الرئيسية / الدراسات والأبحاث / شخصيات مُلهمة / الشيخ محمد متولى الشعراوى: إمام الدعاة

الشيخ محمد متولى الشعراوى: إمام الدعاة

الشيخ محمد متولى الشعراوى

إمام الدعاة

أ. وليد القاضي

قليلون هم الذين يؤثرون فى غيرهم من الناس، بل وأقلهم مَن يفوق غيره فى التأثير، تأثيراً يتجاوز حدود المكان والزمان وينفذ مباشرةً إلى الأفئدة والوجدان. فهؤلاء كالنجوم الوضَّاءة التى بها يُهتَدَى، ونوادر قلَّما يجود الزمان بمثلها.

من هذه الشخصيات الملهمة النادرة نعيش لحظاتٍ مع فضيلة الإمام/ محمد متولى الشعراوى، شيخ المُفسّرين وأحد أولياء الله الصالحين، الذي اهتدت به قلوبٌ كثيرة حائرة، وجُبِرَت به عقولٌ كانت عن الحق زائغة.

ترجمة موجزة للإمام:

وُلِدَ الإمام الشعراوي لأسرة متوسطة الحال ذات أصول سعودية ([1]) فى الأول من أبريل عام 1911، بقرية دقادوس التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية. حفظ القرآن الكريم فى قريته، والتحق بمعهد الزقازيق الأزهرى الذى تلقَّى فيه تعليمه الابتدائى والثانوى فى عام 1926. وقد أظهر نبوغاً منقطع النظير فى حفظه للشعر والأدب والمأثور من القول والحكم، حتى حظى بمكانة متميزة بين زملائه الذين اختاروه فى المرحلة الثانوية رئيسًا لاتحاد الطلبة بالمعهد الأزهرى.

التحق الشعراوي بجامعة الأزهر فى عام 1937، وأضحى طالباً نجيباً فى كلية اللغة العربية، ليحصل منها على الإجازة العالمية فى اللغة العربية فى عام 1941، ثم على شهادة العالمية “الدكتوراه” مع إجازة التدريس فى العام التالى. وعُيِّن فور ذلك مُدرِّساً بمعهد طنطا الأزهرى، ثم نُقِل إلى معهد الأسكندرية ثم معهد الزقازيق. وفى عام 1950، أُعِير للعمل بالمملكة العربية السعودية، وعمل هنالك مدرساً بكلية الشريعة، بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرَّمة.

عقب عودته إلى مصر، تسلَّم عمله وكيلاً لمعهد طنطا الثانوى الأزهرى فى عام 1960، ثم تولَّى فى العام التالى منصب مدير الدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية، ولم يلبث أنْ عُيِّن مفتشاً للعلوم العربية بالأزهر فى عام 1962، ثم مديراً لمكتب شيخ الأزهر – الإمام الأكبر/ حسن مأمون – بعد ذلك بعامَين. وفى عام 1966، سافر الشيخ الشعراوى على رأس بعثة أزهرية إلى الجزائر، لمساعدة حكومتها فى التخلص من آثار الاستعمار الفرنسى، فقضت البعثة – التى أُطلِق عليها بعثة التعريب – هنالك عدة أشهر، أشرفت خلالها على وضع مناهج دراسية جديدة باللغة العربية. ثم تمَّ تعيينه أستاذاً زائراً بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز فى عام 1970. وفى عام 1972، عُيِّن رئيساً لقسم الدراسات العليا بالجامعة المذكورة، واستمر فى منصبه ذلك لمدة أربعة أعوام، حتى جرى اختياره من قِبَل رئيس الوزراء المصرى الأسبق ممدوح سالم وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر فى عام 1976، إلى أن قدَّم استقالته فى أكتوبر 1978. ومما يُنسَب إليه أثناء توليه وزارة الأوقاف، أنه أصدر قراراً وزارياً بإنشاء أول بنك إسلامى فى مصر، وهو بنك فيصل. وفى عام 1980، اختِير الإمام عضواً بمجمع البحوث الإسلامية، وكذا بمجلس الشورى بجمهورية مصر العربية. ثم تم اختياره فى عام 1987 عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ليُقرِّر بعد ذلك التفرّغ للدعوة الإسلامية، إلى أن فاضت روحه الزكية فى 17 يونيو 1998، عن نحو ثمانٍ وثمانين عاماً.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الإمام – رحمه الله – قد حظى بأبلغ معانى التقدير على المستويَيْن الرسمى والشعبى نتيجة جهوده الطيبة فى الدعوة إلى دين الله عزوجل ودوره فى الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية. ولقد نال وسام الاستحقاق فى عام 1976 حينما أُحِيل إلى التقاعد، ثم وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى خلال مناسبة الاحتفال بالعيد الألفى للأزهر الشريف فى عام 1983، ثم وسام الجمهورية وجائزة الدولة التقديرية فى عام 1988. وفى العام الذى تُوفِّى فيه (1998)، اختارته الجهة المُنظِّمة لجائزة دبى الدولية للقرآن الكريم كشخصية العام. وحرصاً على توثيق حياته الطيبة، صِيغَ عمل فنى مصرى بعنوان “إمام الدعاة”، وكذا أُذِيعَت قطوفٌ من حياته عبر برنامج “أيام فى حياة الإمام” ([2])

آثاره رضى الله عنه:

رغم وفاة الإمام الشعراوي رحمه الله، إلا أن آثاره النورانية باقية فينا إلى اليوم؛ إذ أورثنا عدداً من المؤلفات والأعمال التى تُعَد منهلاً موسوعياً للخاصة والعامة على السواء فى كافة العلوم الإسلامية تقريباً؛ فى الدعوة والتفسير والسيرة والحديث… إلخ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر معجزة القرآن – الأدلة المادية على وجود الله – جامع البيان فى العبادات والأحكام – الحلال والحرام – هذا هو الإسلام – الشورى والتشريع فى الإسلام – الإسلام والفكر المعاصر – المرأة فى القرآن الكريم – فقه المرأة المسلمة – الرزق – الشيطان والإنسان – السحر والحسد – القضاء والقدر – الغيب – مريم والمسيح عليهما السلام – الزمن بين الدنيا والآخرة – تعرَّف على أصحاب الجحيم – ونهاية العالم. تُضَاف إلى ذلك الكتب التى أعدَّها آخرون واعتمدوا فى قوامها على ما جاد به الإمام من دُرَر، والتى من أشهرها الفتاوى والأحاديث القدسية.

بيد أنه على الرغم من كثرة الآثار والكنوز التى أورثنا إياها فضيلةُ الإمام، إلا أن دُرَّتها القَيِّمة تمثلها سلسلة خواطره الشهيرة حول القرآن الكريم (المعروفة بتفسير الشعراوى). ويُذكَر أن فضيلته قد شرع فى تلك السلسلة فى النصف الأول من سبعينيات القرن الماضى، وذلك عبر برنامج “نور على نور” الذى ظل فيه الضيف الدائم على مدى عشر سنوات. وتجدر الإشارة إلى أنه عبر هذا البرنامج، عرف الناس الشيخ الشعراوى، وتوثقت صلتهم به، ومحبتهم له، وذاع صيته فى مصر والعالم العربى والإسلامى، وانتقلت خواطره البديعة من الشاشة المصرية إلى إذاعات وشاشات العالم الإسلامى كله تقريباً ([3]). ولعلَّ أحد أهم العوامل التى عجَّلت بسرعة شهرته هو صفة المحدودية التى اتسمت بها قنوات التلفاز فى حينه، وكذا محدودية الشيوخ ذائعى الصيت آنذاك، على النقيض ممَّا أضحت عليه الحال فى السنوات الأخيرة.

وحرىٌ بنا الإشارة فى هذا المقام إلى أن الشيخ رحمه الله قد استمر فى إلقاء أحاديث التفسير إلى أواخر حياته، وقُبَيْل أن يمنعه المرض الذى اعتراه قبل وفاته بخمسة عشر شهراً. ومع ذلك، لم يُتِمّ – رحمه الله – خواطره التفسيرية جرَّاء المَنيَّة التى وافته فحالت بينه وبين ذلك. والمُطّلِع على مجلدات التفسير المنوطة بفضيلة الإمام، يجد أنها تمتد من سورة الفاتحة وحتى نهاية سورة الممتحنة (فى الجزء الثامن والعشرين)، إلى جانب كتيبٍ منفصل خاص بالجزء الأخير من القرآن الكريم (جزء عمَّ).

مواطن الإلهام:

بفضل الله تعالى ورحمته، تهيأت أسباب النجاح للإمام الشعراوى، وكان جوهرها أنه لم ينطوِ على نفسه علماً وتعلماً؛ إذ بعد أن حصَّل العلوم حاول إيصالها لغيره فى بساطةٍ وتواضع، وسار يحدث الناس بما علمه إياه الله سبحانه وتعالى، وذلك بكل تفانٍ وإخلاص، ودون كبر أو احتقار. لقد كان -رحمه الله- رجلاً مخلصاً عالماً عاملاً، محاولاً التأسِّى برسول الله صلى الله عليه وسلم والتخلَّق بخلقه والتأدّب بآدابه حتى يكون موافقاً لأمر الله ونهيه، إلى أنْ أضحى آية فى ذاته، وآية فى جميع أحواله؛ فى حركاته وسكناته وخواطره، وكانت الثمرة الطيبة لذلك أنْ كان مُلهِماً لمَن عايشوه ولمَن خبروا فيض آثاره وأنوارها.

وفى هذا السياق، نجد الدكتور/ إبراهيم البطّاوى، الأستاذ بجامعة الأزهر سابقاً، يذكر فى مقدمته لكتاب الفتاوى الذى أعدَّه الدكتور/ السيد الجميلى، والذى جرى مضمونه بما فاض به الشيخ الشعراوى من أجوبة شافية – نجده يُجمِل السر فى كون الشيخ رحمه الله مُلهِماً لغيره، فيقول: “الشيخ محمد متولى الشعراوى ظاهرة من ظواهر الروح فى هذا العصر المادى من حيث سلوكه الشخصى، وطريقة تناوله لموضوعات أحاديث تنساب فيها مكنونات تحصيل عمره، مع إشراقات إلهامات يُصغِى فيها وجدانُه طويلاً إلى هواتف القلب، ونبضات الروح، ثم يسارع فيصوغها فى تلك القوالب البيانية الأخَّاذة من رحيق التعبير الشائق الذى اشتُهِر به. ومن هنا، يُفهَم عنه روَّاد سماعه من الملايين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية والثقافية؛ فاتسع نطاق الإقبال عليه من بين جوعى الروح وإشراقاتها، فى عصرٍ ضربت فيه ظلمات المادة وموجاتها العالية على كل دروب الحياة، حتى وصلت إلى كثيرٍ ممَّن يعملون فى حقل الدين ذاته؛ فجاءت أنظار بعضهم وكأنها تخبطات مَنْ رَكِبَه الشيطان من المسّ… ومن هنا كان الشباب أسرع من الشيوخ إلى الارتواء من هذا النهر الشعراوى الرقراق؛ لأنه وجد فيه الصدق الذى افتقده فى الأكثرين، كما وجد فيه غذاءه الروحى، ودقائق الحاضر بآماله، ونبضات حياته فى الشرع الحنيف بعد طول اغتراب… ]فـ[ إذا تحدث الرجل على سجيته، فإن اللفظة البارعة والجملة البليغة والحركة المعبِّرة تنفذ إلى العقول والقلوب معاً فى وقتٍ واحد”.  

ومن بين ثنايا هذا الثناء المُجمِل والوصف البديع، يمكننا القول أن عناصر الإخلاص وصفاء السريرة وصدق المقالة التى امتاز بها الشيخ -رحمه الله- لم تكن وحدها العوامل المُفضية إلى ذيوع سيرته وانتشارها، وإنما تضافر معها عنصر فى غاية الأهمية؛ ألا وهو الاجتهاد الذاتى –عبر توفيقٍ إلهى– لمحاولة الاستفادة من قضايا الحياة وتمحيصها وتفنيدها لخدمة الدين الإسلامى ودعوته. تلك العملية التى كان لا بد منها فى زمنٍ كثُرَت فيه الفتن والأفكار المُضلِّلة والانبهار بالعوامل المادية البحتة التى نُسِبَت كسبب للتطور والتقدم الذى يعيش فيه الغرب، والذى ترنو شعوب العالم أجمع إلى معايشته مثلهم.   

وفى هذا السياق، يُلاحِظ مَن اطَّلع على أىٍ من آثاره الكريمة، لا سيَّما تحفته التفسيرية “خواطر الشعراوى”، حرصه الشديد على ربط أحاديثه بالاكتشافات والابتكارات التى بلغتها آفاق التقدم العلمى حتى عصره، وكذا بمساعيه الحثيثة على التأكيد على عدم وجود أى نوعٍ من التعارض بين ما جاء فى كتاب الله العزيز وبين مظاهر التقدم التى انطوت عليها هذه الآفاق، وأن هذه المظاهر لا تعدو أن تكون صورة حية لما جاء فى الكتاب العزيز منذ أكثر من 1440 عاماً. وقد يُجدِى التأكيد هنا على أنه لا يخفى على أحدٍ أن العقود التى عاشها فضيلته قد عجَّت بشتى أنواع الأيديولوجيات والمذاهب المادية، ما ولَّد شعوراً بالعبثية والضياع فى جوٍ ملىء بالسلوكيات التى لا تمت للقيم بأدنى صلة. فكأنما جاء -رحمه الله- لينبه على التمسك بأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه لئلّا ننسى أنفسنا فى التيار المادى ومظاهره. وكأنما أودع الله تعالى فيه العلم والقبول وأحياه ليقوم بهذه المهمة التى كان الناس بلا شك فى حاجة شديدة لها، حتى أن البعض يذكر الشيخ الشعراوى باعتباره أحد المُجدِّدين الذين بعثهم الله لتجديد أمور دين الأمة الإسلامية([4])

وتجدر الإشارة ارتباطاً بهذه النقطة المحورية إلى أن الشيخ -رحمه الله- لم يكن يحبِّذ فكرة إطلاق لفظة “تفسير” على عمله المنوط بتوضيح معانى القرآن الكريم، وإنما آثر رحمه الله استخدام كلمة “خواطر” بدلاً منها؛ وكانت له فى ذلك وجهة نظر جليلة؛ إذ إن القرآن الكريم أكبر من أن يفسِّره بشر، ولو كان الحق سبحانه وتعالى يريد أن يتم تفسيره بواسطة أحد من البشر، لكان أوْلَى البشر بذلك هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذى أُنزِل القرآن على قلبه. لكن الرسول عليه السلام لم يفسر إلا الآيات التى تختص “بالأحكام” التى لا تختلف فى عصرٍ دون عصر؛ التى تقول للمرء أنه إنْ فعل كذا دخل الجنة، وإنْ لم يفعل كذا دخل النار. أمَّا الأسرار الكبيرة كتلك المتعلقة بالكون وبالوجود، فقد تركها صلى الله عليه وسلم للأزمنة الآتية، ولنشاطات العقل البشرى التى تختلف وتتنوع من عصرٍ إلى آخر. ولذلك، بقى القرآن حياً متجدداً، تفيض آياته بالإشراقات، ويفيض عطاؤه من المعجزات على كل العصور. ومن هذا المنطلق، يمكن لنا استشفاف الدافع الجوهرى وراء إصرار الشيخ -رحمه الله- على ضرورة الإتيان بالآيات البشرية والكونية المُؤكِّدة على صدق الآيات القرآنية ليزداد متبعو الحق إيماناً، وليهتدى الزائغون عنه إليه.

بالإضافة إلى ما سبق، كان الشيخ -رحمه الله- حريصاً على استعمال لغة سلسة يفهمها العوام قبل الخواص؛ حتى أن البعض قد عدَّ الإمام -رحمه الله- أول مَن قدَّم علم الرازى والطبرى والقرطبى وابن كثير وغيرهم سهلاً ميسوراً. فهو قد حوى ووعى كل ما خلَّفه هؤلاء من أعمال جليلة، فى شتى بحور العلوم الإسلامية والعربية، وعكف على إيصال كل ما حصَّله بأسلوبٍ لا صعوبة فيه ولا تعقيد إلى العوام باللغة التى يفهمونها. ومن ذلك على سبيل المثال قوله فى الآية السادسة والثلاثين من سورة سبأ “قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”: أى “قُلْ” ]لمَن يغتر[ بكثرة الأموال والأولاد: “إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ”.. يَبْسُطُ: يُوسِّع الرزق بكرمه، ويَقْدِرُ: يعنى يضيِّقه على مَن يشاء بحكمته تعالى. والرزق لازمة من لوازم الربوبية التى خَلَقَت، والتى استدعت الإنسان للوجود، فلا بد أن تضمن له مقومات حياته.. لكن الرزَّاق سبحانه لا يرزق الناس جميعاً “بمسطرة” يعنى بالتساوى؛ لأن الله تعالى يريد أن تكون المجتمعات متعاونة متكافلة، ولو أن كل إنسان كان عنده ما يكفيه ما احتاج أحدٌ إلى أحد، وما حدث فى المجتمع هذا الترابط وهذا الاتصال الجماعى.. ولا بد أن يكون ترابط المجتمع ترابط حاجة، لا ترابط تفضُّل، فلو افترضنا أننا جميعاً تخرجنا فى الجامعة أو أخذنا الدكتوراه، فمَن “يكنس” الشوارع، ومَن يمسح الأحذية؟ لو جعلنا هذه الأعمال تفضُّلاً من بعضنا ما قَبِلها أحد.

إن الرجل المتعجرف أو المتكبر أو الباشا لو عاد إلى بيته فوجد به رائحة كريهة، فسأل فقالوا: ]مشكلة فى الصرف[ لا شك أنه لن يهدأ حتى تنتهى هذه المشكلة، وربما ركب سيارته، وذهب بنفسه إلى السباك ليخلصه من هذه المشكلة.. نقول فى هذه الحالة: إن السباك فاضل على الباشا فى هذا الوقت، لأن الله أعطاه قدرة على نفسه لا يملكها الباشا أو حامل الدكتوراه، وهذا السباك ما تحمَّل مثل هذا العمل إلا لحاجته إليه وإلا ما قَبِلَه. لذلك أحسن أبو العلاء المعرِّى حين قال:

                         الناسُ للناسِ من بدوٍ وحاضرةٍ

                                                                 بعضٌ لبعضٍ وإنْ لم يشعروا خَدَمٌ

وهذه الخدمة تقوم على التداول، فالحق سبحانه لم يجعل ذرية كلها خادمة، وذرية مخدومة، إنما أنت خادم فى شىء ومخدوم فى شىء آخر، وهكذا كلنا خادم، وكلنا مخدوم، ليعلم الإنسان أياً كان أنه ابن أغيار، وأن سيادته ليست ذاتية فيه، فإنْ كان هو الأعلى عليه أنْ يُقدِّر هذا العلو، ويعمل له ليظل على علوِّه، فإنْ رأى الأدنى منه فلا يحقره، بل يُقدِّر له مهمته فى خدمته، وأنه سيحتاج إليه فى يومٍ ما فى عملٍ لا يقدر هو عليه…”

 هذا، ويُلاحَظ إجمالاً أن أسلوب الشيخ فى أحاديثه وخواطره قد انطوى بشكلٍ عام على عدة عناصر، كانت مُعِيناً له على الإمساك بتلابيب الشىء وجوانبه، من أهمها: استخدام اللغة وآدابها كمنطلق لفهم النصَّيْن القرآنى والنبوى؛ محاولة الكشف عن فصاحة القرآن وسر نظمه؛ رد شبهات المستشرقين بالاستعانة بالأسلوب الجدلى المنطقى؛ ذكر تجاربه الشخصية أحياناً من واقع الحياة؛ المزاوجة بين العمق والبساطة باستعمال اللهجة المصرية الدارجة؛ ضرب المثل وحسن تصويره؛ الاستطراد الموضوعى؛ والنَفَس الصوفى ([5]).

وإيجازاً، يصف أحدهم أسلوب الشيخ -رحمه الله- بكلماتٍ بديعة فيقول: “كان إذا جلس يفسر كأن كلامه حبات لؤلؤ انفرطت من سلكها فهى تنحدر متتابعة فى سهولة ويسر، وكان رحمه الله- فى تفسيره كأنه غوَّاصٌ يغوص فى بحار المعانى والخواطر، ليستخرج الدرر والجواهر، فإذا سَمِعْت عباراته، وتتبّعْت إشاراته، ولاَمَسَتْ شغافَ قلبك خواطرُه الذكية، وحرّكت خلجات نفسك روحانياتُه الزكية قلتَ: إنه لَقِن معلَّم، أو فَطِنٌ مُفَهَّم، لا يكاد كلامه يخفى على سامعه مهما كان مستواه فى العلم، أو قدرته على الفهم، فهو كما قيل السهل الممتنع. وعلى الرغم من أن علم التفسير علمٌ دقيق، وغالباً ما يُقدَّم فى قوالب صارمة، ولغة صعبة عالية، إلا أن الشعراوى نجح فى تقريب الجمل المنطقية العويصة، والمسائل النحوية الدقيقة، وكذلك المعانى الإشارية المُحلِّقة، ووصل بذلك كله إلى أفهام سامعيه، حتى باتت أحاديثه قريبة جداً من الناس فى البيوت، والمساجد التى ينتقل فيها”.

وممَّا سبق، دون الاقتصار عليه بالطبع، يتبيَّن لنا أن الشيخ -رحمه الله- كان ذا شخصية موسوعية مُطَّلِعة على كافة العلوم البشرية تقريباً لرغبته فى تكوين صورة شاملة عن القضية أو المسألة محل البحث، وفق سرد منطقى عقلانى سَلِس، بحيث لا يبقى بعد ذلك أى أثر للشك أو الظن، وإنما اليقين التام. وعلى هذا النهج، حاول التابعون مسايرة الشيخ -رحمه الله- والاطّلاع على ما أمكنهم من شتى العلوم والفنون لتوكيد صدق النصوص القرآنية ونظيرتها النبوية الشريفة، وإقامة الحجة على مَن تنكَّر لها وأعرض عنها، ويتضح هذا بجلاء عند متابعة الحلقات الدينية الشائعة المعنية بتفسير آيات القرآن الكريم أو بمسألة “الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم” التى تنتشر على شاشات التلفاز فى الوقت الحالى. ويكأن الشيخ رحمه الله كان هو المفتاح الذى أرسى هذا النهج فى التفسير وفى عرضه لآيات الله عزوجل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا النهج قد آتى أكله إلى حدٍ بعيد؛ إذ لم يعد أخذه فى الآونة الأخيرة مقتصراً على شيوخ الإسلام فقط، بل انتشر وأخذ به حتى غير المسلمين؛ فنجد برنامجاً شهيراً مثل “There Is No Clash” يعكف فقط على الإتيان بالآية الكونية التى اكتشفها العلم حديثاً، ويؤكد عليها ممّا جاء به القرآن منذ أكثر من 1440 عاماً على يد رجل أمِّى لم يُعلِّمه أحدٌ من العالمين.

شكوكٌ وشبهات:

إن من أهم مواطن تميز وإلهام شخصية الإمام -رحمه الله- هو سَمْتَه الوَسَطِىّ المُعتدِل فى أحاديثه المختلفة، مما كان يؤدى إلى نفوذه المباشر إلى قلوب الناس، ذلك لأنه لا يخرج عمَّا جُبِلَت عليه الفطرة البشرية من نبذ العنف والتطرف وتحبيذ السلام والقول الحسن. ومع ذلك، فإن هذا السَمْت على وجه الخصوص قد شهد ما يكفى من الطعن فى الآونة الأخيرة؛ حيث ظهر مَن يتهم الشيخ بالتشدد والتطرف، وأن أحاديثه لم ينتج عنها سوى الأفكار الهدَّامة الآكلة للحقوق والحريات والداعمة للتسلط والاستبداد وإثارة الفِتَن وتفتيت الأوطان. وبينما يتهمه البعض هذه الاتهامات بناءً على قراءة مُجتزَأَة لبعض فتاويه ومواقفه وشروحاته، فإن البقية تتهمه جزافاً دون أية قراءة تُذكَر لها. والحق أن بعضاً من هذه الاتهامات ليس حديثاً، بل قد مضى عليه أكثر من ثلاثة عقود على الأقل، فيما تداوله بالطبع المُجرِّحون حديثاً بشكلٍ أعمى، دون نظر أو مراجعة. ومن جانبنا، فقد ارتأينا – بغية استجلاء هذه الاتهامات ومعرفة أبعادها – أنه من الأفضل القيام بسردها فى عدة نقاط، بينما نُورِد ما يتعلق بها من دفوعٍ على لسان الإمام نفسه، ممَّا أمدتنا به صفحات مؤلفاته وآرائه، لأجل درء الشكوك والشبهات بصورة قاطعة. 

أولاً: خيانة الأمة وتغييب وعيها لأغراض سياسية:

لقد نسب البعض هذه التهمة الطاعنة فى وطنية الشيخ بناءً على واقعة سجوده شكراً لله إثر سماعه لنبأ الهزيمة فى حرب عام 1967. زِيدَ هذا الاتهام لاحقاً باتهام الروائى الشهير يوسف إدريس، فى كتابَيْه “فقر الفكر وفكر الفقر” و”إسلام بلا ضفاف”، بأن الشيخ كان أحد الذين كانوا يقومون بـ “إحلال نوع من الدعاية الإسلامية لصنع غطاء يستطيع السادات أن يصطلح به مع اليهود ويُسلِّم مصر – ومن ثَمَّ العرب- لأمريكا، وبالتالى لإسرائيل”، معتقداً أن عكوف الشيخ على تفسير آيات القرآن الكريم وتجديد عقيدة المسلمين يجذب الشعوب الإسلامية بعيداً عن فكرة القومية والوطنية والتمسك بالأرض، وأنه يساعد الأعداء فى مهمتهم؛ إذ “بعد موت عبد الناصر وغياب قائد القومية، بدأت تنبت لدى المحافل الاستعمارية فكرة إحلال “الفكرة الإسلامية” محل “القومية العربية”.. ]لتسهيل[ معركتها مع العرب والمسلمين؛ فالإسلام الذى تريده أمريكا يصبح الانتماء فيه للعقيدة وليس للأرض.. إسلام تصبح مشكلة المسلم فيه هى أنه هو المخطىء، وهو المُقصِّر فى حق ربه وشريعته، وأن عمله الأوحد والوحيد هو أن “يعود” مسلماً، نقياً، طاهراً”. ورغم إدراك الكاتب لأن يكون تحليله ذلك محل استنكار الكثيرين، إلا أنه يقول بأن “الوقائع التاريخية الثابتة تؤكد أن الأمريكان لم يقفوا أبداً ضد قيام حكم إسلامى إيرانى، بل إن إسرائيل نفسها وجدت فى قيام دولة إسلامية أدعى لحجتها فى قيام دولة يهودية” ([6]).

وفى الكتاب الموسوم “فقر الفكر وفكر الفقر”، يقول إدريس: إنه “حين نجح عبد الناصر فى القضاء على الإخوان المسلمين؛ ليس فقط بتصفيتهم وتصفية جهازهم السرى الرهيب، وإنما بتجنيد مصر كلها والعرب كلهم لمقاومة العدو الغاشم، والقيام برسالة الإسلام الحقيقية فى دحر الظلم الأجنبى عن الأرض والنفس والمال والبنين. حين حدث هذا، ]قامر الحكام[ على فلول الإخوان وتبنوهم وبدءوا على مهلٍ يخلقون دعوة جديدة.. ومن فكر سيد قطب.. ابتكروا مسألة تكفير الناس بتهمة عدم طاعة الله، ونُشِرَت جماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجماعات التكفير والهجرة.. ووُضِعَت القيود الرهيبة على وسائل الإعلام والصحافة حتى لا يتسرب إليها أى كلمة تجعل الإسلام دين كفاح العدو.. وكان طبيعياً أن ينشأ لهذه الدعوة المُغرِضة “نابغة” اسمه محمد متولى الشعراوى، يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم من قدرة على إقناع الجماهير البسيطة وقدرة على التمثيل والحديث بالذراعين وتعبيرات الوجه، والقدرة على جيب مفتوح دائماً للأموال، باختصار، قدرات أى ممثل نصف موهوب. ولم يكن سخفاً أبداً أن “يكتشف” أحمد فراج، الإخوانى السابق، والإذاعى المدلل، هذا الداعية فى برنامج كان اسمه “نور على نور”.. برنامج لم يحدث أن شاهدتُه ووجدت “عالماً دينياً يذكر كلمة الأعداء أو “إسرائيل” أو أمريكا، أبداً، وكأن لا وجود لهم بالمرة.. وهكذا جاء الشيخ شعراوى ]الذى[ له الآن “عام” يفسر فى جزء محدود جداً من سورة البقرة فى التليفزيون المصرى وفى التليفزيونات العربية.. ]والذى[ أيَّد السادات فى ذهابه للقدس و”كامب ديفيد”، وخرج معه يحيى المرتزقة المتظاهرين المهنئين له بعودته من إسرائيل عاصمة أعداء المسلمين وأعداء العرب، بعد اتفاقه معهم على اغتيال حقوق العرب والمسلمين.. ]كما[ دافع عن السادات وقال عنه فى مجلس الشعب المصرى: “إن هذا الرجل لا يُسأل عمَّا يفعل”.. ولم يأبَه الشيخ الشعراوى لـ ]الانتقادات الحادة التى تلقاها جرَّاء ذلك[، فقد كان هدفه منذ البداية واضحاً، أن يرتكن بظهره إلى حكومة السادات القائمة، وأن يُبشِّر بإسلام غريب، يجعل مشكلة المسلم تنحصر فى ذاته وطريقة عبادته، ولا يأبَه أبداً لأرضه أو عدوه وعدو المسلمين، تنفيذاً لأوامر سادته وأمرائه؛ بحيث إن مذابح لبنان كانت ولا تزال، بينما الشيخ شعراوى لا يزال يفسر فى صفحتين فقط من سورة البقرة” ([7]).

وهذه الاتهامات مردود عليها بما يلى:

  • أن العمل الذى عكف عليه الشيخ رحمه الله – من حيث توضيح معانى القرآن الكريم – كان نابعاً من منطلق دينى بحت؛ إذ كان معنياً بتفسير آيات القرآن بصورة محضة خالية من أى توجهات سياسية. ولو كان الأمر كما يدَّعى إدريس من حيث كون عمل الشيخ تغييباً لعقول الأمة عن قضاياها السياسية، لكان ذلك العملُ لحظياً ولم يكن قد استمر إلى قبيل وفاته فى النصف الثانى من التسعينيات. وفى حين أننا نعطى العذر لإدريس من حيث غيرته الشديدة على الأراضى العربية وانتهاكها من قِبَل المستعمرين المغتصبين، فإننا لا نسلب الشيخ غيرته هو الآخر على بلاده العربية، لاسيَّما وأننا نذكر له موقفه الشهير تجاه الاحتلال الإنجليزى لمصر، حينما انضم فى فترة دراسته بالأزهر الشريف إلى الحركة الوطنية المُندِّدة بالاحتلال الإنجليزى، والتى كان يُلقِى من خلالها بالخطب الحماسية فى ساحات الأزهر وأروقته، ما عرَّضه للاعتقال حينها، الأمر الذى لم يُزِده إلا صلابة وتماسكاً، حيث واصل مع زملائه مقاومة الاحتلال؛ بدعوى أنها “فرض” على كل مسلم ومسلمة، شاباً كان أم شيخاً ([8]). كما أنه ألقى قصيدة فى عام 1954 عقيب توقيع اتفاق ثلاثى فى مكة المكرمة بين مصر وسوريا والسعودية ضد إسرائيل، أعرب فيها عن تأييده لهذا الاتفاق، فيما هاجم وعد بلفور الذى زرع إسرائيل فى قلب الوطن العربى، ومكَّن الصهاينة من أرض فلسطين([9]). فضلاً عن ذلك، فإنه -رحمه الله- قد سافر فى عام 1966 إلى الجزائر، لمساعدة حكومتها فى التخلص من آثار الاستعمار الفرنسى، عبر الإشراف على وضع مناهج دراسية جديدة باللغة العربية.
  • إذا كان عمل الشيخ يهدف إلى تحقيق الاستراتيجية الصهيونية كما يدَّعى إدريس، فإن الذى يُفترَض فيه مجابهة هذه الاستراتيجية هى القيادات السياسية للبلدان العربية، فالساسة هم مَن بيدهم مقاليد الأمور فى هذه البلدان. ثم إن المرء ليعجز عن تفسير ادعاء وجود علاقة بين شرح آيات القرآن الكريم واستراتيجية العدو؛ لاسيَّما وأن عملية تجديد العقيدة الإسلامية التى آل الشيخ -رحمه الله- على نفسه القيام بها، تتطلب بالضرورة مجابهة الأعداء والمغتصبين. ولكن من الواضح أن إدريس كان متعجلاً تفسير الشيخ الذى لم يكن قد أمضى سوى “عام” -على حد تعبيره – فى تفسير جزء محدود جداً من سورة البقرة فى التليفزيون المصرى وفى التليفزيونات العربية. ثم إذا كان الشيخ يقوم بتغييب عقول المصريين – بالتواطؤ مع السادات – كما يدَّعى المدَّعون، فلمَ وافقت واستمرت البلدان العربية فى إذاعة برنامجه المعنِى بشرح آيات القرآن الكريم؟!
  • إن قرار الشيخ بدعم معاهدة السلام التى أبرمها السادات مع إسرائيل، والذى يتضح جلياً أنه يتناقض مع قرار إدريس من قبيل الرفض الشديد للمعاهدة بدعوى كونها خيانة للأمة وتفتيتاً للقومية العربية – نابع من اعتقاده الخاص كأى فردٍ فى الأمة. ولقد أبان الشيخ عن منطق قراره فى حوارٍ أجرته معه صحيفة القبس الكويتية فى عام 1987، حين سُئِل عن الفتوى التى تبيح للنظام السياسى القائم بالجنوح نحو السلم، وهل ما زال يعتقد أن السلام مع إسرائيل على طريقة كامب ديفيد قرار سليم؟ فأجاب الشيخ جواباً واضحاً خالٍ من التردد: “نعم ما زلت أُقِر، لأننا لم ندخل مسألة فلسطين على أساس من الدين، فكيف تطلبون أن أخرج منها على أساس من الدين؛ الأساس الذى دخلنا به فكر بشر لبشر، والأساس الذى خرجنا منه فكر بشر لبشر ]يريد أنه أمر سياسى محض[. فمَن جعل فكر البشر فى الدول الرافضة – ]أى للمعاهدة[ – أَوْلى من فكر الدول القابلة ]لها[؟”، مضيفاً: “أنا الذى أدفع الثمن، أنا الذى لا يوجد عندى بيت إلا وفيه ضحايا وفيه دم… فالذى عليه التعب هو الذى يعمل هكذا حتى يحمى نفسه.. ثم إنها مسألة سياسية، والدولة التى ندافع عنها، أول منهج فيها يقول أنها دولة علمانية، وما دمتم دخلتم بمنهج البشر دعوا كل بشر يفكر فى أن يخرج.. والناس التى تهوِّل المسألة ماذا صنعوا؟ ماذا صنع الرافضون من يوم توقيع الاتفاقية إلى يومنا هذا؟.. لا يمكن أن ينجحوا بعمل إلا إذا كانت مصر فيه..” ([10]).
  • بالنسبة لمقولة “لا يُسأل عمَّا يفعل”، فإنه من الجلى أنها مُنتَقَاة ومُقحَمَة كمحاولة لتبرير انضواء الشيخ تحت جناح السادات، وفق ما زيَّن المدَّعون لأنفسهم. ولقد ذكر الأستاذ محمد المصرى فى كتابه “الشعراوى تحت قبة البرلمان” العبارة الكاملة التى قالها الشيخ؛ “والذى نفسى بيده لو كان لى من الأمر شئ لحكمت للرجل الذى رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة.. ألا يُسأَل عمَّا يفعل.. إن الرجل الذى شجَّع هذه الشجاعات المختلفة – ]فى إشارة إلى ما قام به السادات من حركة التصحيح والتخلص من مراكز القوى[ – يجب أن نقدر كل قراراته وكل آرائه تقديراً فى مستوى ما وضعه الله فى أيدى البشر” ([11]). ولقد أوضح الشيخ ذاته فى جلسة البرلمان بتاريخ 27 مارس 1978 “أن سوابق الرجل – أى السادات – تجعلنا نأتمنه على ما يتخذه من قرارات لأنه أثبت أنه رجل يريد أن يصحح أوضاعاً فاسدة.. وقد قصدت أنه “يجب ألا يُسأَل عمَّا يفعل فى الأمور التى يرى فيها مصلحة، ولا يجب أن يعلنها للناس لأن الإعلان عنها أو معرفة أسبابها قد يفسد الهدف منها”، ثم وجه كلامه لمنتقديه: “إذا كان.. قد فهم منى غير ذلك، فإننى أستغفر الله مما فَهِم، وأستغفر الله فيما فَهِم” ([12]).
  • فيما يرتبط بدعوى كون الشيخ أحد شيوخ السلطان، فإنه يُشَار هنا على وجه الخصوص إلى أن الشيخ رحمه الله – بعد استقالته من وزارة الأوقاف فى 4 أكتوبر 1978، وصدور قرار جمهورى بتعيينه من قِبَل السادات فى مجلس الشورى فى 28 أكتوبر المذكور – فإنه لم يقبل هذا التعيين، ولم يذهب إلى مجلس الشورى فى الأول من نوفمبر لحلف اليمين الدستورية، واستمر مقعده شاغراً حتى انتهاء الدورة الأولى للمجلس، ولم يصدر اسمه فى دليل أسماء أعضاء المجلس الذى صدر فى عام 1981 – 1982 ([13]). ومن الواضح لكل ذى لُبٍ أن الرجل لو كان شيخاً يجامل الحاكم، لما تباطأ فى قبول هذا المنصب، ناهيك أن يكون من العجيب على أى أحد رفضه.
  • هذا، وبالنسبة لسجوده أيام الرئيس جمال عبد الناصر إثر هزيمة عام 1967، فإنه رحمه الله بيَّن أن “الهزيمة جاءت من عند الله لتصويب أخطائنا التى ارتكبناها. ومن هنا، وجب الشكر لله”.. “إن رسول الله كان مع صحابته يوم “موقعة أحد”، ولم ينتصر المسلمون.. لقد أمر رسول الله “الرماة” يوم أحد بألا يتركوا أماكنهم.. لكنهم لم يسمعوا وخالفوا أمره.. ولو كانوا قد انتصروا مع مخالفتهم لطاعة رسول الله، لقالوا “خالفناه وانتصرنا”، فالهزيمة هنا جاءت لتصويب خطأ المسلمين الذين لم يطيعوا أمر الرسول، ولهذا أمر الرسول عليه السلام الناس يومها بأن يشكروا الله، وقال: “استووا حتى أُثنِى على ربى”.. إن صلاة الشكر عند الهزائم والمحن هى أيضاً صلاة امتثال ورضاء بقضاء الله وقدره، وهى بذلك تُعد من قبيل النسك والعبادة فى مثل هذه الأحوال”، مضيفاً: “إن ]هزيمة 67[ كانت تصويباً من الله تعالى لكل أخطائنا، وأنها أحدثت زلزالاً هز الجميع، وأيقظ الوعى فى النفوس والعقول”، مشيراً إلى أن مصر كانت “فى أحضان روسيا ]التى[ كان لها فى مصر أماكن لا يستطيع أى مصرى أن يدخلها، ولا رئيس الجمهورية، ولو أننا انتصرنا ونحن فى أحضانها، لهان أمر الدين”.. هذا إلى جانب أن الهزيمة “قد كشفت لنا عن وجه موسكو، وأوضحت لنا أن الاتحاد السوفييتى لم يأتِ ليساعدنا ويعاوننا لكى ننتصر.. بل جاء ليبقى، ونظل نحن فى حاجة إليه وإلى أسلحته.. كانت حساباته أن أمريكا لن تتخلى عن إسرائيل، وأن مصر ستبقى دائماً فى حاجة إليه” ([14]).

ثانياً: الاتهام بالتطرف:

خلال الأشهر القليلة الماضية فقط ظهر مَن يتهم الشيخ الشعراوى بأنه كان داعماً للتطرف ولأفكار الجماعات الإسلامية المتشددة التى خبرتها الأمة الإسلامية – ولا تزال – فى الآونة الأخيرة. وسواءٌ نشأ الاتهام المنسوب إليه من اختلاط الأمر على البعض بأنه كان على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين التى يعاديها الكثير الآن، أو أنه ينشأ بشكلٍ عام جرَّاء سوءِ فهمٍ لتصريحاته – فإن هذه الاتهامات مردود عليها بما يلى: 

  • لا يخفى على أحدٍ أن الشيخ -رحمه الله- كان مقدراً بشدة للنحاس باشا المعروف بوطنيته وبرئاسته لحزب الوفد. ولهذا، حمل الشيخ -رحمه الله- عضوية الحزب ليصير وفدياً. وما أنْ قَدِم حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، إلى القاهرة فى أواخر عشرينيات القرن الماضى، شاء القدر أن يصطحبه الشيخ الشعراوى، لتنشأ صداقة بينهما، بل وليكتب الشيخ بنفسه أول منشور لجماعة الإخوان المسلمين بعد انتقالها من الإسماعيلية إلى القاهرة، وذلك من منطلق دينى بحت. لكن لم يلبث أن دبَّ الخلاف بين الشيخ والجماعة حول شخصية النحاس باشا؛ فقد رأى فيه الشيخ رجلاً طيباً، وأنه أقرب زعماء البلد إلى الله، بل وألقى قصيدة مدحه فيها هو وسعد زغلول، فى “النادى السعدى” فى عام 1938، عقب خروج الوفد من الحكم فى العام السابق. ولكن لم يكن من أمر “البنا” إلا أن غضب لذلك، وفى تجمعٍ إخوانى حضره الشيخ، ذكر أحد الحاضرين: “هو – أى النحاس – أعدى أعدائنا، لأنه زعيم الأغلبية.. وهذه الأغلبية هى التى تضايقنا فى شعبيتنا.. أما غيره من الزعماء وبقية الأحزاب فنحن “نبصق” عليها جميعاً فتنطفىء وتنتهى” ([15]). وعلى إثر ذلك القول، ودّع الشعراوى الإخوان إلى غير رجعة، وأعلن فيما بعد رفضه الواضح والقاطع لقيام أحزاب سياسية على أساس دينى: فـ “السياسة فكر بشرى ضد فكر بشرى آخر.. أما الدين فهو خضوع فكر بشرى لفكر سماوى.. والفرق كبير وواضح”. وعندما عرض عليه الأستاذ أحمد الصباحى رئاسة حزب “الأمة”، سأله: “هل تدّعى أن كل الأمة معك؟”. فضحك الصباحى وقال: “ولا حتى بعضها”! فردَّ الشيخ: “حسناً.. ما دام الأمر كذلك، فلماذا لا تتركنى للكل؟” ([16]).
  • يُذكَر أن مؤيديه -رحمه الله- لمَّا عُرِضَت عليه وزارة الأوقاف وشئون الأزهر فى عام 1976، قد رأوا أنه يمكنه من خلال هذا المنصب دعم وتنظيم الدعوة الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة، والتأكيد على معانى الإسلام السمحة، خاصة بعد انتشار الفكر المتطرف على يد جماعات التكفير والهجرة، التى قُتِل الشيخ محمد حسين الذهبى وزير الأوقاف الأسبق على يد أحد أعضاءها، وظهور مجموعة “صالح سرية” التى اقتحمت الكلية الفنية العسكرية. ومن البديهى أنه لو كان هناك أدنى شك فى وسطية الرجل واعتداله، لكان من المفترض ألا يؤيده أى أحد سوى المتطرفين أنفسهم ([17]).
  • فى اللقاء الذى عُقِدَ فى الجامع الأزهر يوم الأحد 1 يناير 1989، ألقى الشيخ -رحمه الله- بياناً برفقة كلٍ من الشيخ محمد الغزالى و د.محمد الطيب النجار للرد على أمراء الجماعات الإسلامية وأعضاء جماعة التكفير والهجرة الذين كانوا يتهمون الناس زورًا وبهتانًا بالكفر ويحرِّمون الانخراط فى مؤسسات الدولة ومدارسها وجيشها باعتبار أنها دولة كافرة، وحذر فيه المصريين والمسلمين من خطورة الانزلاق وراء تلك الجماعات وأفكارها، مؤكداً على أن “دين الإسلام واضح وفطرى.. وأن خصوم الإسلام لم يقدروا على الإسلام بذواتهم.. فدخلوا عليه من أبنائه، وجعلوا لكل واحد منهم أملًا فى أن يكون أميرًا أو حاكمًا!”، مضيفاً “لذلك أعلنت دائماً أنى لا أريد أنْ أَحْكُمَ بالإسلام، ولكنى أريد أن يكون الإسلامُ أميراً علىَّ، وأن أكون محكوماً له بأى واحد من أدنى الأرض، لكنى لا أحب أنْ أحْكُمَ أنا بالإسلام؛ لأن طالب الولاية لا يُوَلَّى”، وقال أيضًا مستنكرًا منطق الجماعات التفكيرية: “مَن يقول عن مصر إنها أمة كافرة؟ إذا فمَن المسلمون؟ مَن المؤمنون؟ مصر التى صدَّرت علم الإسلام إلى الدنيا كلها، صدَّرته حتى للبلد الذى نزل فيه الإسلام، هى التى صدَّرت لعلماء الدنيا كلها علم الإسلام، أتقول عنها ذلك؟ ذلك هو تحقيق العلم فى أزهرها الشريف. وأمَّا دفاعاً عن الإسلام، فانظروا إلى التاريخ، مَن الذى ردَّ همجية التتار عنا؟ إنها مصر.. مَن الذى ردَّ هجوم الصليبيين على الإسلام والمسلمين؟ إنها مصر.. وستظل مصر دائمًا رغم أنف كل حاقدٍ أو حاسدٍ أو مُستَغِلٍ أو مُستغَل، أو مدفوع من خصوم الإسلام هنا أو خارج هنا” ([18]). فَرَأْىُ الشيخِ فى هذا الأمر واضحٌ وجلىّ، ونذكر هنا أيضاً أن ذات المنطق الذى تكلَّم به قد استعمله من قبلُ فى إقناع ولده “سامى” لترك جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بعد أن شاهد التحول الذى طرأ عليها – كما سلف بيانه – وقال له: “يا بنى.. أنت أخذت خير الإخوان.. فابتعد، وحجِّم نفسك.. لأن المسألة انتقلت إلى مراكز قوى.. وإلى طموح فى الحكم” ([19]).
  • وتجدر الإشارة فى هذا السياق إلى أنه جرَّاء تصديه -رحمه الله- لهذه الجماعات بكل قوة وحسم، فقد تم اتهامه من قِبَلها بأنه من علماء السلطة، وردَّ على هؤلاء فى ذلك المؤتمر بقوله: “اعلموا جيدًا أننى -كما قال أخى الشيخ الغزالى- لست من علماء السلطة.. فأنا الوحيد فى مصر الذى ردَّ قرارات جمهورية.. ولم يستمع لها فى تاريخها كلها، ملكية أو جمهورية.. فلا يستطيع أحد أن يتهمنا أبدًا بأننا علماء سلطة”، مشيراً إلى ردِّه قرار الرئيس السادات الذى كان يتمناه الكثيرون والمنوط بتعيينه عضوًا فى مجلس الشورى عام 1978 ([20]).
  • ولقد جاء على لسان الشيخ حينما سُئِل: ماذا عن الأصوات المنادية بتطبيق الشريعة كأساس لتدعيم وترسيخ أسس المجتمع؟ أنه قال: “دعوا الإسلام مُحققاً، وإن لم يكن مُطبَّقاً، وبعد ذلك طبِّق الإسلام فيما ولايتك فيه على نفسك.. فلو أن كل واحد فينا طبَّق الإسلام فيما ولايته فيه على نفسه، لسقط الحاكمون بغير الإسلام وحدهم.. ولو علم الحكام أن الناس يحبون منهج الله، برؤيتهم يطبقونه فى نفوسهم؛ لتقربوا إلى شعوبهم بتطبيق منهج الله.. فالحكام – فى الوقت الحاضر – يتحسَّسون ما يرضى الشعوب. إن مهمتنا فى الحياة نحو مجتمع إسلامى ذات شقين؛ الأول: أن نسعى ونلحق ونجاهد فى تطبيق الإسلام، والثانى إذا لم يتحقق التطبيق، فعلينا أن نُحقِّق الإسلام ونُصَفِّيه علماً.. علماً يُجلِى عقيدة الإسلام، تجلية صافية، ويبين حقيقة القرآن، وما فيه من كنوز ثمينة، وأنه ليس من قول بشر؛ لأن فيه غيبيات تتسامى على قدرات البشر، وعملنا حالياً أن نُجلِى الإسلام عقيدة وعبادة” ([21]).

ثالثاً: التحامُل على المرأة وهضْم حقوقها:

لا شك أن قضية المرأة قد استحوذت على قدرٍ كبير من الأهمية والجدل فى العقود الأخيرة؛ إذ إن القضايا المنوطة بالمرأة من قبيل تحريرها وعملها ومساواتها بالرجل، فضلاً عن قضيتَى الحجاب والميراث، قد شهدت سجالاتٍ طويلة، وبالطبع لم يكن الشيخ -رحمه الله- بمنأى عن ذلك، الأمر الذى عرَّضه للاتهامات من قِبَل الراغبين فى تحرير المرأة – بمفهومهم – بأنه يحارب المرأة ويظلمها حقوقها. وفى هذا السياق، فإننا نورِد ما قاله الشيخ نصَّاً فى فتاويه المتعلقة بالمرأة ليحكم بموجبها كلُّ ذى بصيرة على صدق هذه الاتهامات أو بطلانها.

  • فيما يتعلق بمساواة المرأة مطلقاً بالرجل: “ذكر الله أن الرجل والمرأة مخلوقان من جنس واحد.. من مادة واحدة: “هُوَ الَّذِيخَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا” (الأعراف، 189).. هذا هو التكوين فى الأصل، ثم قال الإسلام بعد ذلك إنهما واحد فى المسئولية كإنسان؛ المرأة مسئولة عن عملها، والرجل مسئول عن عمله.. ]حيث يقول[ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرجل راعٍ ومسئول عن رعيّته، والمرأة راعية ومسئولة عن رعيّتها” ([22])، ]ويثبت القرآن الكريم[ مسئوليتهما أمام الله: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ” (النحل، 97 – غافر، 40).

(إن للمرأة أيضاً) حرية فى العقيدة.. تعتقد ما تشاء.. فلها حرية الدخول فى الإيمان [من عدمه] ..فلا تدخل الإيمان تبعاً لزوجها أو لأبويها.. هذا، ولقد أعطى الإسلام للمرأة حقوقاً مدنية كاملة ليست فى أى دينٍ آخر.. ولو نظرنا لوجدنا أن الحضارة الغربية تفقد المرأة خواصها.. ما هى الخواص الأولى للإنسان؟ شكله وسمته ثم اسمه؛ فحينما تتزوج المرأة فى أوروبا تُنسَب إلى زوجها، مدام فلان، ليس من حقها أن تحتفظ حتى باسمها.. فأى حق وأى مساواة للمرأة بعد أن تُسلَب اسمها! ولكن فى الإسلام، زوجات الرسول، وهو أشرف الخلق، وتتشرف به كل واحدة منهن، لم يقولوا: مدام محمد بن عبد الله.. أو زوجة محمد، ولكنهم قالوا عائشة بنت أبى بكر، حفصة بنت عمر، زينب بنت جحش.. احتفظن بأسمائهن واسم آبائهن وأسرتهن”. (الفتاوى، ص ص 406 – 408).

  • وبشأن قوامة الرجل على المرأة، قال: “إذا قيل أن فلاناً قائم على أمر فلان، فما معنى ذلك؟ هذا يوحى بأن هناك شخصاً جالس، والآخر قائم.. فمعنى “قَوَّامُونَعَلَى النِّسَاءِ” (النساء، 34).. أنهم مُكلَّفون برعايتهن والسعى من أجلهن وخدمتهن، إلى كل ما تفرض القوامة من تكليفات، إذن فالقوامة تكليف للرجل، ومعنى “بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ” (النساء، 34) ليس تفضيلاً من الله عزوجل للرجل على المرأة كما يعتقد الناس، ولو أراد الله هذا لقال: بما فضَّل اللهُ الرجالَ على النساء، ولكنه قال “بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ”.. أتى ببعضٍ مبهمة هنا وهناك.. ذلك معناه أن القوامة تحتاج إلى فضل مجهود، وحركة وكدح من ناحية الرجال، للإتيان بالأموال.. يقابلها فضل من ناحيةٍ أخرى، وهو أن للمرأة مهمة، لا يقدر عليها الرجال، فهى مُفضَّلة عليه فيها.. فالرجل لا يحمل ولا يلد ولا يحيض، ولذلك قال تعالى فى آية أخرى: “وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ” (النساء، 32). لمَن الخطاب هنا؟ إنه للجميع.. وأتى بكلمة البعض هنا أيضاً، ليكون البعض مُفضَّلاً فى ناحية ومفضولاً عليه فى ناحية أخرى، ولا يمكن أن تقيم مقارنة بين فردين لكلٍ منهما مهمة تختلف عن الآخر. ولكن إذا نظرنا إلى كلٍ من المهمتين معاً، سنجد أنهما متكاملتان؛ فللرجل فضل القوامة بالسعى والكدح، أمَّا الحنان والرعاية والعطف فهى ناحية مفقودة عند الرجل، لانشغاله بمتطلبات القوامة. ولذلك فإن الله عزوجل يحفظ المرأة لتقوم بمهمتها ولا يُحمِّلها قوامة بتكليفاتها لكى تُفرِّغ وقتها للعمل الشاق الآخر الذى خُلِقَت من أجله.. ولكن الشارع أثبت لنا أن الرجل عليه أن يساعد المرأة؛ فقد كان عليه السلام إذا دخل البيت ووجد أهله منشغلين بعملٍ يساعدهم، مما يدل على أن مهمة المرأة كبيرة وعلى الرجل أن يعاونها” (الفتاوى، ص ص 431 – 432).
  • تعليم المرأة: “يقول سقراط: إن المرأة ليست مُعَدَّة إعداداً طبيعياً لكى تفهم شيئاً فى العلم، ولكنها مُعَدَّة للمطبخ وتربية الأولاد.. أفلاطون جاء ليعطيها قسطاً من التعليم، فقامت عليه الدنيا، وقام الفيلسوف الساخر أريستوفان بتأليف رواية اسمها “النساء المتحذلقات” وتندَّر فيها على المرأة التى نالت قسطاً من التعليم.. جاء بعده موليير الفرنسى، وألَّف رواية اسمها “برلمان النساء أيضاً”.. ولكن الإسلام لم يقف منها ذلك الموقف، بل قال الرسول صلى الله عليه وسلم “طلب العلم فريضة على كل مسلم” ]ذكراً كان أو أنثى[ إذن نحن فرضنا التعليم للمرأة.. حينما تزوج الرسول من حفصة بنت عمر – وكان عمر قد جاء لها بامرأة من بنى عُدىّ تعلمها القراءة والكتابة، وبعد ما تعلمت، وتزوجها الرسول – طلب رسول الله من عمر أن يستمر مجىء العدوية إلى بيته؛ لتُعلِّم حفصة بقية العلم، فقال عمر: “لقد تعلمت”، فقال رسول الله: “لتجوِّده ولتحسِّنه”.. فلتتعلَّم المرأة، ولكن إذا كنا نقسِّم الرجال وفقاً للتعليم النوعى، مثل الصناعى والزراعى والتجارى.. إلخ، فيجب تعليم المرأة تعليماً نوعياً يناسب المهمة التى ستُؤهَّل لها”. (الفتاوى، ص 408).
  • عمل المرأة: “إن المرأة تتعامل مع أجمل الأجناس على الإطلاق.. إنها تتعامل مع الإنسان، فهى تربى سيد الوجود، بينما الرجل يتعامل مع الأجناس الدنيا من الوجود، التربة والمواشى والحيوانات والجماد والحجر.. فالمرأة يجب أن تشكر نعمة الله عليها لأنها تتعامل مع أشرف شىء فى الوجود.. والمرأة التى لا تريد الاقتناع بهذه المهمة تكون امرأة فاشلة.. فالمرأة التى تريد أن تؤدى مهمتها كربة بيت وزوجة وأم ومربية.. إلخ، لا تجد من الوقت ما يسمح لها أن تعمل.. فلتتعلم وتغنينا عن مدرس خصوصى، أو تتعلم حياكة الملابس لأولادها وتطريزها، فلو نظرت إليها فى نشاطاتها فى الحياة، لوفرت على البيت أضعاف ما تأخذ من راتب، وتوفر علينا تكاليف زينتها ومتطلباتها فى الحياة… ثم ننظر بعد ذلك إلى الواقع، هل المرأة فى سلم العمل كلما ارتقت تمنَّت مزيداً من عمل أو كلما ارتقت وتقدم بها السن تمنَّت لو أنها ربة بيت؟ .. المسألة أن هناك فى الغرب شىء غير عندنا.. لا نحكم بشىء من هناك لنسيِّره على حياتنا.. لأن الرجل فى الغرب بمجرد أن يكبر ابنه وابنته يتركهما يضربان فى الحياة.. ليس عندنا مثل ذلك من الضرورات التى تجعل المرأة تتشابك فى حياتها مع المجتمع لكى تعيش..

إن الزوجة تقول سأعمل حتى أخفف عن زوجى الشقاء.. فكيف تخفف المرأة عن زوجها العمل، وهو لا يزال يعمل لينهض بأعباء الحياة التى لا تنتهى؟ ولا بد أن ينظر الإنسان إلى عمله، ويعرف المقدار الذى سيدره عليه من دخل، وعليه أن يجتهد كما شاء، وبعد ذلك يحدد مستوى حياته فى حدود مستوى الدخل.. وإذا أرادت المرأة أن ترفع مستوى حياتها بما لا يخرج بها عن مهمتها كزوجة، وعن واجبها كأم تحضن أطفالها.. فيصح أنها تعمل، لكن فى إطار. ويجب أن تعلم المرأة نوعيتها فى العمل، فلا تخرج عنها.. فخروج الفتاة إلى عمل فى غير مجال أسرتها أمر تحدده الضرورة المحضة، كما يقتضى القول بأن مجال الاحتكاك والاختلاط يجب أن يُؤخَذ بقدره.. وقصة سيدنا موسى مع ابنتى النبى شعيب نبى الله، تحدد الضرورة وحدود التصرف: “وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ” هذه الضرورة للعمل، وعلى قدرها “لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ”، ومهمة المجتمع “فَسَقَىٰ لَهُمَا” (القصص، 23 – 24).. نحن لا نمنع المرأة من العمل، لكن أن تخرج إلى العمل إن كان فى محيط أسرتها، وإن استدعى أن تخرج إلى المجتمع، لكن فى حشمتها وفى وقارها، وفى اتزانها، ولا تجعل هذه الضرورة تبيح لها أن تختلط بالشباب ما شاء لها الاختلاط.

ثم إن “الذين ينادون بمساواة المرأة بالرجل ]فى العمل[، لماذا لا يقولون بمساواة الرجل بالمرأة؟ ]إذ ما داموا[ يطلبون من المرأة أن تقوم بعمل الرجل، فكان من الواجب أن يطلبوا من الرجل أن يقوم بعمل المرأة، وإلا جاروا على مبدأ المساواة التى يطلبونها.. فإذا قامت المرأة بالعمل المطلوب من الرجل، وظلت هى بعملها الخاص الذى لا يُؤدَّى إلا من جهتها، لكان معنى ذلك إلقاء حمل جديد على المرأة… وهكذا فهم لا يطلبون مساواتها، بل يطلبون غبنها وظلمها، فلو أنصفت المرأة نفسها لرأت فى الذين يطلبون مساواتها بالرجل – فيما تجنح إليه فكرة المساواة – خصوماً لها، ولو أنصف الذين يطلبون مساواتها، لطلبوا لها أن تزاول كل أعمال الرجل، وألا تقتصر طلب المساواة على الأمور الهيِّنة غير الشاقة ولا المجهدة”. (الفتاوى، ص ص 473 – 475، 479 – 480).

  • وماذا عن الحجاب؟ “وفقاً لقوله تعالى فى الآية 31 من سورة النور ([23])، يتبين أن المطلوب أن تجعل المرأة غطاء الرأس على النحر والصدر، وقال رسول الله عندما دخلت عليه أسماء بنت أبى بكر بثيابٍ رِقاق: “يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه”. وتقول أم المؤمنين عائشة: “كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الفجر، مُتلفِّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ ([24])، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحدٌ من الغَلَس”. ويشترط فى الحجاب ألا يكون الثوب نفسه زينة، وأن يكون صفيفاً لا رقيقاً مصداقاً للحديث الشريف “سيكون فى آخر أمتى نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنَّهنَّ ملعونات”، وألا يكون مُجسِّداً لهيئة الجسم، ولا مُعطَّراً مُبخَّراً، لقوله عليه السلام: “أيّما امرأة استعطرت فمرَّت على قومٍ ليجدوا ريحها فهى زانية”، كما أنه لا يجب أن تتشبه النساء بالرجال لقوله عليه السلام: “ليس منا مَن تشبه بالرجال من النساء، ولا مَن تشبه بالنساء من الرجال”، كما يجب ألا يشبه زى الكافرات لأن المسلمين مُطالَبون فى كثيرٍ من آيات القرآن الكريم ألا يتبعوا أهواء الكفار. كذلك ألا يكون ثوب شهرة لقول سيدنا رسول الله: “مَن لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلَّة يوم القيامة ثم ألهبه فيه ناراً”. ومعلوم أن المرأة يجب عليها أن تستر عورتها وجميع جسدها إلا وجهها وكفيها”. (الفتاوى، ص ص 415 – 418، 432 – 433).
  • وعن حكم الإسلام فى امرأة مسلمة ملتزمة بتكاليف العقيدة ومنهج الإسلام ولكنها تنزل الشارع سافرة، أجاب بـ “أن على الفتاة التى تزعم أن الدين يحجر عليها فى لباسها وفى زينتها وفى حياتها أن تعلم جيداً أنه كيف أراد أن يؤمِّن شيخوختها فى الهِرَم؛ فعند سن اليأس… ]عندما[ تذوى نضارة المرأة ويخبو جمالها، نراها محتاجة إلى عطف زوجها وحنانه وبره، وهى ضعيفة مسكينة، كثيرة التفكير فى المصير المؤلم من ناحية أخرى.. وبالتالى إذا نزل الزوج إلى الشارع فرأى فتاة فى خير عمرها وفى كامل زينتها ورونقها، جرت غمار المقارنة بين ما ينظر فى الشارع، وما يراه فى البيت، وبين هذا وذاك تتكالب عليه الهموم والحسرات، ولا نعتقد أن هذه المقارنة تسر أية امرأة. فنظرة الرجل فى الشارع إلى حُسْنٍ ظاهر سافر مبتذل تبدد رصيد الحب بينه وبين زوجته.. ومن هنا تنحل الآصرة الزوجية وتتفكك المودة العائلية.. فاعلمى أيتها الفتاة أن الذى منعكِ منع من أجلكِ، هو الذى منع ليحافظ عليكِ”.

ثم ]بعد ذلك[ هبوا أن الضرورة اقتضت أن تخرج المرأة إلى المجتمع للعمل، وليست هناك رجولة عامة فى المجتمع، وتُرِكَت المرأة لحال سبيلها تكافح فى الحياة، ما هو الرابط بين أن تتبرج وتخرج فى أبهى زينتها، وأكمل حليتها ]والعمل[؟ ما هى العلاقة بين هذا وذاك؟ .. والفتاة التى تخرج لتتعلم، إنما قلنا إنها ضرورة اضطرتها للاختلاط، فما ضرورة أن يكون ميدان الجامعة ميدان تبرج.. هل العلم لا يُسمَع إلا من بين الصدور؟ هل العلم لا يُستقبَل إلا بالسيقان المكشوفة؟ هل العلم لا يُؤتَى إلا باللباس الكاشف؟.. إن الفتاة فى تبرجها خارج منزلها تعبر عن إلحاح فى عرض نفسها على الرجل.. ففرِّقوا يا قوم بين حركة العمل فى الحياة، وبين إغراءات هذه الحياة”. ‌(الفتاوى، ص ص 418 – 419، 470، 479 – 480).

  • نُقصَان عقل المرأة ([25]): “ما هو العقل أولاً؟ العقل من العِقال، بمعنى أن تمسك الشىء وتربطه فلا تعمل كل ما تريد، فالعقل يعنى أن تمنع نوازعك من الانفلات، ولا تعمل إلا المطلوب فقط. إذن فالعقل جاء لعرض الآراء واختيار الرأى الأفضل، وآفة اختيار الآراء هو الهوى والعاطفة، والمرأة تتميز بالعاطفة، فالصفة والمَلَكَة الغالبة فى المرأة هى العاطفة، وهذا يفسد الرأى. إذن ما دام العقل هو الذى يحكم الهوى والعاطفة، فإن النساء ناقصات عقل، لأن عاطفتهن أزيد، وهذا أمر مطلوب لمهمة المرأة.. فنحن نجد الأب عندما يقسو على الولد ليحمله على منهج تربوى، فإن الأم تهرع لتمنعه بحكم طبيعتها، والإنسان يحتاج إلى الحنان والعاطفة من الأم، وإلى العقل من الأب.. وأكبر دليل على عاطفة الأم تحملها لمتاعب الحمل والولادة”. (الفتاوى، ص ص 454 – 455).
  • لماذا ورَّث الإسلام المرأة نصف ميراث الرجل؟ “مَن يقولون ذلك سنقول لهم: هل الإسلام قد جامل الرجل أم جامل المرأة؟.. المرأة قبل الزواج – فى عُرفِ الإسلام – مسئولة من ولى أمرها ينفق عليها، وبعد الزواج مطلوب نفقتها من زوجها. وعلى فرض أنها غنية وزوجها فقير، أيُكلِّفها – ]أى الإسلام[ – أن تنفق عليه، وهو فقير؟ لا .. يذهب ليقترض ولا يأخذ منها، إذن المرأة مَكفيَّة المؤونة سواء قبل الزواج أو بعد الزواج.. فإذا جئنا فى التركة، وأعطينا لأخيها الثلثين وهى الثلث، فالرجل مطلوب منه أن يفتح بيتاً ويتزوج، ويُحضِر واحدة ينفق عليها، إذن هو مُكلَّف بالثلثين؛ أن ينفق على نفسه وعلى زوجته.. وأخته يتزوجها واحد، وليست مُكَلَّفة أن تنفق عليه شيئاً، وبهذا يكون ثلثها محفوظاً.. فكان المفروض أن يقول الذين لديهم عقل: لماذا جامل الإسلام المرأة، مع أنها لا تنفق فى الأولى ولا فى الآخرة، ولا تُكلَّف نفقة أبداً؟” (الفتاوى، ص ص 476 – 477).

ممَّا سبق، يتبيَّن أن فتاوى الشيخ -رحمه الله- لم تخرج عمَّا جاء به الشرع الحنيف من أوامر ونواهٍ، كما يتجلَّى تكامل فكره وعدم التناقض فيه، بناءً على فهمٍ فطرى مُتعمِّق، ومُبسَّط فى الوقت ذاته، لعلوم الإسلام. ومن نافلة القول هنا أن الشيخ رحمه الله – كما تبيَّن – لم يكن نائياً بنفسه عن وقائع الحياة ومتطلباتها، فهو قد عايشها وأدلى فيها بما يبرىء به ذمته أمام الله تعالى، وأنه قد اجتهد فى ذلك أيّما اجتهاد لدرء المفاسد وجلب المصالح، بصيغة وسطية سَلِسة.

هذا، ولعل من المفيد فى هذا المقام الإشارة إلى بعض القضايا الخلافية الأخرى فى ضوء فتاوى الشيخ أيضاً وآرائه لتتضح الصورة أكثر:

 مسألة التضاد بين الإسلام والعلمانية:

يقول الشيخ: “ما معنى كلمة علمانية؟ معناها أنها تسير فى أقضيتها وفى كل مجالاتها على وفق ما يجىء به العلم. فما هو العلم؟ العلم قضية يقينية، ويمكن أن أقيم عليها الدليل. إذن كلمة علمانية لا تأتى مطلقاً إلا فى الأمور المادية. وفى الأمر المادى، التجربة لا تجامل.. لكن الأمر النظرى كيف يكون يقيناً؟ لا يمكن.

أنتم تقولون علمانية بمعنى ليست دينية، ومَن الذى قال إن الدين ليس علمانياً؟ الدين علمانى فى مجال العلم الذى يؤتى قضية يقينية لا خلاف عليها، وهناك دليل عليها فى الأمور المادية، وما جاء دينٌ، وخاصة الإسلام، ليناهض العلمانية، بل هى فيه بأوسع معانى الكلمة، وإنما أنت أردت أن تُقحِم كلمة علمانية على شىء لا يدخل فى قضية العلم، وهو الأمر النظرى، تريد أن تحول الأمر النظرى إلى علم، فنقول فى ذلك: إن هذا ليس علماً؛ لأنه ليس قضية يقينية، فالخطأ أنك أردت بالمقابلة “دولة علمانية” فى مقابل “الدولة الدينية” فنقول له: إن المقارنة خطأ. لأن الدين وخاصة الإسلام جاء للعلم.. لكنه يضع العلم فى مجاله الذى يجلو فيه القضايا اليقينية والحقيقية.. فالعلمانية الصحيحة الخاضعة للعلم التجريبى لا تناقض الدين، والرسول عليه السلام جاء بالأمور التى يمكن أن تختلف فيها الأهواء، وقرر فيها رأى الدين فلا اجتهاد فيها، والأمور التى تخضع للتجربة لم يتكلم فيها بشىء” (الفتاوى، ص ص 545 – 546).

  • هل هناك فصلٌ بين العلم والدين؟

“ليس هناك فصل بين العلم والدين، وإنما هناك إدخال للعلم فى منهج الدين، بحيث لا يأتى رجل دين يقول: إن الذى يعمل بالكيمياء يصبح كافراً… نحن عندنا ناسٌ يقولون: “دين ودنيا” فكلمة الدين خوَّفت أهل الدنيا من الدين، وكلمة الدنيا خوَّفت أهل الدين من الدنيا.. نقول لهم: لا يوجد “دين ودنيا”.. الدنيا تقابلها الأخرة والدين يشملهما.. البعض يقول عن المهتمين بأمور الدنيا إنهم كفرة، والمهتمون بأمور الدنيا يقولون عن المهتمين بأمور الدين إنهم متخلفون، ونحن نقول لهم هذا ليس بمقابل.. مقابلُ الآخرةِ الدنيا، والدينُ يشملهما؛ لأن الآخرة ليست موضوع الدين.. الآخرة هى المكافأة والجزاء”. (الفتاوى، ص 546).

  • كيفية الدعوة ومنطقها:

 يذكر الشيخ -رحمه الله- أن “الإسلام له منطق مهذب مؤدب ذو قوة واستعلاء.. فالمنطق الإيمانى رحيم، والقوة بالإيمان تعرف أن العدل هو المنهج، ولا استعلاء لبشر على بشر. بل إن الدعوة إلى الإيمان عليها أن تأخذ من أدب الرسول عليه الصلاة والسلام قدرة الفهم لظروف مَن تدعوهم للإيمان.. إن الداعى إلى الإسلام لا يمكن أن يعرض على الناس أن يخرجوا ممَّا تعودوا عليه بأسلوبٍ يكرهونه، لأن الإنسان الداعى للهداية يعلم أن الدعوة بأسلوب مكروه تجعل الناس يتحملون مشقتين؛ الأولى: هى إرهاق الناس بأن يخرجوا عمَّا اعتادوا عليه وألفوه وتعودوه. والثانية: إرهاق الطريق الذى يؤدى إلى الجديد بما قد يحمله أسلوب الإقناع الفجّ من الوقاحة وسوء الأدب وعدم الحكمة فى الموعظة. ولذلك، كان العربى قديماً يقول: النصح ثقيل، فلا ترسله جبلاً، وتجعله جدلاً، واستعيروا للنصح خفة البيان.

وها هو الرسول عليه السلام يتلقى تعليم ربه بأن يقول لخصومه: “قل لا تُسأَلون عمَّا أجرمنا ولا نُسأل عمَّا تعملون”. إن محمداً عليه السلام يتحدث إلى خصومه بأن كل واحد من البشر محاسب على عمله، فأنتم أيها الخصوم لا تُسألون عن “إجرام” أىٍ من المؤمنين.. ونسب الإجرام هنا لنفسه وللمؤمنين؛ لأن خصوم الإسلام نظروا للإسلام أول الأمر على أنه جريمة. ولكن حين أراد الرسول أن يصف سلوك الخصوم قال بلسان الحق: “ولا نُسأل عمَّا تعملون”.. إن قياس الكلام هنا كان أوجب أن يقول الرسول: “ولا نُسأل عمَّا تُجرِمون”، ولكنه أبدلها: “عمَّا تعملون”، فالله يُعلِّم نبيَّه ورسوله آداب الجدل. فلا تأتى سيرة الإجرام حتى بالنسبة لمَن يتحقق عند الله إجرامهم.. هذا هو أدب الجدل، وهذا هو السمو فى الجدل، ولكن يجب أن نرتفع عن شهوة البشر فى الاستعلاء، ونجادل بمنطق الحق فى السماء. وهكذا يجب أن يكون حال الداعية للإسلام، وهكذا يجب أن نستقبل كل خصومة للإسلام، ولابد أن نترك خصوم الدين يعيشون فى رحمة هذا الدين..ولكن إذا استغل خصوم الإسلام سماحته وانقلبوا عليه، لينالوا منه ومن بنائه القومى، فإن الإسلام يتطلب من المؤمنين أن يضربوا على أيدى الخصوم.. حتى تكون كلمة الله هى العليا. لأنه إن جاء فى ظاهر الأمر أن فى بعض الأحياء أنصار الحق؛ صاروا دون – ]أى أقل من[ – أنصار الباطل، فذلك درس يعلمه الله للبشر.. إننا نتعرف على الحق والباطل بالمقارنة بين الاثنين، ويعلمنا الله ذلك بأدب الجدل.

وعند استعراض تاريخ الإسلام الطويل، فلسوف نجد أن الإسلام ارتفع بأمرين: الأول: اندفاع المؤمنين به إلى نشره كدين يهدى الناس، وفى هذا قوة. والثانى: استغاثة المحكومين بالباطل حيث مدوا أيديهم إلى الحق، ليأخذ بأيديهم.. لذلك نجد أن كثيراً من فتوحات الإسلام قامت على أساسٍ من دعوة أهل البلاد المفتوحة؛ حيث طلب هؤلاء الناس أن يأتى إليهم المسلمون ليُخلِّصوهم ممَّا هم فيه من شر. لذلك نرى غالبية المسلمين أو كثرتهم فى أمم لم يدخلها الإسلام بالقتال.. ونستنتج أيضاً أن الإسلام لو كان قد جاء لإجبار الناس عليه لما وجدنا ديانات أخرى فى البلاد التى فتحها الإسلام.. هذا، ولا يستطيع أحد أن يجبر قلب إنسان على الحب، والعقائد لا إكراه عليها، أنت حر فى أن تؤمن، ولكن إذا آمنت فلابد أن تتقبل كل ما يأمرك به الحق دون مناقشة التفاصيل، وإلا قد تكون رجعت فى قضيتك الأولى.. لا إجبار فى دخول الدين لأحد، فمنهج الحق واضح، ومنهج الباطل واضح”. (الفتاوى، ص ص 631 – 634، 144).

  • ما معنى الحرية وما موقف الإسلام منها؟ وهل تُناقِض الحرية معنى التدين؟

“.. إن كلمة الحرية فى ذاتها تناقض مبدأ التدين؛ فالتدين التزام بالمبادئ والمناهج، ]فيما تعبر الحرية[ عن تحرر وعدم التزام إذا ما أُخِذَت على إطلاقها. ولكن الدين جاء لكى يُعلِى كلمة الحرية، فأنت حر فى أن تفعل ما تريد، ولكن لا يجب أن تكون الحرية فيما يؤذى الآخرين أو يعتدى المرء بها على حرية الآخرين؛ فهل تبيح لنفسك حرية وتنكرها على غيرك؟.. كلا.. وعندما يكون لهذا حرية ولذلك حرية، على إطلاقها، فإن الأمور تختلط… ولو أُخِذَت الحرية بهذا المفهوم، لكان لصاحب القوة والبطش والجبروت أن يفعل ما يشاء والضعيف ينتهى، وهنا قمة الفساد والتحلل.

وأنت من حقك أن تؤمن أو لا تؤمن بحريتك ومحض اختيارك، فإذا آمنت يجب عليك أن تلتزم بالمنهج، لأنك دخلت فى الإيمان بعقلك، وبمحض اختيارك، فالتزمت بالأصل. ولقد جعل الله الإيمان اختيارياً ولم يجعله إجبارياً، لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يُقبِل العبد على منهجه وهو فى مقدوره ألا يُقبِل عليه، ويريد اللهُ ]من[ العبدَ أن يطيعه، و]هو[ فى استطاعته أن يعصيه، فالعبد غير مجبور ولا مقهور. وعلى ولى الأمر أن يحمى هذه الحرية لتُبَصِّره بمدى رضاء الله، فقد يكون غافلاً فيتنبَّه.. ]ومن ثَمّ[ إن وجود هذه الحرية فى إطار الالتزام بمبدأ الدين جوهرى، ولكن كلمة الحرية على الإطلاق لا توجد فى الدين”. (الفتاوى، ص ص 349 – 350).

لقد آثرنا – كما سلف القول – ذكر نصوص الفتاوى والآراء التى تركها الشيخ رحمه الله كاملة كما هى، دون تحوير أو إضافات، للدلالة على صدق فطرته وجمال تحليله، وأن المدَّعين الذين يطعنون فى الشيخ ينتزعون كلماته التى تلبِّى رغباتهم من مواقعها ويقحمونها فى سياقاتٍ خاصة تلبس على الناس الوهم والأباطيل، تجعلهم يستثقلون الدين ويشعرون أنه يقيدهم فى كل شىء. ومن العجيب أن الشيخ -رحمه الله- قد أشار إلى هذا المسلك الخبيث قبل وفاته، فقال ما نصِّه، “إن آفتنا أن القوم المتحررين دينياً يريدون أن يخضعوا كل شىء فى الدين للاجتهاد.. ونقول لهم: إنكم مخطئون.. فمعنى الاجتهاد أن تبذل وسع الجهد فى أن تعرف الرأى، وهذا لا يعنى أن ]كل القضايا[ تحتاج إلى بحث ]ورأى[.. يريد الناس أن يخضعوا قضايا هذا الدين إلى “أنتم أعلم بشئون دنياكم”.. ولكن علينا أن نفهم ميلاد الحديث.. الحديث ورد فى أمر علمى تجريبى، وأمر التجربة ليس منوطاً بالسماء.. ]وإنما[ منوط بالأسباب والمُسبِّبات المادية، لأن الله ضمن أنها لا يدخلها الهوى.. فالعالم يدخل معمله التجريبى، وليس له هوى فى نفسه إلا أن يصل إلى الحقيقة.. وما هى الحقيقة؟ هى ما تهدى إليه العناصر الصَّمَّاء.. من خلال التفاعلات التى لا يدخل إليها الهوى أبداً، فكأن الله ضمن فى التجربة المادية ألا يدخلها الهوى. ولكن فى الأمور النظرية يأتى الهوى.. ولكنه قسَّم ]تلك الأمور إلى[ قِسْمين: قسْمٌ يُسمَح لكم بالاجتهاد فيه، وقسْم آخر يعطيكم حرية البحث فيه حتى لا تكون كل التكاليف كالقوالب الحديدية، ]ويكون[ أخذها على أنها هكذا.. ولكن ليصبح عندك حيوية حركية، وحيوية اختيار.. حيوية الاختيار بين بديلات، ولكن التجربة المادية هذه يستوى فيها الناس لا أحد يختلف فيها، لماذا؟ لأن الهوى لا يدخل فيها”. (الفتاوى، ص ص 553 – 554).

وفى تعليقه على الجدل الذى أُثِير مؤخراً حول وصف بعض أفكار الشيخ الشعراوى بالتطرف، ذكر الشيخ الحبيب على الجفرى أنها لا تستهدف انتقاده -رحمه الله- على المستوى الفكرى، لكنها مُوجَّهَة بشكل واضح لهدم رمز معين فى إطار عام لهدم رموز الإسلام، مضيفاً “عندما يتزامن الطعن فى الإمام الشعراوى والإمام البخارى مع غمز قناة الصحابة الكرام رضى الله عنهم وآل البيت الأطهار عليهم السلام، ثم التشكيك فى جمع السُنّة عبر شبهات قدماء المستشرقين التى تم تفنيدها وردّها فى كتب ورسائل علمية متخصصة، والتشكيك فى جمع القرآن الكريم وترتيب سوره وآياته، وأمثالها من الضرب فى الثوابت، ونفى مفهوم المرجعية الدينية ووصفها بالكهنوت، وانتهاك حُرمة التخصص الشرعى فى الفتوى ووصمه بتسلّط رجال الدين؛ فالأمر حينئذٍ يدخل حيّز “معاداة” الإسلام ومحاربته” ضمن نسق مدروس ومتدرج”.

وأكَّد فى سياقٍ متصل أن هناك بوناً شاسعاً بين “النقد” و”النقض”. وبينما يشدد على أنه لا يوجد أحد ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم فوق مستوى النقد، فإن نقد الآخرين، وليس نقضهم، يجب أن يكون على أسس علمية: “الإمام الشعراوى لم يكن معصومًا، وكان يعلمنا أن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقول: “رحم الله امرأً أهدى إلىّ عيوبى”، وإذا كانت هناك بعض الملاحظات على بعض الأطروحات، وأنها غير واضحة بالقدر الكافى، فهى نقاط قليلة تضمحل أمام ما قدَّمه هذا الإمام الكبير” ([26]).

هذا، ويشاء الله تعالى أنه رغم ما يُثَار من طعونٍ باطلة بين الفينة والأخرى فى إسهامات الشيخ الشعراوى -رحمه الله – أن تزداد محبته فى قلوب الناس، ويتعاظم حرصهم على الدفاع عنه أكثر فأكثر، ولعل أبلغ ما يُقِر بذلك هو ردة الفعل التلقائية التى تهُب عقب كل موجة تطاول على الشيخ -رحمه الله-، ناهيك عن صوره المُعلَّقة فى المحالّ والأسواق وعلى وسائل المواصلات المختلفة، وعلى صفحات التواصل الاجتماعى. وكيف لا! والشيخ – كما ذكر عنه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر د. أحمد الطيب – أنه “أبرز المجددين فى تفسير كتاب الله، وأنه كان حين يفسر القرآن يبدو وكأنه يبعث الحياة فى الحروف والكلمات، فترتسم فى عقل المستمع وقلبه صورة حية مبسطة لا يحتاج إلى مجهود كبير لفهمها واستيعابها.. لقد كتب الله له المحبة والقبول فى قلوب المؤمنين، ولا شك أن ذلك توفيق من الله خصَّ به هذا العالم الربانى الذى كان متفانياً لخدمة دينه، محباً لوطنه” ([27]).

فى الواقع، إن ملامح الإلهام التى تركها الشيخ فى أحبائه قد أكَّدت على أن المرء – وطالب العلم على وجه الخصوص – لا بد أن يتحلَّى بجميل القيم من تواضع ومودة ومحبة وعطاء وصدق واجتهاد، وأن يتخلَّى عن الشيم السيئة التى لا تزيده إلا بعداً، وأن تكون أعماله وأحواله خالصة لله تعالى؛ إذ منه الهداية والعوْن والتوفيق.

ولقد فتحت شخصية الشيخ آمالاً لقلوب الأكثرية المُحِبَّة له من البسطاء بأنْ تكون لديهم ذرية مُتعلِّمة فقيهة على شاكلته -رحمه الله-، تَحمِلُ هموم الأمة، وتُدافِعُ عن الإسلام ودعوته وقِيَمه الوسطية الحميدة الهادية إلى الطريق المستقيم، فنجد أنهم لا يتوانون عن إرسال أولادهم إلى المعاهد الأزهرية لعلهم يظفرون بهذه الذرية المستقيمة الفتية التى رَأوا جمالها من قبلُ فى شخصية إمام الدعاة -رحمه الله-.

وفى الختام، لا يسعنا إلا أن نقول: رحم الله الشيخ الشعراوى، وعفا عنه، وجازاه عنا خير الجزاء، ونفعنا بإرثه وأنواره..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فأجداد الإمام جاءوا من السعودية، وقد استوطنوا مكاناً هناك قرب مضيق، أُطلِق عليه “مضيق الشعراوى”، ومن ذلك المكان، هاجر الأجداد إلى مصر، واستوطنوا الشرقية زمناً، ثم غادر الوالد إلى القرية التى وُلِد بها الإمام؛ ألا وهى دقادوس بالدقهلية، كما سيُذكَر أعلاه فى المتن. انظر: سعيد أبو العينين. الشعراوى: أنا من سلالة آل البيت. (القاهرة: دار أخبار اليوم)، ص 10.

[2] للمزيد، انظر: “سيرة حياة الشيخ محمد متولي الشعراوي”. موقع شبكة الشفاء الإسلامية. 19 مايو 2009. (https://www.ashefaa.com/play-16362.html)؛ و- “نبذة عن الإمام”. موقع الشيخ الشعراوى. (https://www.sharawe.com/pageother-279.html).

[3] “الشيخ الشعراوى.. 60 عاماً فى تفسير القرآن الكريم”. موقع العين الإخبارية. 8 نوفمبر 2019.

(https://al-ain.com/article/egypt-elsharawy).

[4] وذلك مصداقاً لقول النبى صلى الله عليه وآله وسلم: “إنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَة مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِيْنَهَا”. الحديث ذكره أبو داوود فى سننه فى أول كتاب الملاحم، برقم 4291، وحكمه صحيح.

[5] “نبذة عن الإمام”. مرجع سبق ذكره.

[6] يوسف إدريس. إسلام بلا ضفاف. (مؤسسة هنداوى للنشر، 2018)، ص ص 59 – 60.

[7] يوسف إدريس. فقر الفكر وفكر الفقر. (مؤسسة هنداوى للنشر، 2019)، ص ص 103 – 104.

[8] محمود الكردوسى، “الشيخ الشعراوى.. صوت بقرب العرش موصول الدعاء”. موقع بوابة الوطن. 19 يونيو 2016.

(https://www.elwatannews.com/news/details/1232904)؛ وانظر تفاصيل ذلك فى: سعيد أبو العينين. الشعراوى الذى لا نعرفه. (القاهرة: دار أخبار اليوم، الطبعة الرابعة، نوفمبر 1995)، ص ص 27 – 35.

[9] سعيد أبو العينين. الشعراوى الذى لا نعرفه. مرجع سبق ذكره، ص 111.

[10] خليل على حيدر، “اعترافات الشيخ الشعراوى”. موقع جريدة الأيام البحرينية. 18 نوفمبر 2011.

(https://www.alayam.com/Article/courts-article/78032/).

[11] محمد المصرى. الشعراوى تحت قبة البرلمان. (القاهرة: دار الأحمدى للنشر، الطبعة الأولى، 1999)، ص ص 80 – 81.

[12] المرجع السابق، ص ص 119 – 120.

[13] المرجع السابق، ص ص 127 – 128.

[14] سعيد أبو العينين. الشعراوى الذى لا نعرفه. مرجع سبق ذكره، ص ص 117 – 119.

[15] المرجع السابق، ص ص 67 – 69.

[16] محمود الكردوسى. مرجع سبق ذكره.

[17] محمد المصرى. مرجع سبق ذكره، ص ص 39 – 40.

[18] المرجع السابق، ص 128؛ و – آمال سامى، “الشيخ الشعراوى.. مواقف هل كان فيها “إمام الدعاة” متطرفاً؟”. موقع مصراوى. 3 نوفمبر 2019. (https://www.masrawy.com/islameyat/makalat-other/details/2019/11/3/1664155).

[19] سعيد أبو العينين. الشعراوى الذى لا نعرفه. مرجع سبق ذكره، ص ص 70 – 71.

[20] محمد المصرى. مرجع سبق ذكره، ص ص 128 – 129.

[21] السيد الجميلى. فضيلة الإمام محمد متولى الشعراوى: الفتاوى (كل ما يهم المسلم فى حياته يومه وغده). (القاهرة: المكتبة التوفيقية، 1999)، ص ص 350 – 351.

[22] أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما الحديث بنصه كاملاً، برقم 893 و1829، على التوالى.

[23] أى قوله عزوجل: “وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

[24] المِرْطُ كساءٌ من خزٍّ أَو صوف أو كَتَّان يُؤتَزر به، ومُلفَّعات، من تلفَّع أى غطَّى نفسه، وجاءت مُتلفِّعَة أى مُتغطِّية مشمولة بالثوب. والحديث فى مجمله ذكره البخارى فى صحيحه، برقم 578.

[25] روى البخارى فى صحيحه (برقم 304) أن أبى سعيد الخدرى، قال: “خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى أضْحىً أو فِطْرٍ إلى المُصَلَّى، فمرَّ علَى النساء، فقال: “يا مَعْشَرَ النساء، تصدَّقن؛ فإنِّى أُريتكُنَّ أكثر أهل النار”. فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: “تُكثِرنَ اللعْنَ، وتكفُرْنَ العشير، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا”.

[26] محمد النجار، “الجفرى: قذف الأعراض أشد عند الله من سب الشعراوي”. موقع البوابة نيوز. 3 نوفمبر 2019.

(https://www.albawabhnews.com/3785388).

[27] أحمد بدراوى، “شيخ الأزهر عن الشعراوي في ذكرى وفاته: أبرز مجددي تفسير كتاب الله”. موقع الشروق. 17 يونيو 2019.

(https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=17062019&id=9a4468bd-3de5-4ab8-9303-ba5fa387a131).

شاهد أيضاً

د. زهيرة عابدين

د. فاطمة الزهراء محمد عبده

ولدت الأستاذة الدكتورة زهيرة عابدين في السابع عشر من يونيو عام 1917 م. كان والدها من الرعيل الأول الذين درسوا القانون في فرنسا، وأصبح عضوًا بمجلس الشيوخ، وكان زوجها د. محمد عبدالمنعم أبو الفضل أستاذ التحاليل الطبية وزميلها في الدراسة بكلية الطب.

د. إبراهيم أبو العيش

د. فاطمة الزهراء محمد عبده

د. إبراهيم أبوالعيش رجل صنع حلمًا وعاش فيه بعمق، ليلهمنا كيفية تقديم نماذج ناجحة لحياة إيجابية صحية وكريمة في عالمنا المعاصر، هو عالم مصري في الكيمياء التطبيقية، حصل على جائزة نوبل البديلة في التنمية البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.