيما في العصر الرقمي؛ ذلك أن وجود المعلومات الكلي يزيد من صعوبة التواصل […] كما يفرض تحديات تتعلق باستيفاء شروط ضرورية من أجل تمكين ملايين الأفراد من التواصل والتعايش في عالم أصبح كل فرد فيه يرى ويعلم أشياء لم تكن ممكنة سابقاً، وحيث الاختلافات اللسانية والفلسفية والسياسية والثقافية جعلت من التواصل والتسامح أمرين أكثر عسراً[27]. وهو بذلك يطرح فكرة أن كلما زدات وسائل التواصل الحديث تقدماً قل التفاهم بين الناس!

ليس مستهجناً القول إن أمراً حادثاً ومثيراً يحدث على مواقع التواصل الرقمي، ولا سيما للمستخدمين والمتابعين العارفين بالأبعاد النظرية للتواصل الهادف إلى المشاركة في الحياة العامة. فهذه المواقع قدمت فرصًا كبيرة إلى كل من لايملك السلطة والمال[28] لممارسة أدوار ثقافية وفكرية وتنويرية عامة، كما مكّنت كثيرين من التواصل مع أي كان، وحيثما كان، بسهولة ويسر، قفزاً على العوائق التي فصلت بين الناس ردحًا من الزمن، بفعل الجغرافيا أو التباين في المستويات المادية أو الاجتماعية أو الفكرية. ثم إن هذه الفرص التواصلية الهائلة أدت بدورها إلى ظهور مجتمعات رقمية جديدة، يجري فيها تبادل المعلومات، غالبًا، وفقًا لقيمتها وأهميتها، لا وفقًا لأهمية مرسلها أو ناشرها. وتضم هذه المجتمعات من الأفراد والمجموعات والتنظيمات والثقافات والاهتمامات ما يعكس، إلى حد كبير خصائص المجتمعات الإنسانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أسماء حسين ملكاوي (2017). أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا/ تقديم فهمي جدعان. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ص ص. 64، 70، 87، 158- 159.

[1] محمود علم الدين، تكنولوجيا المعلومات وصناعة الاتصال الجماهيري، دراسات في الإعلام ( القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1990)، ص 5.

[2] يذكر أن موقع فيسبوك الذي أسس في عام 2004، أعلن في حزيران/ يونيو2011 وصول عدد مستخدمي الموقع إلي 955 مليون مستخدم فاعل، واستغرق الأمر أقل من أربعة شهور للحصول علي ال 45 مليون مستخدم، كي يصل العدد إلي مليار مستخدم مع نهاية عام 2012، ما يعني أن واحداً من كل سبعة أشخاص علي وجه الكرة الأرضية يستخدم فيسبوك مرة واحدة شهريا علي الأقل.

[3] يشير مصطلح “المستخدم الفاعل” إلى المستخدم الذي يقوم بتسجيل دخوله في الموقع مرة واحدة شهريا علي الأقل. ولم تقم إدارة الفيسبوك باحتساب الحسابات المزورة أو التي تنشر الرسائل الزعجة، وهي الحسابات التي بدأت إدارة فيسبوك بحذفها مؤخرا.

[4] Mark Zuckerberg, Thursday, 4th October 2012, 4: 15 pm.

[5]  Andrew Feenberg and Darin Barney, Community in the Digital Age: Philosophy and Practice (New York: Rowman; Littlefield Publishers, 2004), p. l.

[6] السويدي

[7] المرجع نفسه، ص 12.

[8] Preece and Maloney – Krichmar, p. 2.

[9] Darin Barney, ” The Vanishing Table, or Community in a World that is No World, Topia, no. 11: Technology and Culture (Spring 2004), p. 51.

[10] David Harvey, ” Between Space and time: Reflections on the Geographical Imagination,” Annals of the Association Geographers, vol. 80, no. 3( September 1990), p. 426.

[11] يمكن الاطلاع على هذه الصفحة التي تحوي معلومات من إدارة الفيسبوك، تبين فيها أن الأسماء الوهمية يتم تعطيلها: (https://www.facebook.com / help/249092175207621/,>.)

[12] Bernhard Debatin et al., “Facbook and Online Privacy: Attitudes, Behaviors, and Unintended Consequences,” Journal of Computer – Mediated Communication, vol. 15, no. 1 (October 2009), p. 100.

[13] Soraj Hongladarom, ” Personal Identity and the Self in the Online and Offline World,” Minds & Machines, vol. 21, no. 4 (November2011), p. 535.

[14] Sherry Turkle, Life on the Screen : Identity in the Age of the Internet (New York: Simon & Schuster, 1997).

[15] Ibid., p.9.

[16] Ibid., p.185.

[17] Jannis Androutsopoulos, ” Introduction: Sociolinguistics and Computer – Mediated Communication,” Journal of Sociolinguistics, vol. 10, no. 4 (September 2006), p. 420

[18] علي حرب، العالم ومأزقه: منطق الصدام ولغة التداول (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2002)، ص 108 – 109.

[19] تحدث جون لوك عن الحالة الطبيعية في كتابه الأساسي في فلسفة السياسة: John Locke, Tow Treatises of Government (1680 – 1690) ( n. p. : CreateSpace Independent Publishing Platform, 2010).

[20]Efrat Shuster, The Political Philosophy of the Internet – From Locke’s State of Nature to His Sacial Contract (Pennsylvania: University of Pennsylvanin, 2010), p. 2.

[21] Travis D. Shahan, “The World Summit on the Information Society and the Future of Internet Governance,” Computer Law Review and Technology Journal, vol. 10(2006), p. 326.

[22] Nadine Jurrat, ” Mapping Digital Media: Citizen Journalism and the Internet,” Reference Series no. 4, Open Society Foundations (April 2011), p. 7.

[23] Ibid., p. 8.

[24]Ibid., p. 12.

[25] دومينيك وولتون، الإعلام ليس تواصلاً (بيروت: دار الفارابي، 2012)، ص 11 – 12.

[26] المرجع نفسه، ص 13.

[27] المرجع نفسه، ص 13.

[28] يتمثل النظام (system) وفق هبرماس بالمال والسلطة، وبناء عليه ربما بدأ التواصل الرقمي الإعلام الجديد يؤديان دورًا معارضًا لدور الأنظمة التي كثيرًا ما اتخذت من الإعلام الجماهيري (راديو وتلفزيون) وسيطًا للتأثير في الناس وتوجيههم لتحقيق غايات خاصة بهم.

شاهد أيضاً

د. المسيري الإنسان

  تمر خلال هذا الشهر – شهر يوليو – الذكرى العاشرة لوفاة عالم جليل وفيلسوف …

علم التوحيد

الصفحات التالية من كتاب رسالة التوحيد للإمام محمد عبده#.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.