الرئيسية / الدراسات والأبحاث / شخصيات مُلهمة / أ.د. حامد الموصلي: سفير مخلوقات الله المُهمَلة

أ.د. حامد الموصلي: سفير مخلوقات الله المُهمَلة

أ.د. حامد الموصلي أستاذٌ مُتفرِّغٌ بكلية الهندسة بجامعة عين شمس، ورئيسُ مجلسِ إدارة “الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية”، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة بحوث تكنولوجيا المواد المتجددة وتطبيقاتها. وواحدٌ من أهمِّ المُساهِمين في تنمية المجتمع المصري.

وُلِد الأستاذ الدكتور حامد إبراهيم الموصلي في ٨ أبريل ١٩٤٣م، وحصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة عين شمس عامَ ١٩٦٤م، وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في الهندسة الميكانيكية من موسكو عامَ ١٩٧١م. عمل بالسلك الأكاديمي، وتدرَّجَ حتى أصبح أستاذًا بالقسم ذاته.

يُعَدُّ الدكتور حامد الموصلي من أهم الأكاديميين المعاصرين في المجال التنموي، وواحدًا من أفضل مَن ساهموا في المجال البحثي التطبيقي الهندسي؛ فقد أدار الدكتور الموصلي العديدَ من المشروعات التنموية، وأظهَرَ اهتمامًا فائقًا بالمشروعات التطبيقية التي تُسلِّط الضوء على التنمية المجتمعية في مصر بشكلٍ خاص.

وقد كان له السَّبْق في تأسيسِ عددٍ من الجمعيات والهيئات والشبكات الاجتماعية؛ كالجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية، ومركز تطوير الصناعات الصغيرة القائمة على الموارد المتجددة، وشارَكَ في تأسيس شبكة بدائل الأخشاب.

كما شارك في العديد من البحوث والمشروعات في مجال التنمية منها: نشر الصناعات القائمة علي خامات النخيل، وتصنيع السماد العضوي من نواتج تقليم نخيل التمر والدوم وأشجار المانجو، وتصنيع الأعلاف غير التقليدية من البواقي الزراعية، ونشر صناعات الأرابيسك من جريد النخل، وتصميم وإنتاج ماكينة هيدروليكية لإنتاج طوب البناء من الطفلات المحلية، وغيرها من المشروعات التي ترمي إلي اكتشاف القدرات المحلية الكامنة، والإفادة منها في التنمية.

جوائز حصل عليها الدكتور/  حامد الموصلي

حصل الدكتور حامد الموصلي على عدة جوائز متميزة، كجائزة نقابة المهندسين المصرية في يوم المهندس عامَ ١٩٩٤م، وجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر لعام ٢٠١٣م عن أفضل مشروع تنموي، وجائزة جامعة عين شمس التقديرية في مجال العلوم الهندسية لعام ٢٠١٤م، وبالإضافة إلى ذلك سُجِّلت باسمه براءتَيِ اختراع.

التنمية من خلال إعادة اكتشاف الخامات المحلية:

الدكتور حامد الموصلي، هو نموذج فريد سواء في فلسفته، أو فيما يقوم به في صمت من أعمال تمزج ما بين البحث العلمي والتطبيق العملي في مجال تنمية المجتمع، وذلك من خلال استراتيجية خاصة يطلق عليها “إعادة اكتشاف الخامات والموارد المحلية المتجددة والمهدرة في آن واحد”.

الدكتور الموصلي، والذي عرف نفسه في أحد محاضراته العامة والتي ألقاها في ساقية الصاوي عام 2009 بأنه “سفير مخلوقات الله المهملة”، آثر أن يعيش ما يزيد عن عشرين عاما من حياته المهنية ليقوم بالواجب الذي رأى غاندي([1]) أن على أبناء الأمم النامية المتعلمين أن يقوموا به وهو أن يساعدوا أبناء الأرياف والبوادي في بلادهم على تنمية حياتهم ومنتجاتهم وآلاتهم، ومن ثم تنمية مجتمعاتهم اقتصاديا واجتماعيا، ومن ثم فإنه من خلال إدارته لمركز تنمية الصناعات الصغيرة بكلية الهندسة، ثم من خلال الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية، عمل في كثير من مجتمعات مصر الريفية سواء في الفيوم أو الواحات أو الساحل الشمالي غربا، إلى سيناء شرقا، مرورا بقرى الدلتا شمالا، إلى أفقر قرى الصعيد جنوبا، من خلال العديد من المشروعات التطبيقية والبحثية نذكر منها على سبيل المثال:

  • عدد من المشروعات بمحافظات الوادي الجديد والفيوم والصعيد منذ عام 1993 لتحويل جريد النخل إلى ألواح خشب كونتر بديلا عن استيرادها من الخارج بأسعار باهظة الثمن.
  • مشروع تحويل جريد النخل والمخلفات الزراعية إلى مركبات بلاستيكية منذ عام 2003 (أقيم مصنع في قوص لتصنيعها من مصاصة القصب).
  • مشروع تصنيع الخشب الحبيبي من حطب القطن.
  • مشروع صناعة الأخشاب من نواتج تقليم أشجار الفاكهة.
  • مشروع تحويل المخلفات الزراعية إلى أعلاف حيوانية بقرية كفر العرب مركز فارسكور عام 2008 وهو ما أنقذ اقتصاد القرية القائم على منتجات الألبان من الانهيار بعد ارتفاع أسعار العلف.

إضافة لمشاريع عديدة مزج فيها بين البحث العلمي والتطبيق العملي، من خلال رؤية ودراسات مسحية شاملة للخامات والموارد والخبرات المحلية في قرى مصر.

قراءة في أفكار ورؤى د.الموصلي

أفكار الدكتور الموصلي تدور حول موقفه من الأوضاع السائدة لدينا في مجتمعاتنا العربية، والتي تُعطِّل نهضتنا وتمنعُنا من إطلاق طاقاتنا وقدراتنا الذاتية، وهو يطلق دعوة لأن نُعِيد اكتشافَ ذاتنا وقدراتنا ومواردنا، وأن نفتح قلوبنا وأعيننا وعقولنا على كنوز نحوزها لكننا لا نراها؛ لأننا من فرط فقداننا لثقتنا في أنفسنا أصبحنا نرى بعيون غيرنا؛ فاغتربنا عن واقعنا وفَقَدْنا متعةَ الاكتشاف، ومن ثَمَّ القدرة على أن نقوم بدورنا وأمانتنا في النهوض بمجتمعاتنا.

قدًم الدكتور الموصلي تعريفاً لما يُعرف بمفهوم “المعرفة التقليدية”، إذ يري أنها نتاج حضاري وحصيلة تاريخية لتفاعل أبناء المجتمعات المحلية المختلفة مع بيئتهم المحيطة ومع مواردهم المحلية من أجل إشباع حاجاتهم الأساسية وكذلك التعبير عن رؤاهم الحضارية وتلبية حاجاتهم الروحية، فهي معرفة حيًة لأن النسيج الاجتماعي الحضاري الحي للمجتمعات المحلية هو الذي يحوزها، ويري الدكتور الموصلي، إن كان الوضع الراهن في المجتمعات العربية يعمل علي موت المعرفة التقليدية واختفائها إلا أنه يراها كنزاً يتعين علينا إعادة اكتشافه كشفرة حضارية Cultural Code  ولغة Software تعطينا توجهاً خاصاً للفكر والخيال والإبداع الحضاري في اتجاهات مغايرة للنموذج الغربي السائد وذلك من أجل بلورة أو إبداع أو اختيار مسارنا الخاص بنا في التنمية.

ويقول الموصلي بأن مجالات المعرفة التقليدية تمتد لتشمل الحاجات الإنسانية المختلفة من البناء للكساء للغذاء للتداوي والعلاج…الخ.

وتمثل تلك المعرفة التقليدية تراثاً غنياً في اكتشاف الاستخدامات المختلفة للموارد المتاحة لكل مجتمع محلي في إشباع الحاجات الإنسانية المختلفة، سواء كانت هذه الموارد مكونات جيولوجية أو أرضية أو مكونات للغطاء الطبيعي: النباتي والحيواني، كما تمثل المعرفة التقليدية حصيلة الخبرات الطويلة للحضارات المختلفة في استئناس السلالات النباتية والحيوانية المختلفة.

ويوضح د.الموصلي أهمية المعرفة التقليدية من كونها متاحة للإنسان العادي في كل مكان بحكم انتمائه لمجتمعه المحلي وعبر ارتباطه بالتكوينات الاجتماعية أو الحضارية السائدة وذلك دون تدخُل مؤسسات الدولة أو اّليات السوق، مما يضمن له حداً أدني من القدرة علي إشباع حاجاته الأساسية وعلي الفعل والمبادرة انطلاقاً من موقعه في مجتمعه المحلي. ومن الأمثلة علي ذلك:

  • البناء بالموارد المحلية: الكرشيف في سيوة، والطفلة في شمال سيناء، والطين في وادي النيل.
  • صناعة الأثاث من جريد النخل في العديد من محافظات الصعيد: بدءاً من الفيوم حتي أسوان.
  • التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية القائم حتي الاّن في المجتمعات الصحراوية في شمال وجنوب سيناء والساحل الشمالي الغربي، وكذلك في الصعيد.

كما تحمل المعرفة التقليدية أحياناً تعبيرات حضارية Cultural Expressiveness  تؤكد الهوية الحضارية: سواء على مستوي المجتمع المحلي أو الدائرة الحضارية ككل. فهي جزء من الثقافة وجزء من التراث الخاص بنا.

كما أن اهتمامنا بالمعرفة التقليدية في كل مجتمع محلي، يمكن أن يمثِّل منطلقًا لإبداع حضاري على المستويين القومي والعالمي.

ويضرب الدكتور الموصلي مثال علي ذلك فيقول: عندما يجري هدم البيوت التقليدية في الصعيد، التي يُستخدَم فيها جريد النخيل في السقف، يقوم القفَّاصون بإعادة استخدام هذا الجريد — الذي يكون قد جفَّ تمامًا — في الأعواد الرأسية (التي تُسمَّى لديهم « سنابل ») في صناعة الأقفاص. أَلَا يوحي لنا ذلك — عندما نقوم باختيار مورد/مادة ما لتصنيع منتج — بأن نخطِّط منذ البداية لعددٍ من الحيوات المتتابعة لهذا المورد/المادة، وأن نراعي في تصميم المنتج سهولةَ استعادةِ كلِّ مكون له من أجل استخدامه في حياة جديدة؛ مما يرفع كفاءة استخدام الموارد، ويحقِّق من ثَمَّ معيارَ التنمية المستدامة Sustainable development.

سقف جريد النخل:

يقول د.الموصلي أن جريد النخيل — شأنه شأن العديد من الموارد المحلية — لا يُدرَّس في كلية الهندسة، ولا في كليات الزراعة! ويُتابع قائلاً:

رأيت جريد النخيل عندما كنتُ أقوم بدراسة نمط المسكن العرايشي في شمال سيناء، وانبهرت جدٍّا باستخدامهم جريدَ النخيل في السقف، وبالمعرفة التقليدية التي كانوا يستخدمونها في إعداد الجريد للاستخدام في السقف (دفعني هذا لملاحظة نفس الاستخدام للجريد في السقف في قلعة صلاح الدين الأيوبي في جزيرة فرعون في طابا بسيناء، وكذلك في مسجد علي بن أبي طالب في مدينة الخلاص في المملكة العربية السعودية). اعتبرتُ أن استخدامَ جريد النخيل في السقف تجربةٌ طبيعية، تُثْبِت بشكل عملي وحاسم أن جريد النخيل مادة جيدة تستحق أن نتعامل معها ونهتمُّ بها هندسيٍّا.

ويقول هكذا بدأَتْ رحلةُ إعمال الفكر والخيال، وأيضًا رحلة البحث العلمي مع جريد النخيل، إننا مَدِينون في مصر بكل ما وصلنا إليه في الاستخدام الصناعي لجريد النخيل: في ألواح الكونتر Blockboards، والأرابيسك (فنون المشربية والخرط العربي)، وبدائل الأخشاب، والأعلاف، والسماد العضوي…إلخ؛ للمعرفة التقليدية التي تجسَّدت في استخدام جريد النخيل في السقف في مدينة العريش “ولولا احترامي لهذه المعرفة التقليدية، لما وصلت/وصلنا لأي إبداعٍ يتعلَّق باستخدام جريد النخيل كمادة صناعية.

المعرفة التقليدية معرفة حية:

ويتسائل د.الموصلي ويقول لماذا نصف المعرفةَ التقليدية بأنها معرفة حية؟ ويجيب قائلاً لأن الذي يحمل هذه المعرفة التقليدية هو النسيج الاجتماعي الحضاري الحي للمجتمع المحلي، ولأن ملكيتها متاحة لكل الناس، ولأنها في متناول الإنسان العادي ودون تدخُّل مؤسسات الدولة وآليات السوق، ولأنها جزءٌ لا يتجزأ من الثقافة السائدة في كل مكان.

ويصف الموصلي الوضع الراهن للمعرفة التقليدية في بلداننا العربية بغير المُطمئن نتيجة للأتي :

  • أن الطريقة التي نتعلَّم بها تولِّد لدينا مشاعرَ سلبيةً إزاء تراثنا الحضاري وكل ما يرتبط به من معرفة تقليدية؛ فالمقررات الدراسية في التعليم الرسمي بجميع مستوياته — الجامعات والمعاهد ووصولًا إلى المدارس (تعليم فني وعام) — هي في الأغلب نُسَخٌ لما هو سائد في دول الغرب، وليس من المستغرب لذلك ألَّا تجد فيها إشارةً لتراث أمتنا العربية في مجال العلم والتكنولوجيا والمعرفة التقليدية، كما لم تبذل أي محاولة جادة للمواءمة بين مقتضيات التحديث والمعاصرة، وبين متطلبات تنمية الريف الحامل الحقيقي الرئيسي لتراث الأمة في المعرفة التقليدية. وقد جعل هذا من التعليم الرسمي قوةً طاردة مركزية، تدفع الشباب بعيدًا عن تراثهم الحضاري وما يتضمنه من معرفة تقليدية، كذلك حَمَل هذا التعليم رسالةً ضمنية للانبهار بكل ما هو غربي وافد، واحتقار كل ما هو محلي موروث؛ مما جعل المتعلمين عاجزين عن التواصلِ مع أبناء الريف ومساعدتِهم على المشاركة في تنمية مجتمعاتهم المحلية. إن هذا العجز ليس قضية شكلية “إنه قضيةُ مشروعيةِ العلم في بلادنا؛ فالعلم — بمعناه الغربي — لن تكون له مشروعية لدينا إلا من خلال حواره — وتواصُله — مع المعرفة التقليدية”.
  • أيضاً الرسالة التي تبعث بها وسائلُ الإعلام الجماهيرية — خاصة التليفزيون — هي الانبهار والقبول الكامل بنموذج التحديث الغربي، وهي من ثَمَّ رسالة نفي للهوِيَّة المحلية بكلِّ ما تحمله من خصائص حضارية وإمكانات تنموية ومعرفة تقليدية؛ مما يؤدِّي إلى شيوع نظرة الاحتقار لكل ما هو تقليدي موروث وإثارة مشاعر الخجل والرغبة في التبرُّؤ منه.
  • إضافة للتغيُّر الكاسح في أسلوب الحياة في الريف تقليدًا للنموذج الغربي؛ فلقد أدَّى استبدالُ نمطِ الاستهلاك الغربي بالمحلي، إلى إهمال عشرات العناصر المكوِّنة للحياة النباتية والحيوانية، التي كان لها دور أساسي في إنتاج أسلوب حياة وسلع استهلاكية خاصة؛ مما أدَّى من ثَمَّ إلى إهمال — وموات — المعرفة التقليدية المرتبطة بها.

وهكذا كما يرى د.الموصلي، تموت المعرفة التقليدية مِيْتَةً غير طبيعية، دون أن تُطوَّر وأن تُوصل بالمعارف العلمية والتكنولوجية الحديثة من أجل النهوض بالمجتمعات المحلية؛ ممَّا يؤدِّي إلى المزيد من ضمور النسيج الاجتماعي الحضاري الحي لهذه المجتمعات، وإلى تهميش الغالبية العظمى من أبنائها، وتَحوُّلهم إلى مستهلكين غير منتجين، معتمدين في إشباع حاجاتهم الأساسية على المدينة وعلى الاستيراد من الخارج؛ مما يؤدِّي من ثَمَّ إلى المزيد من الاغتراب لأبناء مجتمعاتنا المحلية.

ويقول د.الموصلي أن هذا لا يمثل دعوة للاستغناء عن العلم والتكنولوجيا بمضمونهما العصري؛ فهناك فرصة رائعة للتعايش بين أنساق مختلفة من المعرفة: المعرفة التقليدية التي هي مكون هام لذاكرتنا الحضارية، والمعرفة العلمية والتكنولوجية الحديثة كما وفدت إلينا من الغرب، إنها مهمتنا نحن في إقامة جسور التواصل والتعايش بين هذين النسقين من المعرفة وبلورة/إبداع/اختيار المسار الخاص بنا في التنمية والتقدم.

ويشير د. الموصلي إلى الأهمية الخاصة التي تكتسبها المعرفة التقليدية في ضوء الأزمة البيئية العالمية الراهنة، والمؤشرات التي تؤكد على عدم توافُق نموذج التنمية الغربي مع المحيط الحيوي ومع مبادئ التنمية المستدامة، وكذلك النداءات من الغرب (الشمال) إلى دول الجنوب بأن يقوموا بقفزة ضفدعة Leap frogging منطلقين من تراثهم الحضاري ومتجاوزين التجربة الغربية، لإيجاد حلول مبدعة في التنمية للشمال والجنوب كليهما!.

ويقول مطلوب هنا دور لمؤسسات البحث العلمي والمجتمع المدني والجهات المانحة والدولة لوضع استراتيجية قومية لاكتشاف هذا الكنز — المعرفة التقليدية — بهدف الاستفادة منه في التنمية؛ لأن هذا ميراثنا من الأجيال السابقة، الذي علينا أن نقدِّمه في صورةٍ أفضل للأجيال المقبِلة.

نبه الدكتور الموصلي أيضاً إلي ضرورة بناء قدراتنا التكنولوجية الذاتية، وحذر من خطورة وقوفنا موقف “الزبون” من دول الغرب، وإدماننا لاستيراد كل ما يحلو لنا من عُدد وماكينات وأساليب إنتاج، متوهمين أننا بهذا قد نقلنا التكنولوجيا. ويري أنه كما أن ضمور القدرات التكنولوجية يؤدي إلي الاغتراب والضمور الحضاري، فإن الإبداع التكنولوجي الذاتي هو إحدي الأدوات الهامة للتجدد الحضاري.

فهو يرى أن لهذا النقل خطورته إذ أنه يرسم صورة تجعل زمام المبادرة دائماً في يد الاّخر الأجنبي، ويرسم لنا صورة لمستقبِل سلبي. ويري إنه كلما زادت قدراتنا التكنولوجية الذاتية، تمكنا أكثر من انتقاء وهضم واستيعاب أي تقنيات أو مكونات تكنولوجية تُنقل إلينا من الخارج، وتؤدي من ثم إلي المزيد من تقوية قدراتنا التكنولوجية.

ويقول د.الموصلي أن عملية نقل المُعدات أو التقنيات تكون مُبررة تكنولوجياً فقط إذا أدت إلى حفز وتنشيط ودعم القدرات التكنولوجية الذاتية. ويقول إن خطورة الموقف القصير النظر وغير الصبور على البناء، والسائد في المنطقة العربية بأسرها، والقائم على فكرة “شراء العبد ولا تربيته”، والذي يقوم على استبدال بناء القدرات التكنولوجية الذاتية بمجرد شراء المعدات أو التقنيات، يؤدي إلى نوع من إدمان التبعية للأقوياء تكنولوجياً، فالتسارع الهائل في التطور التكنولوجي سوف يجعل من الضروري الاعتماد على الاّخر في استيراد المعدات والتقنيات، التي سوف تتقادم معنوياً بشكل أسرع جداً مما سبق، كما يحدث الأن مثلاً في مجال الكمبيوتر،” وليس هذا على الإطلاق دعوة للانغلاق دون المنٌجزات التقنية الحديثة، بل دعوة للاهتمام بالمردود التكنولوجي لعلاقتنا بالعالم.

كما دعى د.الموصلي إلي ضرورة النظر إلى الريف لدينا كفرصة ذهبية للقيام بثورة صناعية صديقة للبيئة، تبدأ من الريف وتمتد إلى الحضر، كفرصة لإطلاق إبداعنا الذاتي المبني علي الفهم الشامل لمواردنا الزراعية، لاكتشاف مجالات جديدة لاستخدام هذه الموارد لتلبية احتياجاتنا العصرية محلياً وقومياً وعالمياً، وبلورة الأساليب المناسبة لنا في الإنتاج.

إذ ليس الريف مجرد أراضِ تُزرع لتحقيق أهداف اقتصادية! فالريف هو الوعاء الحضاري الأساسي لمصر، وهو الوريث الرئيسي للقيم الحضارية على امتداد التاريخ المصري، وكذلك أساليب الحياة التي ميزت مصر عما عداها من الأمم والحضارات.

وتتمثل مشكلة الريف في تدني الجدوى الاقتصادية للزراعة ولم تعد أسعار المحاصيل الزراعية على رأس الغيط تفي بنفقات الإنتاج، مما يهدد باتجاه الفلاح نحو ترك الزراعة وتبوير الأرض، مما يؤدي من ثم إلى زيادة العجز في توفير الغذاء مع زيادة تكلفة استيراده في المستقبل.

المشكلة أيضاً تتمثل في زيادة معدلات البطالة في الريف والتي فاقت نظيرتها في الحضر، حيث يضم الريف حالياً 55% من إجمالي المتعطلين في مصر، مما يشير إلي العديد من المخاطر الاجتماعية والسياسية التي تتعلق بهذه الظاهرة.

كما أدت الهجرة من الريف إلى الحضر وكذلك إلي الدول العربية، بالإضافة إلى الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط، إلى تفريغ الريف من العناصر الشابة والحيوية، التي من الممكن أن تمثل عوامل للنهوض بالريف وتنميته ذاتياً، فضلاً عن نمو المناطق العشوائية في الحضر، وما يرتبط بهذه الظاهرة من مخاطر اجتماعية وسياسية.

لكن رغم هذه المشاكل يقول د.الموصلي بأن هناك فرصة للقيام بثورة صناعية جديدة صديقة للبيئة تبدأ من الريف وتشمل الحضر- وذلك نابع من التاريخ الطويل لنا في الزراعة، فمصر من أقدم الدول الزراعية في العالم، وتكاد تكون أول دولة في العالم قامت فيها الثورة الزراعية- وهذه الفرصة تقوم علي فكرة الفهم الشامل للمورد الزراعي من خلال إدراك خصائصه المختلفة،  وبناء نسق صناعي للاستخدام الشامل للمورد، مما يؤدي إلي بلورة أنشطة صناعية بلا مخلفات، مثل السماد والعلف وبدائل الاخشاب والصناعات الغذائية وموارد البناء….الخ، بحيث تتكامل هذه الصناعات لتحقيق الاستفادة الشاملة من إمكانات المورد.

وضرب د.الموصلي مثال على ذلك قائلاً : ” عندما قمنا بالدراسة الميدانية لقرية شماس (مركز سيدي براني، محافظة مطروح)، وهي إحدى القرى الفقيرة في مصر، وجدنا أن التين الصغير المعدوم القيمة سوقياً يمكن أن يمثل أساساً مادياً لقيام صناعة المربي في القرية. وهنا يقول الموصلي: واجهنا سؤالاً، وهو كيف نختار التكنولوجيا المناسبة لتصنيع مربى التين في قرية شماس؟،  ويقول وجدنا أن القرية تضمُّ ٢٩١ منزلًا تنتشر في محيط حوالي ١٠٠ كيلومتر مربع،  ويفصل بين المنزل والآخر مسافة حوالي ٢ – ٣ كيلومترات وأكثر، كذلك أدركنا أن –  زراعات التين قريبة من المنازل،  وأن المرأة تقع على كاهلها الأعمالُ الإنتاجية المنزلية، وأن الرجل يقوم بالأعمال خارج المنزل مثل التجارة والنقل أو العمل على السيارات.

كذلك تأكدنا من أن التقاليد السائدة في مجتمعات البدو لا تسمح — إلا فيما ندر— بخروج المرأة للعمل خارج المنزل؛ لذا قررنا اختيار نموذج التصنيع المنزلي؛ أي أنْ تنتقل الصناعةُ كنشاطٍ للمرأة في المنزل، وقمنا بوضع الاشتراطات الصحية التي يتوجَّب على المنتفِعات الوفاء بها في حجرة التصنيع بالمنزل، حتى تتحقَّق المواصفات القياسية العالمية المطلوبة في مربى التين المنتَجَة منزليٍّا. هكذا تم اختيار المعدات المطلوبة للتصنيع المنزلي للمربى بحيث تسعها حجرة ٤× ٥ أمتار، ودون الإخلال بالأسس العلمية والاشتراطات الصحية، ولقد ضمَّت هذه المعدات جهازًا مستوردًا لقياس مستوى تركيز المربى تؤخذ قراءاته بالتوجيه للشمس، ولقد تمَّ تحليل مربى تين قرية شماس في المعمل المركزي للبيئة في هلسنكي بفنلندا، وحازت القبولَ للتصدير وفقًا للمعايير الصحية لجمارك فنلندا. ويقول لقد علَّمَنا هذا النموذجُ أنه من الممكن — بل من اليسير — نشْرُ ثقافةِ الصناعة — أو نشْرُ الصناعةِ كثقافة — من خلال النسيج الاجتماعي الحضاري الحي للمجتمع المحلي،  وأنه من الممكن أنْ يهضم ذلك النسيج ويستوعب مفاهيمَ هندسيةً مثل القياس وضبط الجودة.

أيضاً بلور الدكتور الموصلي أفكاراً حول “مستقبل الزراعة في دول الجنوب”، وقدم رؤية مصرية في هذا الصدد”، وجاءت هذه الأفكار رداً على مقال كتبه الدكتور سمير أمين بعنوان” مستقبل الزراعة في العالم “([2])، الذي يتحدَّث فيه عن التوجُّهات المستقبلية لنمط الإنتاج الرأسمالي للزراعة في الدول المتقدمة، التي تسعى إلى احتكار النشاط الزراعي والتوسُّع والتخصُّص بلا حدود في إنتاج الحاصلات الزراعية، واللجوء للتعديل الوراثي للأصول النباتية لزيادة العائد الاقتصادي؛ مما سيؤدِّي إلى كارثةِ تصفيةِ الزراعة القروية في دول الجنوب، وخروج ٣ مليارات فلاح من المنافسة، فضلًا عمَّا يمثِّله ذلك من مخاطر على مستقبل الحضارة الإنسانية.

ويرى د.الموصلي أننا بحاجةٍ إلى أن نبلور استجابة حضارية على ذلك التحدِّي، تبدأ باعتبار الريف (كما لدينا في مصر) وريثًا رئيسيٍّا للقِيَم الحضارية على امتداد التاريخ المصري، وأنه يحمل تراثًا تقنيٍّا يمثِّل ثروةً معرفية وتقنيةً هائلة لا تُقدَّر بثمن؛ نتميَّز بها ويمكن أن نوظِّفها في التنمية، من خلال إعادة اكتشاف موارد القرية والاستفادة من ميزاتها النسبية والتنافسية، وأن يكون لكل قرية منتجُها الذي تتميَّز به، وعلامتُها التجارية التي تحمل اسمها؛ هكذا نُعِيد انتماءَ أبناء القرية إليها، وتتحوَّل القرية إلى بؤرة إبداعٍ وجذبٍ لشبابها كقوة ديناميكية للنهوض بها.

وأعطي مثال على ذلك بنموذج النخلة، إذ طالب بضرورة إعادة اكتشاف عناصر كل مورد وفقاً للمعطيات المعاصرة، مما يؤدي إلى بلورة رؤية اقتصادية جديدة تحقق أعلى استفادة ممكنة من كافة عناصر المورد الزراعي؛ سواء المنتج الأساسي أو المنتجات الثانوية بلا أي مخلفات تضر بالبيئة. ووفقًا لهذه الرؤية التي لا تهتم فقط بالتمور من النخيل، بل تهتمُّ كذلك بالجريد والخوص والعرجون والليف والقحفة، مما يفتح البابَ أمام مجالات صناعية واسعة لإنتاج العديد من المنتجات  التي تلبي احتياجات إنسانية غاية في التنوُّع – على كافة المستويات؛ المحلي والقومي والعالمي.

 كذلك فإننا لن نحصر اهتمامنا في القطن فقط، بل سنهتمُّ كذلك بسيقان القطن والأوراق والأفرع وبقايا اللوز، وبنفس  المنهج فإننا سوف نهتم ليس فقط بمحصول الطماطم فرز أول القابل للتسويق مباشَرةً، بل سنهتمُّ كذلك بمحصول الطماطم فرز ثانٍ القابل للتصنيع كعصير أو كاتشب أو…..الخ، بالإضافة إلى البذور التي يمكن أن يُستخرَج منها زيت منخفض الكولسترول، يتبقَّى الكسب الذي يمكن أن يُستخدَم في العلف الحيواني، فضلًا عن عروش الطماطم التي يمكن أن تمثِّل قاعدة مادية لصناعة ألواح الحبيبي. كذلك بالنسبة إلى مورد البرتقال، بالإضافة إلى محصول فرز أول منه، يمكن أن يُستخدَم المحصول الفرز الثاني في تصنيع العصائر، كما يمكن استخراج زيت De-lemonin من متبقيات العصير، الذي يُستخدَم لإعطاء النكهة في  صناعة الحلويات، أما نواتجُ تقليم أشجار البرتقال فإنها تمثِّل قاعدةً مادية متجددة لتصنيع ألواح الباركيه ومنتجات المشربية، ويمكن تطبيق المنهج السابق للحصول على نتائج متشابهة على عشرات الحاصلات الحقلية وزراعات الفاكهة.

ويقول د.الموصلي،  لِمَ لا نعمل ونجتهد لإعادة اكتشاف التفرُّد الإيكولوجي وثراء الخبرة التاريخية واختلاف الموارد الزراعية المتاحة، بالإضافة إلى خصوصية المهارات الفردية في مختلف القرى لتحديد الميزات النسبية والتنافسية لكل قرية، مما ييسِّر من ثَمَّ اكتشافَ الثغرات السوقية Market niches لكل قرية؛ قوميٍّا وعالميٍّا، وتوظيفها في التنمية؟ إننا بهذا سنستطيع أن نحوِّل اسمَ كل قرية إلى علامة تجارية Trade mark، وبهذا يمكننا أن نعيد للقرية الاعتبارَ كمصدرٍ للقيمة وبؤرةٍ للإبداع، كما نعيد بذلك الحياةَ للنسيج الاجتماعي الحضاري للقرية، حتى يتحوَّل الانتماء للقرية إلى مصدر فخر لأبنائها، وما يوفر الفرص لأنْ تتشابك وتتعانق أحلامُ التحقُّق الذاتي لشباب كل قرية، مع حلم النهوض الحضاري بها.

لماذا اهتم د.الموصلي بصناعة الأخشاب من جريد النخل؟

يقول د.الموصلي في هذا الصدد أنه قد أصابته صدمة عندما علم من بيان جاءه من غرفة صناعة الأخشاب، أننا في مصر قد استوردنا أخشاباً ومنتجات خشبية عام 2014 بقيمة 1.5 مليار دولار، والقيمة المتوقعة لهذا التقدير عام 2050 ستصل إلي 54.4 مليار دولار!

وعنما رُشح للقيام بدور الباحث الرئيسي لمشروع الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالَجَة ( ٥٫٥ مليار م ٣) لزراعة ١٫٥ مليون فدان بالغابات الشجرية. اعتبر هذا المشروعَ فرصةً لإعادة الاعتبار للأخشاب المصرية—سواء أكانت مزروعةً بمياه الصرف الصحي أم مزروعةً بأي مياه أخرى — ولإتاحة الأثاث لغالبية المصريين بأسعار منخفضة؛ ومنَ ثمَّ الحد من استيراد الأخشاب، إلا أنه صُدِم مرَّةً أخرى عندما أكَّدَ ممثِّلو الصناعات الخشبية أن الثقافة السائدة لدينا حاليٍّا تُعلي من قيمة الأخشاب المستوردة مثل الأرو والزان، وتنظر بازدراءٍ إلى السلالات الخشبية المحلية، كالكازوارينا والكافور، باعتبارها “خامات الفقراء” أدرك ساعتَها أننا أمام مشكلة حضارية تتمثَّل في تقليد الأغنياء لدينا للنموذج الغربي في الاستهلاك، ثم تحوُّل هذا النموذج إلى رمزٍ للتمايُز الاجتماعي، وتبنِّيه من قِبَل الشرائح الاجتماعية الأعلى. ويقول إن انبهارنا بالنموذج الغربي قد جعلنا نفقد الشعور بقيمتنا وقيمة كل ما نحوزه من تراث تقني وموارد محلية. ويقول هكذا بَدَا لي أن  رحلتنا مع جريد النخيل من الزاوية الاجتماعية/الحضارية، تتمثَّل في أننا فتحنا مجالات لاستخدامه — كما في الأثاث العصري والباركيه — لشرائح اجتماعية أعلى، وأننا بذلك قد أزلنا “الوصمة” التي علقت به “كخامة للفقراء”، إنتاجًا وتصنيعًا واستهلاكًا.  

ويقول د.الموصلي أن “مشروع الاستخدام الصناعى للمنتجات الثانوية للنخيل”  بدأت فكرته فى أغسطس 2010 عندما قررت “الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية” توجيه اهتمامها لمكافحة الفقر فى الصعيد. واتضح من خلال الاطلاع على تقرير التنمية البشرية أن 762 من الـ 1000 قرية الأكثر فقراً تقع فى محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج. 44% من هذه القرى تقع فى محافظة المنيا وحدها. هكذا قررت الجمعية بدء نشاطها فى مكافحة الفقر فى محافظة المنيا بدراسة الـ 11 قرية الأكثر فقراً. ولقد أسفرت نتائج تحليل هذه الدراسة عن اختيار “قرية القايات” بمركز العدوة لإقامة المشروع الإرشادى لتصنيع جريد النخيل.

 ويقول د.الموصلي أن فائدة وأهمية هذا المشروع تأتي من كونه نموذجاً مصرياً للاشتباك التنموي للفكر والخيال مع الواقع من أجل توفير فرص العمل المستدامة في الريف. إلي جانب توفير قاعدة مادية محلية ومستدامة للعديد من الصناعات في الحضر. كما يهدف هذا المشروع إلى الحفاظ على ثروة النخيل وتخفيف العبء على ميزان مدفوعات الدولة نتيجة لاستيراد الأخشاب ومنتجاتها وهو بهذا يقدم نموذجاً لريادة مصر على المستوى العربي في استخدام النخيل في التنمية. كما إننا نريد من خلال هذا المشروع أن نقدم نموذجاً لتنمية القرية المصرية من أقصى الشمال فى رشيد لأقصى الجنوب في أسوان.

ومن الممكن الاستفادة من التقنيات البسيطة والخامات المحلية فى توفير فرص عمل فى الريف وخفض معدلات البطالة المرتفعة، فالأخشاب تدخل في صناعة الأثاث العصرى وألواح الباركيه وتجليد الحوائط ومنتجات الخرط العربى والمؤلفات الليفية البلاستيكية والأعلاف غير التقليدية والسماد العضوى وصولاً لحقائب السيدات من خوص النخيل.

ومن إسهامات الدكتور حامد الموصلي في مجال العناية والاهتمام بالموارد بتشجيع صغار الباحثين والمهتمين بالبيئة واحتضان أفكارهم ومساعدتهم في تحقيق أهدافهم ومشاريعهم، فقد أشرف سيادته علي مجموعة من شباب المهندسين الذين استطاعوا اختراع ماكينة تعمل علي تحويل سعف النخيل لأخشاب.

وهذه الماكينة هى الأولى من نوعها فى العالم ، وقد تمكنت من الحصول على منحة من أكاديمية البحث العلمى، وجائزة المبتكر الشاب التى ترعاها جمعية نهضة المحروسة، وجائزة أفضل مشروع له أثر اجتماعى من مسابقة منتدى المشاريع العربى لرواد الأعمال أو “MIT” التى تتنافس فيها مشاريع من كل الوطن العربى.

ويأمل د.الموصلي أن يكون هذا المشروع مشروعاً قوميا يشترك فيه كل فئات المجتمع وأن يعمم على مستوى كافة محافظات مصر. وتتضمن استراتيجية تنفيذ المشروع تبني الدولة لبرنامج تشجير بالنخيل ووضع نظام حوافز لخدمة النخيل وغرامات لعدم التقليم. كذلك لابد من الاهتمام بإنشاء مراكز تدريب بالمحافظات على التقنيات الجديدة للتعامل مع موارد النخيل ومعارض دائمة لمنتجات النخيل. كما تتضمن هذه الاستراتيجية إنشاء الجمعيات النوعية لتنمية ثروة النخيل بالمحافظات واهتمام الدولة بتسجيل الأصول الوراثية لأصناف النخيل فى مصر وتحسين سلالاتها.

وهناك أيضاً تجربة أخري تم تطبيقها في قرية كفر العرب في فارسكور بدمياط، هذه القرية مشهورة بالجبن الاستنبولي والجبن الرومي وتربية الماشية من أجل الألبان، ويقول د.الموصلي أنهم فوجئوا أن أهل القرية يستوردون كميات هائلة من العلف للماشية، ولما ارتفعت أسعار الأعلاف بدأوا في ذبح الماشية وبيعها لحومًا بسعر 24 جنيهًا للكيلو، ويقول د. الموصلي: من هنا فكرنا فى مساعدتهم، وهو ما نفذناه بإنتاج أعلاف غير تقليدية من قش الأرز بدلا من حرقه، وكذلك حطب الذرة الشامية وعروش البطاطا وبنجر السكر، وأسس أهالى القرية جمعية “كفر العرب لتنمية الثروة الحيوانية”، وبدأ أهالي القرية في زراعة القمح والبطاطا بدلاً من البرسيم مثلا للاستفادة مما كانوا يحرقونه فى السابق.

الخاتمة:

يتوجه دكتور الموصلي بخطابه وأفكاره إلى المهتمين بالتنمية في مصر وسائر بلدان الوطن العربي، ويحلم بأن نتمكَّن من إدراك التنوع الهائل الذي يتميز به الريف في بلادنا؛ سواء كقرًى تقليدية أو واحات أو تجمعات بدوية؛ هذا التنوع الذي يمكن أن يكشفه اختلافُ الظروف البيئية، والمعطيات الجيولوجية، والموارد المحلية، وتبايُن الخبرات التاريخية، وثراء شبكات العلاقات الاجتماعية، وتفرُّد القِيَم الحضارية التي تُترجِم نفسها في صورة معادلات نفسية مختلفة، تمكِّن أبناء المجتمعات المحلية من الاستقرار والبقاء وتطوير تراثهم التقني، حصيلة التراكم المعرفي عبر آلاف السنين في التعامل مع البيئة المحيطة والموارد المتاحة من أجل إشباع الحاجات الأساسية.

د. الموصلي يري أن هذا التنوُّع بمثابة كنوز يتعيَّن علينا العمل على اكتشافها مع الجماعة المحلية في كل مكان من أجل تنميتها، مما يسمح لنا بالاستفادة (بالمعنى الاقتصادي) من الميزات النسبية والتنافسية لكل قرية في التنمية، ويجعل كل قرية قادرةً على الإبداع وعلى أن تقدِّم نموذجها الخاص للمعاصرة، ويمكِّننا نحن من أن نبلور نموذجنا الخاص بالتنمية على المستويين القومي والحضاري.

 

إعداد

أحمد محمد علي

باحث ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – سياسي بارز والزعيم الروحي للهند خلال حركة استقلال الهند.

[2] – د. سمير أمين، “مستقبل الزراعة فى العالـم”، ( جريدة الاهرام المصرية، ١٣ يناير ٢٠١٥)، متاح علي الرابط التالي : https://bit.ly/2JuGoT8

شاهد أيضاً

د. إبراهيم أبو العيش

د. إبراهيم أبوالعيش رجل صنع حلمًا وعاش فيه بعمق، ليلهمنا كيفية تقديم نماذج ناجحة لحياة …

د. مصطفى محمود

يظل الدكتور مصطفى محمود ظاهرة فريدة جمعت بين الإيمان بالله تعالى من ناحية ومجالات الأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.