الرئيسية / الدراسات والأبحاث / أبحاث ودراسات / بحوث محكمة / القراءة من خلال مسار الخلق : بدءا من السورة 96 من القرآن الكريم

القراءة من خلال مسار الخلق : بدءا من السورة 96 من القرآن الكريم

القراءة من خلال مسار الخلق*

بدءا من السورة 96 من القرآن الكريم**

 

 

 

 

“وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب… “

           القرآن الكريم [39 (69)]

 

“أما وإن كان هناك اليوم”مسألة أخرى تتعلق بالدين”،

 أو عطاء جديد أو ظهور غير مسبوق لهذا الشيء التليد، العالمي،

 بل المتأصل على ظهر الكوكب فهي مسألة التناول اللغوي للدين

 أو بالأحرى  الاصطلاحات التعبيرية المستخدمة أو حرفية النص

 الديني أو الكتابة وهذه هي العناصر التي تعد أساس كل رسالة سماوية

 أو كل معتقد وهي عناصر لا يمكن تجاوزها ولا التعبير عنها (…)

                                         دريداDerrida  ,Foi et Savoir

 

إن صوت الوحي هو الصوت الذي يسمع خلال مسيرة التوحيد، هو الصوت الذي يكسر حاجز الصمت في عالمنا البشري.  لقد تكلم الله سبحانه وتعالى مباشرة دون وساطة وحي مع واحد فقط من الرسل هو موسى عليه السلام[1]. فناداه وحمله الرسالة وألقى إليه الألواح منسوخ فيها كلام الله بتدوين فريد ومتميز؛ لكن موسى عليه السلام بعد أن خانه قومه وتمكن منه الغضب ألقى الألواح، وحينئذ حل الصمت. هذا الصمت سوف ينكسر مرتين أساسيتين: بهبة من الله “كلمة منه” هو عيسى عليه السلام  يؤيده روح القدس، جبريل عليه السلام : [3 (45) : “وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين”]، ثم بهبة القرآن يقرأه الملك جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا العرض المبسط هو قصة تردد صوت الوحي الإلهي وسط صمت عالمنا البشري؛ هذا الصوت الذي يعطي للحياة معناها ويقود الإنسان إلى جوهر آدميته. كما انه عرض لمسيرة التوحيد التي بدأها إبراهيم عليه السلام لتمر بثلاث مراحل كبرى هي اليهودية والمسيحية والإسلام. ومحور هذه المسيرة هي ولا شك الكلمة المنزلة من لدن الله عز وجل فتكررت وتردد صداها في الحيز المكاني والزماني للإنسان. ويستقبل الإنسان العبد[2] هذه الكلمة بطرق مختلفة ويتفاعل معها بصور عديدة: إما تعدد ديانات، أو صراع ديني، أو رفض كلي للدين وإنكار له وإما التصديق به واعتناقه. هذه هي جل قصة الإنسان في علاقته بما هو ديني في حياته، فمفهوم  الدين لم يفتأ يرتبط بالإنسان عقلياً وغريزياً. وأياً كان الشكل الذي يعيشه الإنسان مع مفهوم الدين متصارعاً معه أو متصالحا ومتوائما معه فإن هذا المفهوم سوف يظل ملمحا أساسيا في الحياة الآدمية.

إن جوهر الديانة الإسلامية هو الوجود الدائم للإعجاز المصاحب للإنسان في حياته اليومية، فهذا النص القرآني الذي بين يديه قد أنزل من لدن الله عز وجل على رسوله فكل ما فيه مملى من    ذات علوية صادر عنها هذا اللفظ  لينطق به بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدون بأيد بشر. فهو نص ذو وضع متفرد حتى وإن تناولناه من منظور بعيد عن الإيمان أو عن أي مذهب ديني.   لأن البرنامج اللفظي لهذا النص يقتضي قراءة معينة تفرض على القارئ أن يعلم أن العطاء الإلهي في أصله كان كالتالي: إن الله سبحانه وتعالى أعطى هذا النص بألفاظه وقراءته ومعناه ونسقه وبنائه بل وأدق علاماته. فهذا النص معجزة أصلية وفريدة، وهو نص خاتم في منظومة التوحيد، ولذلك فالنص عالم المسلم بل البشر أجمعين حتى وإن لم يؤمنوا به [18 (54) “ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً”]. ونحن ننطلق في قراءتنا من إيمان وعقيدة  ولكننا نحاول في كل خطوة أن نلتزم بحرفية النص وعلاماته بصورة موضوعية تماماً، وغايتنا الأساسية هي العرض وليس البرهنة على الإيمان؛ لأن مسألة الإيمان لها خصوصية شديدة فإما أن يكون القلب مستعداً لتقبلها أو لا …  هكذا، فقط وببساطة.

لقد بدأ تنزيل القرآن وإملاؤه على الرسول صلى الله عليه وسلم بنداء ألقاه الله إليه بواسطة الملك جبريل عليه السلام، أمين الوحي وصوته (وليس الذات الصادر عنها اللفظ)[3]. وأول كلمة من هذا النداء كانت “اقرأ، وهو النداء الذي أدرج فيما بعد في النص القرآني نفسه، كما أدرج في توقيت هام جداً في الدين الإسلامي. ويقول دريدا مؤكداً : “خلافاً لكل التجارب التي تدعي “العقيدة” أو “القدسية” أو “الكمال” أو “الألوهية” والتي يطلق عليها اسم أديان من باب المغالطة مع لفظ  الدين فإن تنزيل الرسالات السماوية الثلاث: التوراة والإنجيل والقرآن يرتبط ارتباط وثيق بتاريخية التنزيل نفسه.” [2000- ص.18،19]

          *1-أ. تحديد المكان

          إن السورة رقم 96 في القرآن الكريم هي بالتحديد أول ما أنزل من القرآن الكريم؛ هذه البداية أدرجت لاحقاً في النص نفسه. هذه السورة هي بداية الوحي ولكنها ليست بداية النص في تكوينه النهائي؛ فترتيب النص وبناؤه لهما وظيفة في تأدية المعنى الذي يتعدى الوحي والتنزيل والرسالة. فالنص في تنظيمه النهائي يخالف التسلسل الزمني والتاريخي للتنزيل. حيث إن زمن اللفظ والإملاء لم يكن هو   زمن ترتيب القرآن، فالنص قد أنزل وفقاً لنظام معين وظروف خاصة (في زمان ومكان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم)، وكذلك أنزل فيما بعد تنظيم القرآن وترتيب كل سورة وإحكام الآيات في كل منها.  ولذلك فإن ترتيب النص مختلف تماماً عن ترتيب صدوره عن الصوت المتلفظ به. وهكذا فإن تبادل ترتيب مع الآخر وإحكام حقيقة على حساب أخرى قد أعطت نصاً متفرداً  يكون بناء ومعنى وقصد.   وإن عملية عطاء نص كهذا هي في حد ذاتها معنى.

          إن الإملاء يعني الرجوع إلى نص آخر، والقراءة تفترض وجود نص يقرأه فاعل قارئ. والأمر بالقراءة هنا يعني وجود نص أصلي ووجود رؤية علوية تقرأ في هذا النص غير المرئي بالنسبة للنبي الأمي صلى الله عليه وسلم. وهذا الصوت الآمر بالقراءة وسيط ولكنه ذو قوة متين، وهي القوة  التي يسمتدها من دوره اللازم لنقل الوحي فوجوده إذن ضروري، ولذلك جاء استعمال الفعل في صيغة الأمر وهي الصيغة الوحيدة التي تقطع كل طريق على تبادل حوار أو مناقشة أو غير ذلك من مراجعة القول. ومنذ هذه اللحظة سوف يصدر الكلام في اتجاه واحد فقط، يضمن ترديده ونشره أو الرد عليه بأساليب مختلفة عن صورة الحوار بين أنا/أنت. اتجاه بلا رجعة، فلم يعد هناك مجال للحوار أو الاستفسار كما كان يحدث من قبل، في بدء تنزل الوحي على إبراهيم عليه السلام [2 (26) : “وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم.”] أو كما كان الحال مع موسى [(7 (143) : “أرني أنظر إليك” ثم “لن تراني ولكن …”] أو مع  عيسى عليه السلام [5 (116) : “وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم مل في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب”].

          فالأمر بالقراءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان عطاء منحة ليأخذها النبي دون أن يكون هناك مجال لردها؛ هو عطاء ليأخذه الرسول وينقله إلى غيره من البشر، خذ لتعطي، خذ لتعيد العطاء. كانت قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة متفردة، قراءة أصلية إذا جاز لنا التعبير؛ فهي قراءة تتجاوز النبي الأمي صلى الله عليه وسلم[4]. فلم يكن محمد صلى الله عليه وسلم يعلم القراءة والكتابة ليطلع على  الكتب السابقة، وهذه حقيقة تاريخية معروفة وحقيقة مسجلة في النص الذي أبلغه : [29 (48)  “وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون”]. ولعل هذا كان سبباً في تنزيل القرآن مشافهة على النبي؛ وعلى أية حال لم تكن الأمية إلا سبباً ثانوياً في عدم إمكانية  الإطلاع مباشرة على النص الأصلي، الذي يتعدى على جميع المستويات قدرات متلقيه ويتجاوز إمكانيتهم.

          إن القراءة في لفظ “اقرأ”، أول ما تنزل من القرآن الكريم، هي القراءة الدينية الخالصة؛ قراءة تعود مرجعيتها إلى ذات عليا صادر عنها القول، قراءة تحيل إلى الاندماج مع النص نفسه. هذا النص الذي منح واستقبل والذي يتعدى في كل مرة قارئه ويتخطاه حتى وإن تكررت قراءته مراراً. فالذات العليا التي أعطت هذا اللفظ لم تفقد السيطرة عليه بمجرد إعطائه ولكنها تصيغه دون أن تترك للقارئ حرية التصرف فيه، فهي تمنحه ليجد كل قارئ حريته كلما عاود القراءة، بل ليجدها كل مؤمن وكل مستمع. ومن مميزات هذا النص أيضاً انه يجب أن  يرتل، فالصوت الذي أملاه قد أوجد بفضل نطقه به انتشاراً أزلياً وأبدياً حيث إن هذا النص سوف يظل محفوظاً حتى آخر مؤمن، ومحفوظاً أيضاً بفعل قوة ذاتية في جوهر النص نفسه : [15(9) “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”]. هذا الحفظ يرتبط كذلك بالأصل المنزل عنه القرآن والموجود عند الله سبحانه وتعالى؛ نعني به “اللوح المحفوظ” : [85 (21،22)  “بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22)”]. وهكذا فإن الله المنزل لهذا اللفظ بهذا العطاء الإلهي وبهذا النص المحفوظ وهذه القراءة المرتلة، هو المتعال لازم الوجود فهو من يعطي بالغيب، … مقام ودور متفردان لا يجبان إلا لذاته سبحانه وتعالى.

*1. ب. اقرأ، بمعناها المزدوج

          الرسول-القارئ صلى الله عليه وسلم، موجهاً ومرغماً، من الصوت الآمر الذي تلقاه كان يجب عليه أن يقرأ مردداً مشافهة بعد صوت الوحي. كان يجب عليه ذلك لأنه أولا أمي، وثانيا لأنه القارئ الأول لنص غير مرئي يتصل بالغيب المطلق، ليقوم بدوره بعد ذلك في حفظ النص وتبليغه. هذا النص الأصلي كان ينساب إلى عالمنا البشري عن طريق الصوت والمشافهة، وسوف يدون كاملا في شيء محسوس معنويا وهو ذاكرة الإنسان، التي تحفظه على مر تاريخه وأيا كان مكانه [87 (6) “سنقرئك فلا تنسى”].

وانطلاقا من هذا العطاء سوف تبدأ مسئولية النبي صلى الله عليه وسلم قارئ هذا النص أولا ومن ورائه كل قارئ للنص. وسوف يتحول النص نفسه إلى مكان للحفظ  والتذكر والبقائه. وهذا (الغيب المطلق) يحدده دريدا Derrida  بفطنة، في قوله :

          “إن مطلق الغيب سيكون ما ليس له تكوين مرئي،كالصوت على سبيل المثال أو الحديث الذي يمكن أن يعنى به شيئا. [… ] إن الله يراني ويطلع على ما في سريرتي، ولكنني لا أراه ولا أدركه وهو يراني [… ]. وحيث إنني لا أراه وهو ينظر إلى فلا يسعني إلا أن أسمعه. وفي غالب الأحيان يجب أن يكون هناك من يجعلني أسمعه، فإنني أسمع نفسي أكرر ما يقوله لي عن طريق صوت أحد آخر، ثم شخص آخر عنه، كالرسول أو الملك أو النبي أو المسيح أو المبلغ أو حامل الأخبار [… ] إن الله ينظر إلي وأنا لا أراه، ومنذ هذه النظرة التي ترمقني تبدأ مسئوليتي” [1992 – ص. 85 إلى 87].     

ونقول كذلك أنه منذ  تنزيل هذا النص غير المرئي المملى  والذي أنزل لفظه وتردد وقعت المسئولية على عاتق كل فرد.

          “أقرأ” هي أول كلمة في هذه السورة وأول كلمة في تنزل الوحي بالقرآن الكريم. ثم تردد صداها بتكرار الأمر بالقراءة في آيتين، فجاء استعمال صيغة فعل الأمر متماثلاً صرفيا وصوتيا ولكن مختلفا في المردود : “اقرأ باسم ربك” و “أقرأ وربك الأكرم“.

          اقرأ باسم: هو دعاء واستحضار لمنزل هذا النص المقروء والمسئول عنه وهو كذلك تذكير به وتسمية له. اقرأ باسم الله ثم اكتب ورتل وأعد القراءة مرارا وتكرارا وكل ذلك باسم الله. بهذه الإحالة الدائمة لاسم الله والملازمة للنص، يستجيب الله سبحانه وتعالى عن طريق هذا النص وبه. إنها مسئولية مطلقة ومتفردة، فوجود الله في النص وبالنص يتجاوز الغيب، وهو ما يقيم الفرق بين هذا النص العظيم وغيره من النصوص الدنيوية التي يغيب عنها صاحبها مجرد أن يجف مداده على الورق، رغم أنه الوحيد المالك للنص والمتحكم فيه. وقد يؤكد جابيز Jabès في “كتاب الأسئلة” Livre des questions على حقيقة أن “الكتابة، هي الولع بالبحث عن الأصل” وهذا بالفعل بسبب غياب كل كاتب عن النص الذي كتبه؛ فبمجرد انتهاء الكاتب من عملية الكتابة ينفصل عن هذا النص ويغيب عنه ليعود فيبدأ من جديد في البحث عن ذاته وعن الأصل من خلال نص جديد. فرق بين أي نص يغيب عنه مؤلفه بمجرد إنجاز دوره ككاتب، وبين النص القرآني الذي يتكلم الله عز وجل من خلاله ويثبت وجوده بذكر أسمائه، وبالصوت المنبعث من الآيات وبمعانيها. إنه إثبات لوجود الله جل وعلا في كل مرة يقرأ فيها باسمه فيكون الانتماء إليه ويكون الإيمان به.

          لقد فقدت البشرية فرصة الاطلاع عيانا على ما تنزل من لدن الله سبحانه وتعالى كتابة، وذلك لاندثار “الألواح” التي ألقيت على سيدنا موسى عليه السلام. ولكن الله قد وهب خلقه من جديد هذه الفرصة ولكن سماعا، فهذا النص المرتل، القرآن الكريم، قد تنزل بالصوت  وبقي به. وترتبط صيغة الأمر “اقرأ” بالرؤية: اقرأ من كتاب. وقد أصبح النص القرآني فيما بعد مكتوبا، وحفظ بالكتابة، ولكنه في الوقت ذاته هو نص لا تكتمل له جميع أبعاده وأركانه إلا بالمشافهة، والصوت والترتيل. هذا اللفظ الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم يعني النظم الصوتي للألفاظ واحدا بعد الآخر وتنسيقها بتجانس وبحرص. 

ولنرد “اقرأ” إلى الصورة التي تنزلت بها أول مرة: الملك جبريل عليه السلام يتوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بصوته الآمر لينطق الرسول بما جاءه ويردده منذ هذا اللحظة بالصوت. اقرأ من بعدي كما سمعتني؛ هذا الصوت الآمر هو نبع تدفق كلمة الحق من خلال نص نهائي هو أصل في ذاته؛ نص أصلي وختامي.

          “اقرأ باسم ربك”: لقد اهتم المفسرون بصيغة التخصيص في لفظ “ربك”. فقد أكد الرازي على انتساب العبد لربه، ولكنه اهتم بالتأكيد على أن لفظ “رب” يعني: الإحاطة بالرعاية، والاعتناء من أجل الإنضاج والنمو [ص.14]. فالعلاقة هي علاقة هيمنة ولكن بلطف من الله عز وجل وحنان وعناية. وكذلك فإن “رب” هو اسم من أسماء الله الحسنى ولكنه ليس اسم ذات كما ينبه الرازي وإنما هو اسم  لفعل وتدخل إلهي، فلفظ الجلالة ا”لله” هو اسم مطلق للذات الإلهية، بينما كلمة “رب” هي اسم لفعل إيجابي من الله تجاه الإنسان، فعل من الإثراء والتنمية. والأمر هنا ليس للقراءة “باسم الله” كما هو منصوص عليه في بداية كل سورة، أو بداية كل قراءة في القرآن الكريم، إنما هو لعقد الصلة مع الاسم في مقام الربوبية وهي صلة انتماء وحب وعرفان. وهذا هو لب العقيدة: علاقة شخصية بين العبد وربه وانتساب وتقرب إليه واعتراف وعرفان . والانتساب إلى الله يؤكد على ضرورة الاسم وأثره الفاعل في حياة العبد، ومصاحبة الاسم للأثر. في كلمة “ربك” استمع الرسول صلى الله عليه وسلم –ومن بعده كل من يقرأ القرآن- إلى ضرورة الارتباط بين العبد وذات خالقه؛ وكثيرا ما نجد في القرآن الكريم هذا النداء الذي  يدل على القرب من الله والانتساب إليه في لفظ: “عبدي” و”عبادي”؛ هاتان الصيغتان من التخصيص الدالتان على الملكية من جهة  والانتساب من جهة أخرى تقيمان العلاقة اللانهائية بين الرب وعبده، في دائرة تبادلية فالعبد ينتسب إلى ربه والله عز وجل يدعو عبده إليه.

ولذلك كان لزاما أن تكون القراءة الأولى “باسم ربك” بل أكثر تحديدا باسم ربك الخالق. في هذه الآيات الاستهلالية يجيء التأكيد على مطلق الخلق، ليس خلقك أنت أيها العبد ولا السماوات والأرض، ولكن جاء اللفظ القرآني مطلقا: “الذي خلق”. عطاء رباني مطلق لا يخص شيء بعينه وإطلاقه يعود بالفعل على جميع الموجودات بجميع أوصافها وصورها. قبل التحديد في الآية التالية “خلق الإنسان”،

يذكر ربنا سبحانه وتعالى فعل الخلق كفعل أولي لنعمة الإنشاء والإيجاد المطلق؛ لأن الخلق هو وهب الوجود لكل مخلوق أيا كان ، هو إنشاء من عدم، وليس إيجاد من غياب فالغياب يعني سبق وجود آل إلى الزوال. أما الإيجاد والإنشاء فهو عطاء حياة بدون عناصر سابقة الوجود، هو عطاء هبة مطلقة بقدرته سبحانه وتعالى فقط ؛ والتصديق بذلك هو الإيمان الحق.

1.ج. اقرأ لتكون.

          ثم يأتي بعد ذلك خلق الإنسان في مرحلة مترتبة على مرحلة الخلق الأول. ويذكر النص القرآني أن خلق الإنسان كان من “علق“، عند قراءة هذه الآية قد  يلوح للحظة نوع من الغموض بالنظر إلى اللفظ المستعمل، حيث ورد هنا لفظ “علق” للمرة الوحيدة في القرآن الكريم. فهو لفظ مشابه للفظ “علقة” وإن لم كن هو؛ فهذا اللفظ الأخير كلمة مؤنثة تعني “التصاق” وهي أول مرحلة في نشأة الكائن وهي تكون الجنين. وقد ورد ذكر هذا اللفظ في الآيات التي تتناول مراحل خلق الإنسان من نطفة دقيقة جدا تلتصق بجدار الرحم لتمر بعد ذلك بمراحل النمو إلى أن تكون كائنا حيا. والتشابه الكبير بين اللفظين باختلاف حرف واحد يحدو بكثير من المفسرين إلى اعتبارهما كلمة واحدة. ولكن هناك إجماع على عدم التأكد من كونهما شكلين للفظ واحد وهو ما لا يعطي لكلمة “علق” تعريفا محددا. وفي تناول مختلف ثمة وجهة نظر لغوية تميل إلى التقريب (بالجناس التصحيفي)** بين هذا اللفظ، الذي هو منشأ الإنسان واللفظ العربي “عقل”. فهل يكون لفظ “علق” تكوينا صوتيا مختلفا للفظ “عقل”، أم أنه تشابها لفظيا للفظ “علقة”؟ أم أنه تركيب مشترك من اللفظين، وهو الأصل الغامض للإنسان؟ فيبقى خلق الإنسان معلقا  بين النطفة المتناهية في الصغر والعقل مصدر المعرفة البشرية الذي لا تحده حدود. وهذه هي حقيقة الوجود الإنساني وتفردها[5].

          ثم يأتي بعد ذلك لفظ “اقرأ” مصحوبا بكرم الله المطلق ومعطوفا عليه “اقرأ وربك الأكرم“، وبالتأكيد مطلق الكرم هنا يتجاوب مع مطلق الخلق، كما أنه تمهيد للتحول إلى “الذي علم بالقلم“. والتعبير عن التعليم في هذه الآية بفعل “علم” بصيغة مطلقة كذلك يعطي المعنى المحدد بمنح العلم والتلقين وإعطاء المعرفة بالمفهوم المطلق. فالفعل (علم) هنا فعل لازم بدون مفعول به، لا يحدد مجال علم بعينه أو معرفة محددة، ولكنه يحدد ويسمي وسيلة التعليم: وهي القلم أداة الكتابة والتدوين. ويرد هذا اللفظ نفسه في آية أخرى من القرآن  تتعلق مباشرة بالكتابة، والخط على الورق، حيث يقسم الله بهما : ” ن والقلم وما يسطرون” 52[القلم (آية 1)]. وذكر العلم بدون تحديد مجال مع تسمية أداة العلم يشكل جانبا خاصا وجوهريا من الكرم الإلهي.

          إذا كان الله عز وجل يستدعي الإيمان بذكر الخلق المطلق، فإنه في مقام الكرم المطلق يشير إلى أولوية العلم والمعرفة. فالإيمان والعلم متلازمان وكلاهما ضروري للإنسان وكيانه. لقد سبق الخلق المعرفة في السورة 96 (العلق)، في بيان العلاقة الأساسية بين الإنسان والمعرفة والعلم. أما في آية أخرى فالترتيب يختلف: “الرحمن(1) علم القرآن (3) خلق الإنسان(2) علمه البيان(4)” [78 الرحمن (1-4)]. في هذه الآية يسبق تعليم القرآن خلق الإنسان، لأنه كما يقول الزمخشري  في تفسير هذه السورة: النص هو مستودع الدين ودعامة الإيمان فهو يسبق الإنسان ويقوده لمعرفة الخلق جميعا. ومن هنا تنشأ علاقة منتجة بين الإيمان والمعرفة ، وبين الخلق والعلم، وبين اسم الله سبحانه وتعالى الذي يتعهد النص بالحفظ وبين القلم الذي يحفظ النص داخل عملية المعرفة بعد فناء الصوت.

          وهكذا فإن “الأكرم” أو مطلق الكرم هو الذي يربط بين الخلق وخاصة خلق الإنسان والمعرفة المطلقة وتعليمها بالقلم. وهذا النص القرآني الذي تنزل بواسطة الصوت وهذا الأمر الشفوي الذي وجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في خلوته ليردده في الملأ يربط هنا بين الصوت والكتابة في علاقة انتقالية بين الحالين وكذلك بين الشفهي والقلم الذي يقود بدوره إلى العلم ويرمز إليه ويدون تلك الذبذبات الصوتية المسموعة. لقد كان هناك في بداية تنزيل الوحي محوران متفاوتان ولكنهما مرتبطان ارتباطا وثيقا وجوهريان: المحور الأول الإيمان و المعرفة، والثاني هو محور المنطوق والمكتوب، وهما محوران انطلقا من النقطة نفسها منذ تنزل النص. ونتعجب من وجودنا أمام نفس التساؤل الذي يطرحه دريدا:

          “ربما يمكننا محاولة “تفهم” كيف يمكن للعقل الناقد هذا العقل التقني العلمي الذي يتطور بصورة مطردة ولا نهائية أن يحمل معنى وجود الدين ويسانده، بعيدا عن معارضته.” [2000- ص.46].

          ولذلك فإننا نوافقه إلى حد ما فيما كتب ولكن من زاوية أخرى، حيث يقول:

“يجب البرهنة على أن الدين والعقل ينبعان من المصدر نفسه، وهو أمر ليس بالهين [..] فالدين والعقل يتطوران معا انطلاقا من هذا المورد المشترك: وهو أن ضمان الشهادة في كل قول مناجز (performatif) يلزم أن يتم أمام الآخر وأن تفضح ما تنطوي عليه المناجزة للتقدم العلمي التقني. هذا المصدر الواحد ينقسم تلقائيا وأوتوماتيكيا ويتقابل مع نفسه في رد فعل: فيتحول المصدران إلى واحد فقط.” (id.)

إن تكرار لفظ اقرأ على مستويين هما الخلق والعلم هو ليس بتكرار بالفعل ولكنه تأكيد على أمرين مختلفين لتشييد البناء. بناء الدين لا شك وبالأخص تبليغ الرسالة على أساس من الكلمة التي تمثل قاعدة للبناء مؤسسة لكل شيء على الإطلاق ولا سيما الإنسان. ونرجع إلى قول دريدا Derrida : “ليس هناك محل للعقيدة ولا للمستقبل دون أن يكون هناك تكرار يفترض ما هو تقني وميكني وأوتوماتيكي. وفي هذا المنحى يمكن القول بأن التقدم التقني هو فرصة إثبات العقيدة.” [id. ص.72] بيد أنه في الوقت نفسه يمثل فرصة وخطرا، حسب قول الكاتب فيما بعد، اتفاقا مع قوانين التوازن بين الدين والتقنية ووضعهما ندا لند وليس وضع أحدهما على حساب الآخر.. وهذا شأن “مخاطرة الحرية ” الموهوبة للإنسان من  هذا العطاء ذو الوجهين: عطاء الإيمان والمعرفة. مخاطرة تتناولها السورة نفسها قي الآية السادسة حيث تجسد موقف الإنسان الذي أطغاه بعده عن ربه واعتداده بالمعرفة: فتمتعه بكل ما أوتي في الدنيا يوقعه في اختلال توازن فيظن نفسه الأقوى مطلقا لا يقدر عليه أحد ولا يحاسبه أحد.

فالآية السادسة من سورة العلق تبدأ باستدراك – بلفظ (كلا)- ويتكرر هذا اللفظ في الآيتين 15 و19. وهذا الاستدراك المتكرر ثلاث مرات يتماثل في الشكل الصرفي في مطلع كل آية، ولكنه يختلف كثيرا على مستوى المعنى. فكل لفظ منها يبدأ مرحلة جدلية جديدة في ديناميكية تلقي العطاء. فبعد الآيات الخمسة الأولى التي جاءت في صدر السورة (والتي كانت كذلك الأولى في التنزيل القرآني كذلك)  جاءت الآيات المكملة لهذه السورة وعددها 14 آية تنزلت في فترة لاحقة. وهاتان المرحلتان المتباعدتان من الناحية الزمنية يمثلا ن كيانا متكاملا تكون بالإضافة والضبط ليستقيم معناه. وتمثل هذه الآيات المتأخرة “زمنيا” في إضافتها لحظة تلقي الإنسان لعطاء ربه من الإيمان والمعرفة.، وتدرج هذا التلقي إلى ثلاث مراحل كل منها يبدأه لفظ “كلا” (الآيات 6،15،19).

العامل المشترك في هذه الاستدراكات الثلاث هي صدورها جميعا عن الله عز  وجل. والاستدراك الأول موجه ضد طغيان الإنسان، فهو رفض لموقف الإنسان الذي يسيء تلقي عطاء ربه بسوء استغلاله لما حباه الله به من قدرة ونعم، فيظن أنه اكتفي بنفسه عمن سواه ليمارس رؤية أحادية الزاوية فيدور في دائرة تبدأ بذاته وتنتهي بها، ناسيا أن الدائرة لا تنغلق عليه فقط وإنما تعود به إلى ربه (الآية 8)؛ فلفظ (كلا) جاء هنا لتحويل الإنسان عن هذا الموقف. ثم تسوق الآيات مثالا يجسد هذا  الموقف المتعدي الذي يتحول بالفعل إلى سلوك عدائي؛ وهذا المثال لا يذكر اسما محددا رغم أن التفاسير أجمعت على أن المقصود منه هو شخص بعينه وهو أبو جهل الذي عرف بعدائه المعلن تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنكاره للدين وتهديده للرسول صلى الله عليه وسلم بإيذائه في الصلاة. ولكن الآية لا تذكر اسمه ولا تذكر كذلك اسم الرسول صلى الله عليه وسلم: بل تشير إلى الأول “الذي” وعن النبي “عبدا إذا صلى”. وذلك لأن المقصود من الآية ليس رصد أحداث تاريخية وتسجيل أسماء لشخصيات مضت ، ولكنها تسجيل لمواقف الإنسان عبر التاريخ من وجهة نظر محددة: وهي تلك المتعلقة بأشكال تلقي الرسالة أو رفضها، تأييدها أو التعدي عليها. فالهدف إنما هو رصد ظاهرة وليس تاريخ  الشخصيات والقبائل. تدقيق في الرصد ليتعدى زمان ومكان تنزيل رسالة أو بعثة رسول، ليكون أعم وأشمل في المفاهيم والأحداث.

ومن ثم يبدأ الاستدراك الثاني “كلا“، وهو تهديد للردع عن مثل هذا الموقف؛ فإذا استمر هذا الشخص أيا كان وأينما كان في سلوكه المتعدي سوف يناله العقاب والعذاب لمجابهته الله عز وجل. وبالفعل اللفظ الجبهة “ناصية” هو المستعمل في الآية، فهي التي يصب عليها العذاب لأنه جابه الله (وليس الرسول صلى الله عليه، فهو بالفعل لا يعاند النبي بطغيانه وسوء استغلال قدرته). هذا السلوك الكاذب على الله والذي يقطع ما بينه وبين خالقه سلوك خاطئ فهو مبني على سوء فهم: لاعتقاده أنه   تلقى القدرة و العلم و ليقدر بهما على العالم فيتخيل الإنسان نفسه سيدا للعالم ناسيا مالك الملك، متجاهلا صلة الانتساب والملكية التي ترده إلى خالقه، إلى ربه. وسوف ينال عقابه لأنه نسي خالق الخلق المطلق،  المالك الوهاب سبحانه وتعالى.

أما “كلا” الثالثة فهي للإقبال على الله عز وجل من جديد، بالنهي عن السلوك السلبي؛ نهي يتبعه أمر ثلاثي الأبعاد : “كلا لا تطعه واسجد واقترب”. فالسجود والصلاة هو أقرب وضع من الله سبحانه وتعالى، فبعدما ذكر البعد والطغيان، هاهو الرجوع الصحيح إلى معية الله بالقرب منه وبين يديه سبحانه.
ونلمح إلى التجاوب بين فعل الأمر”اسجد” الذي يعود بنا إلى مطلع السورة في الأمر “اقرأ”، والسجود في مرجعه الإسلامي هو الهيئة الخالصة لصلاة المؤمن وهو “أقرب ما يكون العبد من ربه” قرب بالجسد الذي ينحني ويتكور متوافقا مع قرب الروح من ربها واتجاهها إليه جل وعلا؛ فالسجود في مظهره هو الخضوع التام والاعتراف والعرفان الكاملين في هيئة انعزال بالجسد والروح معا عن محيط الإنسان. ولما يعنيه السجود في الصلاة فقد أطلق على المكان الذي تقام فيه الصلوات اسم (مسجد) مشتقا من الفعل سجد؛ لذلك فإن الفعل “اسجد” المذكور في الآية العاشرة من السورة لا يرجع إلى وضع السجود في حد ذاته ولكن إلى إقامة الصلاة التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة؛ وخص وضع السجود لأنه  أعلى درجات القرب من الله عز وجل. فهو يمثل زمان ومكان العودة إيمانيا إلى الله. ويؤكد على هذا المعنى الكاتب جون-لوك نانسي  قائلا: “إن الشيء الذي يملكه الإنسان ويدين به لله، هو هذه الذات التي حولها إلى شخصه. ويجب عليه أن يردها إلىالله وليس إلى نفسه.” [ص. 517].

وجدنا في مسار هذه السورة محاور متوازية وأخرى متداخلة؛ فهناك ثلاث أبعاد للمطلق على مستويات مختلفة: الأول ما يتعلق بالله عز وجل: {الآيات (1،2) خلق، (3) الأكرم، (4) علم،  
(8) الرجعى، (14) يرى }، وثانيهما ما يتعلق بالإنسان في حقيقته الإيجابية مع الله سبحانه وتعالى:  {الآيات (1-3) اقرأ، (5) ما لم يعلم، (19) اسجد، (19) اقترب }، وثالث هذه المحاور هو ما يتعلق بالإنسان في موقف الطغيان والتعدي أي في حقيقته السلبية {الآيات (6) ليطغى، (7) استغنى،
(9) ينهى، (13) كذب، (13) تولى }[6]. وتتقاطع هذه المحاور المتناقضة في المعنى والمتساوية في الشكل البنائي، لتقابل مشيئة الله وقدرته مواقف البشر وإرادتهم، من حيث تلقي عطاء الله بجميع الصور المذكورة في السورة.

ومن خلال القراءة التي تنزل الأمر بها وأُمليت بالفعل فاستجيب للأمر حيث إننا نرددها حتى يومنا هذا ، تظهر صور متعددة للإنسان، تأييده للدين وإنكاره له، اعترافه وطغيانه. ولكن الحلقة تغلق عند نقطة بدايتها حيث تنتهي الآية الأخيرة بالاقتراب من الله عز وجل، فهي العودة إلى الله المصدر والأصل و ومن إليه الرجعى.

* 2. اقرأ عبر النص القرآني.

ولكن سورة العلق ليست السورة الوحيدة التي ذكر فيها الفعل (يقرأ)، فقد ورد الفعل في مواضع أخرى من النص القرآني. وعند تتبعنا لقراءة هذه المواضع ترتسم أمامنا علامات على مسار هذا النشاط الخلاق ونعني به القراءة وأهميتها في العبادات الإسلامية. وهو مسار له بناء خاص ومتفرد، ويتيح لنا تحديد موضوع القراءة (المفعول به) والقائم بها (أي الفاعل)؛ حيث إن الفعل لم يرد في صورته اللازمة المطلقة إلا في الموضع الذي تحدثنا عنه في سورة العلق في صيغة الأمر الافتتاحية للتنزيل الكريم.  أما في المواضع الأخرى فالفعل يرد  دائما في صورة الفعل المتعدي لمفعول به في أي شكل من أشكاله الصرفية (البناء للمعلوم أو البناء للمجهول، في المفرد أو الجمع، الخ). وسوف نتبع بالترتيب هذه المواضع التي ذكر فيها الفعل (يقرأ).

وبادئ ذي بدء نشير إلى أن القراءة لم ترد في النص القرآني إلا في صورتها الفعلية ، فلم يرد اسم المصدر (القراءة) أو اسم الفاعل (القارئ) أو اسم المفعول للنص (المقروء)؛ إلا إذا استثنينا لفظ “قرآن” وهو اسم مشتق من الفعل (قرأ)، ويعني به كتاب يقرأ فيه. إن تسمية الكتاب المنزل في الإسلام بهذا الاسم خاصة إنما يدل على عدة دلالات  ويشير إلى جوانب هامة من هذا الدين الذي يمارس عبر القراءة، والتدبر والتفكر والترديد والتكرار، والبحث والاكتشاف والتدقيق . . وهي بإيجاز كل المعاني المرتبطة بالقراءة بدءا من النطق بها مشافهة أي لحظة ميلادها وحتى كتابتها وتثبيتها وحفظها. إن القرآن الكريم يبدو لعين كل مسلم مؤمن الملاذ الذي يجد فيه نفسه بكل ما تشتمل عليه الكلمة من معان (فهو يجد نفسه، وضالته التي ينشدها، والعمل الواجب عليه القيام به، ويستعيد ما يمكن أن يكون الزمن قد أفقده إياه لوقت ما، ويعلم ما لم يكن يعلم من قبل، …).

  1. نبدأ باستخراج كل المواضع التي تكرر فيها الفعل (قرأ) من خلال النص القرآني: فالمرة الأولى التي ذكر فيها الفعل كانت في السورة السابعة من القرآن الكريم (الأعراف، آية 204):

وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون”.

في هذه الآية ذُكر في المقام الأول الموضوع الأساسي للقراءة وهو القرآن الكريم، ثم المتلقون وكذلك الهيئة التي يكونون عليها في موقف التلقي. فهذا النص وإن تميز بالتوافق بين آياته والانسجام الداخلي لجرسه ووقعه فهو ليس بموسيقى، وليس نظما خالصا من الأصوات المتناغمة، أو قولا مبهما يستمع إليه بتقديس دون استيعاب معانيه، أو حسن تلقي. ولكن الآية تركز على لفظ “استمعوا” و”أنصتوا”، فهما السبيل لنوال الرحمة والعفو المطلق. والاستماع هنا ذو دلالة وعلاقة وثيقة بحسن التلقي. والصيغة الصرفية المستعملة في الآية هي البناء للمجهول لأن القارئ هنا هو في الأساس متلقي وتكون الأولوية للفعل ذاته وصفته ألا وهما القراءة والإنصات. وأولوية أيضا لمن يرحم ويغفر وهو الله عز وجل، ويتضح التصريح بلفظ الجلالة في الآية التالية : “واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال هو المتلقي المطلق والأخير لكل قراءة.

  1. أما المرة الثانية التي ورد  فيها ذكر الفعل (يقرأ) فهي الآية 94 من السورة رقم 10″يونس”:

“فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين”.

القراءة هنا هي قراءة الذين أنزلت عليهم الكتب السماوية من قبل وهم اليهود والنصارى، ونلفت النظر إلى كثرة الإشارة في النص القرآني إلى الكتب السماوية السابقة عليه وهي التوراة والإنجيل وهي التي تضم بالفعل إشارات إلى بعثة الرسول صلى الله وسلم [سورة 7، آية 157 “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) وهكذا فإن القرآن يدون بداخله ما جاء في الرسالات السابقة ويحفظها حيث إن مصدرها كلها واحد.

          القراءة في هذه الآية قراءة في الكتب السماوية الأخرى للتيقن والقضاء على كل ريب، قراءة بمرجعية إلى كتاب آخر / هو نفسه؛ فالمسلم لا يتجزأ الإيمان في قلبه، الإيمان بكل الرسالات التي تدعو للتوحيد كما أنزلت في حقيقتها، ويؤكد على ما جاء فيها.

  1. أما الإشارة الثالثة للفعل يقرأ ففي السورة 16 (النحل)، الآية 98:

“فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم”. تعود القراءة هنا مرة أخرى للقرآن الكريم، وفيها توضيح لشروط وآداب القراءة وهي: كيف نقرأ؟ كيف نبدأ القراءة؟ وممن نستعيذ؟ هذه الأمور وردت في الإشارتين الأولى والثالثة من الآية الكريمة؛ القارئ هنا يشار إليه بالضمير المتصل للمخاطب (التاء)، ويعود على أي شخص يستعد لقراءة القرآن، ويتهيأ للقراءة على الوجه الأكمل ملقيا بتأثير الشيطان الذي يصد عن التقوى.وهذا التجرد من تأثيره والزجر له عن التدخل لا يمكن حدوثه إلا باستحضار اسم الله والاستعاذة به والدعاء إليه. 

  1. ثم يأتي الفعل (يقرأ) في السورة 17 (الإسراء)، الآية 14:

“اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا”. هذه الآية تشير إلى القراءة في صحيفة الأعمال الخاصة بكل شخص وهي ما يحاسب عليه كل فرد يوم القيامة. إنه كتاب يضم كل شيء عن الفرد والمسئولية شخصية للغاية في مشهد هذا اليوم العظيم: كل إنسان يقرأ كتابه وفيه فصول حياته وأفعاله … فهو بذلك قارئ وحسيب على نفسه.  إنه وقت تجلي الحقيقة وتحمل المسئولية. فلا مجال للكذب، وكل فرد  ينطق بالحق بما جاء في كتابه. والتخصيص في الكلمة (كتابك) هنا هو إثبات التوحد مع الكتاب المقروء فما جاء فيه هو انعكاس للشخص ذاته وأفعاله، ولكنها منشرة ومدونة. كتاب خاص وشخصي، (كتابك) هو محل تدوين خاص للغاية وكل فرد مرغم على قراءة كتابه. دمج في النهاية بين المقروء والمكتوب؛ فهذا اليوم هو يوم نشر الصحف، نشر كتاب كل فرد. زمن الفعل المستعمل في الآية هو صيغة الأمر الموجه للمخاطب أنت، وفيها تحديد لماهية الكتاب المقروء، وهذا الضمير المستتر الذي يعود على المخاطب  (أنت) يتكرر بإلحاح داخل الآية وكذلك ما يعود عليه من ضمائر متصلة وضمائر ملكية (4 مرات في 7 كلمات). فالفاعل الموجه له النداء في موقف المحاصر الذي يحاط بالهجوم، هذا التكرار يلائم بين الكتاب والقراءة والفاعل في هذا المشهد العظيم في يوم الجمع.

  1. وفي السورة نفسها الإسراء (17) يذكر الفعل (يقرأ) في الآية(45):

“وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا”

إن الإيمان باليوم الآخر، هذا المشهد العظيم الذي يجمع له الناس، هو جزء أصيل في عقيدة المؤمن. وكأن قراءة القرآن تقيم، بقدرة من الله عز وجل، فصلا وتمييزا بين المؤمن وغير المؤمن؛ والمخاطب هو دائما القارئ العبد المؤمن الذي ينفصل عن الآخرين (الذين لا يؤمنون) وهم من لا يقرءون معه وكأن
هذا الانفصال يتم بقدرة منبعثة من قراءة القرآن. والقدرة الإلهية التي تظهر في لفظ (جعلنا) هي قدرة تتعدى النص ومن يقرأه ولكنها في الوقت نفسه قدرة تنبعث من النص الذي يقيم حدا فاصلا بين مجموعتين ليميز بينهما. وهنا يكمن الثراء والغموض الذي يكتنفه لفظ “مستورا”بين المعنيين: يستر ويستتر. فالحجاب بمعناه الشائع هو ما يستعمل للإخفاء أو للحجب عن الأنظار أو للعزل، ولكن الحجاب المذكور في الآية يخفي ما وراءه ولكنه هو  نفسه غير ظاهر  للأنظار. هذه الازدواجية في المعنى أوقعت المفسرين في حيرة:  فيقول الزمخشري: “وقيل هو حجاب لا يرى فهو مستور ويجوز أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره” [الزمخشري، المجلد الثاني- ص. 45]. ساترا ومستورا، عازلا ومعزولا ، فعل واحد يقسم بين المؤمنين والكافرين هو قراءة القرآن. هذا الحاجز الذي ينشأ  وقت قراءة القرآن أو من أثر قراءته هو بالفعل منع للتلقي ، فلا يصبح قادرا على الاستقبال سوى الذين آمنوا، من يريدون الاستماع دون إنكار مسبق، وليس من يرفضون الانضمام فلا يقدرون على  السمع. فهو حال الشخص الذي يريد الانعزال فيحرم من التلقي.

  1. وفي سورة (الإسراء 17) أيضا نجد إشارة للقراءة في (الآية 71) :

“يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا”.
في اليوم الآخر سوف تقتصر القدرة على القراءة في فئة معينة من “القراء”، وسوف ينعقد التمييز بناء على اليد التي تستلم الكتاب فمن تسلم كتابه بيمناه فهو من اتبع الطريق القويم وسوف يكون قادرا على القراءة. شروط خاصة جدا في هذا المشهد الفريد والأخير للقراءة. فعلامة التميز وهي اليد اليمنى تقيم الفرق وتعطي للفرد القدرة على اعتلاء مقام مميز: فيرى ويقرأ. مقام اكتسبه من الحياة على الأرض وذلك ما توضحه الآية التالية: “ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا”.

  1. وفي الآية 93 من السورة نفسها، نقرأ:

“أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا”. القراءة هنا هي شرط للتحدي، فيطلب الكفار تنزيل كتاب
على سبيل المعجزة لإثبات حقيقة الألوهية. فهؤلاء الذين يرفضون التلقي منذ البداية ويصوغون الحجج الكاذبة يطلبون كتابا منزلا من السماء يعرضه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليثبت لهم علاقته بالقدرة الإلهية. هذا التحدي أطلقه قوم لا يرون حيث إنهم قرروا عدم الإبصار، فهم يخلطون بين الإيمان وبين الدليل المادي، يطلبون من بشر شيئا لا يحدث إلا بالقدرة الإلهية. وهذا الخلط هو بالتأكيد إدانة ثابتة عليهم.

  1. وآخر إشارة وردت للفعل (يقرأ) في هذه السورة هي ما جاءت في (الآية 106) وهي عن اكتمال القراءة وتمامها في قول الله سبحانه:

“وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا”. في هذه الآية الكريمة نجد دلالات هامة فقد تحدد  فيها طريقة تنزيل اللفظ (فرقناه)، والمتلقون (الناس) جميعهم، و الهدف (لتقرأه على مكث)، وكذلك فعل العطاء الإلهي ذاته. ولذلك فإن (العُمي) الذين سبقت الإشارة إليهم في آية أخرى هم هؤلاء الذين فضلوا عدم الرؤية بإرادتهم لأن هذا النص هو عطاء لكل الناس: المؤمن منهم وغير المؤمن. وهي إشارة تجمع كل الفئات المخاطبة بهذا النص، وتعرض الآية كذلك إتمام الحكم بالقراءة؛ فهو حكم مكتمل ومتمم باستيفاء توضيح كل عناصره وجميع أحكامه.  والذات العليا مصدر هذا العطاء يأتي ذكرها في أول الآية وآخرها: “فرقناه” و”نزلناه”.

  1. الآية 199 من سورة 26 (الشعراء) يرد فيها ذكر الفعل (يقرأ):

“فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين” الضمائر المذكورة في هذه الآية تعود على كلمات وردت في الآية السابقة، فالضمير المستتر (هو) في الفعل “فقرأه” يعود على نبي مفترض من “الأعجمين”، والضمير الهاء في (فقرأه) و (به) يعود على القرآن الكريم، كما أشارت الآية إلى الكفار بالضمير المستتر (هم)  في الفعل “كانوا”[7]. وهذه الكلمات المستبدلة بالضمائر تجعل من السياق القرآني ضرورة في فهمه. وفي الآية ذكر اختلاف (لهجة مفهومة) على أنه عائق عن القراءة وليس اختلاف شعب عن غيره أو لغة عن أخرى؛ ففي الآيات السابقة جاء أن علماء بني إسرائيل (وهم من عرق ولغة مختلفين) كان لديهم البرهان على صدق بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم – وكانوا يعتقدون في ذلك.  فانعدام اللغة العربية ليس بالضرورة انعدام لأسباب الإيمان، وهذا ما توضحه الآية  في قوله عز وجل: “ما كانوا به مؤمنين” وليس أنهم غير قادرين على فهمه.

  1. وفي السورة 69 (الحاقة) نجد في الآية 19 هذه الإشارة إلى القراءة:

“فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرءوا كتابيه”. وهذه القراءة تكون لصحيفة الأعمال، التي يتسلمها المؤمن بيمينه يوم  القيامة. إنه يوم الحق فـ (الحاقة) اسم من أسماء يوم القيامة حيث تظهر الحقيقة كاملة، مدونة، تواجه الخاسر والفائز كل بعمله. والفائز هو من تتهلل أساريره ويشعر بالارتياح لقدرته على قراءة ما ورد في كتابه من أعمال يعلم أنها إيجابية.

  11 – 12. موضعان ذكر فيهما الفعل (يقرأ) في الآية الطويلة 20 من سورة (المزمل) 73:

“إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم”.

تُعتبر القراءة هنا بمثابة فرض ديني مواز لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهي القراءة التي يختلي فيها كل فرد بنفسه مناجيا ربه في جوف الليل، بعيدا عن أعين الناس، عبادة إيمانية خاصة جدا في حياة الإنسان. وصيغة الفعل المستعمل هي الأمر للجمع مقترنا بالفاء “فاقرءوا”: بعد ذكر كل العوائق أو المصاعب التي قد تعترض القراءة جاء بالتيسير والتخفيف في القراءة لمراعاة جميع الظروف المحتملة كما ذكرتها الآية، والصلاة ما هي إلا قراءة لما يتيسر من آيات القرآن الكريم.

  1. وفي الآية 18 من سورة (القيامة) 75، يقول الله عز وجل عن قراءة القرآن:

“فإذا قرأناه فاتبع قرآنه”  وردت القراءة في الآية بلفظ “قرآن” وليس المصدر الشائع قراءة؛ وذلك لأن القرآن هو كتاب منزل لتكون فيه القراءة، وهذه الآية ترتبط بموقف إلقاء القول وتنزل الوحي ممليا للقرآن. والآية السابقة فبها أمر للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعدم التعجل في القراءة لحفظه مخافة نسيانه : “لا تحرك به لسانك لتعجل به”؛ هذا التمهل الذي توصي به الآية يؤكد أن النص سوف يكون محفوظا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لن يفقده ولن يفوته منه شيء؛ فلا ينبغي عليه إلا أن يكون لديه الثقة والإيمان وأن يردد بعد أن ينتهي من الاستماع إلى الوحي. والتعبير عن القراءة هنا بلفظ قرآن
ليست عملية لغوية بحتة فاستعمال الكلمتين صحيح، ولكن لتوضيح أن النص القرآني الأخير قد وصل إلى ما هو عليه بعد تنزل القراءة باللفظ من الله عز وجل وتلقي القراءة المنزلة من الرسول عليه الصلاة والسلام بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام فتكون القراءة في صورتها النهائية المطلقة.

  1. ورد استعمال الفعل (يقرأ) في صيغة البناء للمجهول في الآية 21 من السورة 84 (الانشقاق):

“وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون”.فهؤلاء الكفار ينكرون التقرب إلى الله بالسجود ولا يعترفون به. والآية السابقة تقول : “فما لهم لا يؤمنون” فالإيمان والقراءة في ارتباط دائم؛ وكلاهما يؤدي إلى السجود لله عز وجل.

  1. 15. وفي الآية 6 من سورة (الأعلى) 87 يخاطب الله عز وجل نبيه كذلك قائلا:

“سنقرئك فلا تنسى”. تبلغ مسئولية القراءة هنا ذروتها فاستعمال السين للمستقبل “سنقرئك” والنون ضمير الفاعل والكاف مفعول به تقتضي إرادة قوية لا تتحول. والفعل “فلا تنسى” في استعمال مطلق بصيغته اللازمة بدون مفعول به هو في الوقت ذاته أمر بالنهي عن النسيان ولكنه إقرار كذلك بحفظ الله لما يبلغه لنبيه صلى الله عليه وسلم، فهذه القراءة بعد تمامها مآلها الحفظ والذاكرة. هذه السورة الكريمة التي جاءت في الجزء الأخير من القرآن الكريم تبدأ بتمجيد اسم الله : “سبح اسم ربك الأعلى”.  عودة لما ورد في مطلع التنزيل القرآني في سورة العلق باستعمال المطلق من أفعل التفضيل “الأعلى ” وهو اسم من أسماء الله الحسنى مرتبط ارتباطا وثيقا بالمخاطب صلى الله عليه وسلم في هذا التخصيص في كلمة “ربك”. وهذا التوافق والتشابه بين الآيات الاستفتاحية في هذه السورة والآيات الاستفتاحية في سورة العلق تقيم نوعا من الارتباط الديناميكي بين القراءة والحفظ في الذاكرة. فالآية 6 تفرض عملية إملاء القراءة وتربط بينها وبين عدم النسيان بصورة قطعية. ولكن الآية التالية تسوق استثناء (وهو ما يعني احتمال وقوع النسيان ولكن في إطار معين) ففي لفظ الآية: “إلا ما شاء الله، إنه يعلم الجهر وما يخفى“، وهكذا فإن النسيان في مطلقه غير وارد بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أراد الله أن ينسخه من آيات وفقا لحكمه جل وعلا. ثم تأتي الآيات اللاحقة لمناسبة معنى التذكير: “فذكر إن نفعت الذكرى (10) سيذكر من يخشى (11) ويتجنبها الأشقى (12)” وفي نهاية السورة : “إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19)”.  فالقراءة إذن هي حكم من الله عز وجل واضح في نسقه ويرتبط ارتباطا وثيقا وضروريا بديناميكية الذاكرة. فكان يتم إملاء القرآن وفقا لنظام محدد مراعيا التذكر والنسيان. فكل منهما ضروري للآخر وشرط لوجوده ولا يمكن تخيله بدون الآخر. فالقراءة تقود إلى هذا التلازم بين الذاكرة والنسيان، ليحث على التذكير (فكل شيء محفوظ في الذاكرة) مدون بالفعل في الكتب الأولى. إنها كتابة واحدة من حيث المصدر أعيد بعثها وإحيائها عن طريق القراءة، وتنفيذ أحكامها وديناميكية تقوية الذاكرة بالترديد. 

16 – 17. وننتهي هنا إلى التكرار الثنائي للفعل “اقرأ” الذي ورد في مطلع  تنزل الوحي بالنص القرآني وهي آخر مواضع لفظ اقرأ داخل ترتيب المصحف: سورة (العلق) 96 الآية (1) و(3). وهذا التكرار لفعل الأمر “اقرأ” في صيغة مطلقة غير مقيد بزمن، يبدأ من جديد الأمر بتفعيل القراءة فيلخصه ويتمه وينجزه. وكما أوضحنا في البداية فإن الفعل “اقرأ” يربط بين الإيمان (باسم الله) والعلم؛ فالله سبحانه وتعالى هو “الذي علم” وهو من يدعو إلى القلم والكتابة. فكأن القراءة هي خطوة أولى لتدوين نص مكتوب منذ الأزل – نص هو (أم الكتاب)- لحفظه في الدار الدنيا وعرضه للقارئين في كل مكان وزمان.

وبعد أن عرضنا لكل مواضع ذكر الفعل (يقرأ) يمكننا تبين مسارا يتبع اتجاها معينا داخل   النص وبناء يشكل المعنى الدلالي لهذه المواضع، وهما يعينان معا على فهم النص في مجمله. فإذا بدأنا باستبعاد آخر موضعين ذكرا في سورة العلق لما لهما من صيغة خاصة تتميز بالإطلاق، يتبقى لدينا 15 موضعا ذكر فيها الفعل “يقرأ” متفاعلا مع سياق الآيات ومركز هذه المجموعة هو الموضع الثامن (سورة 17، آية 106). فتبدأ المواضع الستة الأولى بفعل استعمل في صيغة البناء للمجهول ثم تلاه بعد ذلك، صور متعدية لمفعول به كان بالتبادل تارة القرآن الكريم وتارة أخرى صحيفة الأعمال. ففي المواضع (1، 3، 5) كان المفعول به هو القرآن الكريم، وفي المواضع (4، 6) المفعول  به هو صحيفة الأعمال. أما الموضع الثاني فهو ذكر للكتب السماوية السابقة للاستشهاد بما جاء فيها على صدق القرآن والتأكيد على أن المصدر واحد لجميع الكتب السماوية. وكذلك ينفرد الموضع السابع بأنه كتاب طلب الكفار تنزيله من السماء (ولم يكونوا يقصدون به القرآن الكريم بالتأكيد حيث إنهم لا يؤمنون به). أما الموضع التاسع فهي الآية المكونة من ضمائر تعود على الآية السابقة عليها (السورة 26، آية 199) حيث يعود الضمير الهاء على كتاب لم يصرح لفظا بأنه القرآن ولكنه متابع لسياق الآيات السابقة :
“وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193)على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196)”. فالضمير إذن كناية عن اسم لم يصرح به. والمواضع (7، 8، 9) تبدو وكأنها تشكل مركز هذا الحكم ويتوسطها الموضع الثامن الذي يسلط الضوء على أحكام القراءة وطريقة التنزيل لكتاب يخاطب كل الناس. والمواضع 7 و9 تشكل امتدادا لما هو إلهي، فالموضع السابع يمثل تحديا بطلب الكفار تنزيل كتاب مختلق، وحي مخالف للقرآن الكريم، نص علوي ورسالة “منزلة” من مكان مرتفع إلى مستوى أدنى منه : إلى الأرض، والبشر وقلب الرسول. طبقات متراكبة ولكنها تتبع ترتيبا “مختلفا” تسوقه الأهواء والتحدي بالباطل.

وأما المجموعة الثالثة من المواضع فهي التي تبدأ من الموضع العاشر وتنتهي بالموضع الخامس عشر. هذا الموضع الأخير “سنقرئك” هو فرض كما أنه تقرير حقيقة وأمر واقع بمجرد النطق به. وكذلك فقد رأينا أن الفعل (يقرأ) يرتبط بتجديد ملكة الذاكرة وتنميتها. فالقراءة بهدف الحفظ هي بمثابة إتمام مسار القراءة في مدارها، وهي إنتاج ديناميكي وعودة إلى الحفظ الأصلي من لدن الله. والقراءة في هذه المجموعة الثالثة تعود على القرآن إلا في الموضع العاشر الذي يشير إلى صحيفة الأعمال، الذي يتحول إلى كتاب ينقذ صاحبه، لما يحتوي عليه من عمل إيجابي،  فيقرأه على الآخرين، وهم شهود  اليوم الآخر.

          وهكذا يمكننا قراءة بناء خاص لهذه المواضع السبعة عشر حيث جاء في نسق 4 أقسام منتظمة [6مواضع، ثم 3، ثم 6 ثم 2] متبعين ترتيبا معينا حيث تتوافق سمات مشتركة في كل مجموعة منها. هذا التصور لبناء معين قد يكون ممكنا كغيره من التصورات، ولكن على أية حال فإننا نقرأ من خلاله نسقا للكتاب بمعنى تنظيم وبناء داخلي للكتاب وضعه الله عز وجل الذي أنزله، وهو كذلك أمر متواتر بفرض القراءة وفقا لعلامات ومعان حددها الله عز وجل. وهكذا فإن (اقرأ) تلقي بالضوء على النص المقروء بجميع صوره وصفاته، كما تقيم العلاقة بين الكتابة والقلم.

*3. اقرأ الكتاب / اكتب الكتاب

         إن الفعل ( اقرأ) الذي بدأ  به تنزل الوحي والذي أدرج فيما بعد في محكم التنزيل القرآني، يعتبر تلفظ ذو دلالة مزدوجة وهو ما يضفي عليه حركة خاصة للغاية. فهو أولا يعد خرقا للصمت ، وباعثا للكلمة، ومنشئا لنص. ومن تفاعل هذه الحركة ذاتها يأتي وضعه داخل النص في الجزء الأخير منه وفي آخر موضع ذكر فيه الفعل (يقرأ)؛ لذلك فإن استفتاح السورة 96 (العلق) يشكل الحلقة التي ينطلق منها مسار الفعل (يقرأ) وينتهي إليها، والنقطة التي تنظم تكرار الفعل وتصيغ تطوره ونموه. وهو ما ينتج عنه ديناميكية تستوجب كل من الذاكرة والكتاب كعاملين فاعلين في البناء ومتأثرين به.

  1. أ. ماذا عن اللغة؟

          إذا تأملنا كل المواضع التي ذكر فيها الفعل (يقرأ) نجد أن القراءة إما أن تكو ن للقرآن أو في كتاب الأعمال، إلا في حالة واحدة فقط وهي التي ذكر فيها الفعل الأمر (اقرأ) في صيغته اللازمة المطلقة في سورة العلق (96).  ولكن يحب ألا يغيب عن خاطرنا أن الفعل (يقرأ) ذو علاقة أصيلة باللغة (يقرأ  بأي لغة؟) ويتعلق من ناحية أخرى بالمعرفة. وقد عرضت سورة 96 جانبا هاما من ذلك حيث أرست العلاقة بين يتعلم ماذا ويتعلم ليكتب ويتعلم عن طريق الكتابة. ويقول بانفينيست   Benveniste عن اللغة: “إن اللغة متأصلة في الطبيعة البشرية؛ فالإنسان لم يصنعها. ولكننا دائما مقيدون بفكرة ساذجة عن نشأتها حيث نتصور أن الإنسان مكتمل الخلق، في فترة بدائية، اكتشف له مثيلا إنسانا آخر مكتملا وبدأت
تتكون بينهما اللغة شيئا فشيئا، وهذا محض وهم. فنحن لم نشهد أبدا الإنسان منفصلا عن اللغة ولم نجد دليلا على انه ابتدعها. ولم نشهد كذلك الإنسان منفردا بذاته محاولا تفهم وجود الآخر. ولكننا نجد في العالم إنسانا ناطقا، متكلما إلى إنسان آخر، بل إن اللغة هي التي تحدد تعريف الإنسان” (ص. 259).

          فاللغة إذن ضرورية للإنسان وملازمة له. وقد ترتب على العطاء الإلهي في خلق الإنسان وإيجاده عطاء آخر هو هبة الإنسان  اللغة والمعرفة. ولكن ماذا عن اللغة؟ بأي لغة بدأ تعليم الإنسان المعارف والاتصال؟ وحيث إننا نتحدث عن نص ورسالة ووحي وكتابة وعلم فلابد لنا على الأقل من التفكير بنظرة شاملة في إشكالية وجود لغة أصلية. ولا ندعي أننا وصلنا إلى حل هذه الإشكالية ولكن يجب علينا أن نتساءل: ترى ما هي اللغة التي كانت الأصل الذي نشأت عنه كل اللغات والمعارف، ولماذا كل هذا التنوع الذي يطلق عليه الآن “ظاهرة بابل”؟ هناك فرضية تعتبر معقولة ومقبولة تمثل حقيقة ضرورة وجود لغة ما أصلية. وهي الفرضية التي طرحها ابن حزم وتناولها بالتعليق امبرتو إيكو Umberto Eco[8] فيقول:

          “لا يمكن أن تكون اللغات قد نشأت بالاتفاق، ذلك لأنه كان لابد من وجود لغة واحدة سابقة عليها لكي يستطيع  الناس وضع قواعد لهذه اللغات؛ ولكن إذا كان هناك بالفعل وجود لهذه اللغة الواحدة فلم تجشم البشر عناء اختراع لغات أخرى؟ هذه عملية مرهقة وغير مبررة. لم يتبق إذن لابن حزم إلا تفسير واحد، وهو أن هذه اللغة الأصلية كانت تتضمن كل اللغات.

          والانقسام المتوالي (الذي يشير إليه القرآن باعتباره أمر طبيعي وليس نقمة (…) ) لم يكن السبب فيه هو اختراع لغات جديدة، إنما كان السبب وراءه هو تفرع هذه اللغة الموجودة في الأصل، والتي كانت تحتوي كل اللغات الأخرى. (…)

          ولنحاول أن نقبل هذه الفرضية التي تأتينا من بعيد. فاللغة الأم لم تكن إذن لغة واحدة وإنما كانت مجموع اللغات كلها.” [ص. 396-397)

وهكذا يكون كل من بانفينيست Benveniste وابن حزم وإيكو Eco قد اتفقوا على ضرورة وجود لغة ما لبني البشر. ويجب أن نتفهم التعدد اللغوي الموجود حاليا على انه تنوع داخل إطار واحد بما يتيح للإنسان العيش وسط ديناميكية من التبادل والاختلاف ( “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.” [49 (الحجرات) (13)]

وبناء على ذلك فإن الإنسان كان يملك منذ نشأته الأولى البيان كما كان يملك المعرفة. فقد أعطى الله للإنسان منذ خلقه لآدم عليه السلام الكلمات والعلوم، ورفعه بهذا إلى درجة أعلى ممن سواه من المخلوقات، حتى الملائكة، جاعلا منه “خليفة” له في الأرض. هذه الرفعة في المكانة وهذه الهبة التي أودعها الله أصل الإنسان هما الأمانة والمسئولية التي حملها، وهو لم ينالهما إلا لعلم الله المسبق بهذا المخلوق الآدمي وبثقته في عباده (“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك  الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا عِلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33)” [2 (البقرة)]. ونتيجة لهذه المكانة التي أولاها الله عز وجل للإنسان فقد أسجد له ملائكته، فاستجابوا وسجدوا إلا إبليس. يتلازم في هذا المشهد فيه من جانب اعتراف الملائكة بفضل الإنسان والمسئولية  التي تحملها هذا الإنسان، كنتيجة لهبة العلم التي تجعل من المخلوق أعلى مكانة ممن سواه. ومنذ هذا المشهد أعطي الإنسان اللغة والقدرة على التواصل والقراءة والكتابة والتعرف على الأشياء والتلفظ.

  1. ب. أي كتاب؟ واية كتابة؟

يرد ذكر القراءة في النص القرآني مقرونا إما بالقرآن الكريم، أو بالكتب السماوية السابقة أو بكتاب الأعمال. أما الكتابة فهي تتعدى الكتاب وتفوقه، لأن الكتابة تذكر في النص القرآني باعتبارها نشاط تدويني على مستويين: فالمعنى الأول هو المعنى المادي والمشهور للكتابة وهو الكتابة بأداة على مساحة استقبال ما يكتب من أجل حفظه. فهو إذن التدوين على شيء، باستعمال أداة، بهدف الحفظ الذي يتجاوز الزمان والمكان. هذه الكتابة تتفرع في معناها وتتفرق على نطاق واسع. فذكرت بمعناها الحرفي في  الآية التي تؤكد على أهمية كتابة كل دين مهما كان صغيرا لإقامة العدل بين الناس. ففي أطول آية في القرآن الكريم (رقم (282) من سور 2 (البقرة))[9] يرد ذكر كل جوانب هذه الكتابة الأساسية (إذ أنها تقي من وقوع الظلم)، من حيث تعليم الإجراءات التي يجب أن يتبعها الكاتب لتدوين بنود العقد   وهي الدين وحقوق الدائن والمدين. جميع الأركان مذكورة: الدين والاستدانة، والكتابة والكاتب، والإملاء والمدين والدائن، والشهود والشهادة، والتذكير والذاكرة، والعفو في حال ما إذا تنازل الدائن عن دينه. وفوق كل ذلك ذكر الله وهو الشهيد والحسيب على كل شيء وذكر العدالة في إطار تحمل المسئولية.

الكتابة في هذا الموضع يراد بها معناها البسيط وهو التدوين من أجل التزام بعقد وحفظ للحقوق، وهو معنى متفرد من حيث الشكل (أطول آية في القرآن)، ومن حيث الدلالة (المعنى المادي للكتابة)، وكذلك من حيث تميزها بوجود الفاعل “الكاتب”؛ الذي لم يرد ذكره في أي آية أخرى من النص القرآني. وكذلك استعمال الفعل (كتب) مع ضمير الغائب المفرد “فليكتب” هي المرة الوحيدة التي ذكر فيها داخل النص باعتباره نشاط يقوم به الكاتب الذي يكتب وفقا لتعاليم الله والعدالة التي أرساها، بحضور كل من الدائن والمدين الذين يملون عليه الدين وبحضور الشهود. هذا الشكل <البسيط> للكتابة الذي جاء ذكره في نهاية أكبر سور القرآن الكريم (السورة الثانية في القرآن بعد  الفاتحة)، يبدو أنه يمثل حالة خاصة  جدا للكتابة  بسبب تفردها وبساطتها. ولكننا نجد في أركان “هذه الحال الخاصة” كل قواعد الكتابة بمعناها الأوسع والأشمل كما يعرضه النص القرآني وهو ما نستعرضه فيما يلي.

تتشعب الكتابة في النص القرآني من خلال محورين: أولهما هو محور الكتابة المادية كما أشرنا من قبل : كتابة على:  مثال ذلك ما جاء في سورة 7 (الأعراف) الآية (145) : “وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء …)، وما جاء في سورة 21 (الأنبياء) (105): “ولقد كتبنا  في الزبور …)، وما ورد في سورة 7 (الأعراف) (157): “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل …). أما يكتب بـ : وهو على سبيل المثال ما ورد مرتان في الآية(79) من سورة 2 (البقرة) : “فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم والآية (1) من 68 (القلم) :“ن والقلم وما يسطرون“. أما يكتب شهادة بهدف حفظها في الآخرة، فهي نوع وسط من الكتابة تعد نتاج الفعل البشري الذي يتم تسجيله بالقدرة الإلهية [على سبيل المثال ما ورد في سورة 3 (آل عمران) الآية (181) : “لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء”، وفي سورة 36 (يس) (12): “إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين“، وفي سورة 3 (آل عمران) (53): “ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين“، وفي سورة 43 (الزخرف) “وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم سنكتب شهادتهم ويسئلون”. والكتابة في إطار هذا المعنى ذكرت في صيغة البناء لمجهول: يكتب بواسطة شخص ما [كما في 25 (الفرقان) (5): “وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. ويراد بالكتابة في هذا المعنى التدوين والتسجيل للحفظ وهي بالتالي نوع ما من الالتزام والعقد (من اجل حساب ختامي في اليوم الآخر؟). وهذه الكتابة قد تكون نقلا عن، فكأنها تحيل إلى مرجع أو أصل يغذيها ويكون سببا في وجودها [كما ورد في سورة 52 (الطور) (41): “أم عندهم الغيب فهم يكتبون”] في سياق ما ذكر عن تكذيب الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام الذي يوجهه الله لهم بغرض الاستنكار والتحدي، وهو ما تكرر باللفظ نفسه في سورة 68 (القلم) (47).

وهناك معنى مختلف للفظ (كتب) يمثل محورا آخر للكتابة، يقصد به ما قدره الله بقدرته. وهي قدرة مطلقة للإلزام، فرض وعلامة على المسئولية. وقد تم التعبير عنها بـ “كتب على/ في/ لـ”، وهذه  الكتابة خاتم لا يمحى يضعه الله على إنسان ما فيلزمه بذلك بمسئوليته. ونجده في النص بأشكال مختلفة، لعل أهمها هو الصيغة المطلقة التي يلزم الله عز وجل فيه ذاته العليا بقدرته المطلقة بهذا الفرض:
كتب على نفسه الرحمة” ، “كتب ربكم على نفسه الرحمة” [سورة 6 (الأنعام) (12 و54)]. لقد  ألزم رب العزة نفسه بالرحمة، تعهد بأن يكون الرحيم الرحمن العفو المطلق، إذ أنه جل شأنه الرءوف الغفور “أهل المغفرة”. كتابة عظمى ومطلقة من الله عز وجل، يبدأ منها المحور الثاني للكتابة في إطار هذا المعنى: إعطاء البشر أشكالا معينة لحياتهم، أو إلزامهم بأشياء، أو تحميلهم مسئولية ما يجب عليهم القيام بها. ومن ذلك ما كتبه الله لبعض عباده من أرض ما أو بلد ما، كما قال موسى عليه السلام لقومه: “يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم” [5 (المائدة) (21)]؛ وهي دعوة قوبلت بالرفض، كتابة لم تلبى وهو ما يستوجب دفع الثمن.

كما كتب الله على المؤمنين بعض الفروض من الأوامر والنواهي لتكتمل ممارستهم للعبادات، ففي سورة 5 (المائدة) (32 ) : “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” وفي سورة 5 (45): “وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون“.  وكذلك ما فرض على المؤمنين من عبادات: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون” [2 (البقرة) (183)]. “كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم  وأنتم لا تعلمون” [2 (216)].

يقصد بالكتابة هنا الإلزام الذي يفرض على الإنسان والمسئولية التي يتحملها (كتب على / لـ). إنها مسئولية معنوية تقبل أو ترفض حسب إرادة الإنسان وهو ما يرتبط بأصل العقيدة ويرجع في بعض الأحيان إلى طبيعة الكائن نفسه : [22 (الحج): “ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد(3) كُتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4)”. هذه الكتابة عطاء يمنح، عطاء يضع شروطا على متلقيه ويلزمه، وهي بمثابة عقد ضمني يجب أن يفي به المدين.

          ويبدو أن النوعين الذين عرضناهما من الكتب المذكورة في القرآن يعتبران نتائج منطقية لشكلي الكتابة التي عرضنا لها. فالنوع الأول من الكتب هو كتاب علوي منزل من لدن الله سبحانه وتعالى والثاني هو كتاب الأعمال الذي يسجل ما جاء به صاحبه. ولكن ثمة مرجعية نهائية واحدة ينبع منها هذان النوعان من الكتب ومن الكتابة وهي “أم الكتاب” : [13 (الرعد)(39): “يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب”]، فهو كتاب علوي في لوح محفوظ [85 (البروج) : “بل هو قرآن مجيد(21) في لوح محفوظ (22)]. إنه النص في كامل نقائه كما يتضح من الآيات (77) و(78) من سورة 56 (الواقعة): “إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78)“. وقد يثير لفظ “قرآن” في هذا الموضع  بعض الغموض وهو ما يوضحه ميكل Miquel : “هل ينبغي علينا أن نترجم “قرآن” هنا بالقرآن الكريم؟ ففي  أوان الوحي (بهذه السورة المكية) لم يكن الكتاب المقدس للإسلام قد اتخذ بعد تشريعه وتسميته بإجماع الأمة هذا الاسم الذي نعرفه به الآن ونعترف به. وماذا نقول عن ترجمة (قرآن) بتنكير اللفظ ترجمة حرفية فهي فكرة غير مستساغة؟  يبدو أنه يجب تفهم لفظ قرآن في هذا الموضع بمعناه الأصلي وهو القراءة التي يحث عليها الدين، قبل أن تصبح القراءة اسما “للقرآن”. (. . .) النقاء الأصلي لكتاب غير مخلوق، نقاء لمحتوى حقيقي وكامل، تشريع لا نظير له، عظمة الكرم في العطاء الأمثل من الله لخلقه…” (ص.321-322).

          ففي هذا النص الفريد يوجد الحصر المطلق والحفظ الأعلى لكل شيء: [6 (الأنعام) (59): “وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين“. إنه كتاب منبع ومصب حيث ينطلق منه كل شيء ثم يعود إليه مرة أخرى، و هو تسجيل فيما لا يمحى. ومن هذا المنطلق فالكتابة هي الأخرى كتابة أزلية وأبدية، هي عهد وضمان، هي عقد وعطاء، هي حفظ وشهادة هي كل ذلك في آن واحد. والكتابة بالمعنيين الذين أشرنا إليهما من خلال محوري التدوين والإلزام، أو لنقل كل المعاني الممكنة لها، تندمج في هذا المعنى الأول الذي يبدو في ظاهره بسيطا وحرفيا وهو المذكور في آية الدين (2 (282))[10]. حيث تكون بذلك أطول آيات القرآن الكريم هي أكثر الآيات الدالة على كل معاني (يكتب) وتلقى الكتابة باعتبارها ميثاقا، وعقدا ملزما بالوفاء. أما “أم الكتاب” فهو كتاب خارج الزمن، خارج كل التيارات التاريخية؛ ولكن القراءة هي التي تقيم إمكانية مناسبته للزمن البشري في كل وقت لحدوثها. ففي كل مرة يقرأ فيها في الكتاب-القرآن الكريم يُرصع الحيز المكاني والزماني الإنساني بتلألؤ وجود المعنى. وبتكرار القراءة وتغير مكانها في التاريخ الإنساني وجغرافيته يصبح النص حيا وممكنا من خلال  تحقق افتراضي وخاص بالرجوع المستمر لأصل واحد.

وهكذا تنغلق حلقة القراءة عند الهدف الذي تبتغيه وهو المعنى والنص المقروء الذي يحمل دلالة ويعطي معنى سواء في صورة كتاب أو كتابة. هي تنغلق لتنفتح على بنية المقروء والكائن الذي يبحث عن (نفسه) من خلال القراءة (داخل) نص ما، نص مكتوب منذ الأزل ولكنه يظل يتلى إلى الأبد. ومن هذا التفاعل فإن القارئ والكتابة المقروءة يكونان بداية البحث ونقطة العودة. نقطة انطلاق وازدهار من خلال الصوت الذي يكسر الصمت – فجأة وبلا رجعة- الذي يضيء ليتيح الرؤية والسمع والفهم.

تأليف

د./ هبة مشهور 

أستاذ الأدب الفرنسي جامعة القاهرة

ترجمة من الفرنسية:

أميرة مختار

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* القراءة فى سياق الخلق” (انطلاقاً من سورة العلق فى القرآن الكريم) فى الأدب المقدس. المقالة منشورة في [مجلة ألف – البلاغة المقارنة – العدد 23-2003].

** سورة العلق (96): بسم الله الرحمن الرحيم

اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19).  صدق الله العظيم

[1]. 4 (164): “ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عيك وكلم الله موسى تكليما”

[2]. 7 (143 ): “ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقسر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين”

[3]. نقصد بالعبد المعنى الديني وهو الإنسان المتعبد لله فهو يدعوه ويخضع له، دون أن يكون هناك أي تنويه لوقوع الظلم أو العنف عليه كما يدل المعني في اللغة الفرنسية.

[4]. الوحي الذي أتاح وصول النص القرآني إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كان كما ورد في حديث شريف، معجزة خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم ولرسالته. وهذا الوحي هو أساس تكوين القرآن الكريم.

** تبديل حروف كلمة لتكوين كلمة أخرى.

[5]. صفة الأمية التي تطلق على النبي صلى الله عليه وسلم، مسألة كتب فيها كثيرون منذ المفسرين الأوائل وحتى وقتنا هذا؛ (الأمي) يفهمها بعض المفسرين بمعنى “عدم اطلاعه صلى الله عليه وسلم على الكتب السابقة وهي التوراة والإنجيل، وليس عدم القراءة والكتابة”. ونحن نكتفي هنا بما جاء في معنى الكلمة كما وردت في النص القرآني، وأكثر تحديدا بما ورد في هذه الآية: أمي أي لا يتلو ولا يكتب بيمينه، فهو تعامل سلبي مع النصوص السابقة ومع الكتابة. ولمزيد من التفاصيل  حول هذا الموضوع  يمكن الرجوع لكتاب جواد علي وعنوانه: التطور في تاريخ العرب قبل الإسلام.

[6]. ورد في دراسة شائقة عن غريب ألفاظ القرآن الكريم، وهي الألفاظ التي ظلت معانيها خافية على المفسرين واللغويين العرب، تفسير لكلمة “العلق” بـأنها لفظ مصري قديم  ويعني حرفيا: “الحكمة، الفهم، التفاهم”. ونص هذه الدراسة يقوم على فكرة أن النص القرآني تنزل باللغة العربية ولكنه يتضمن في نسيج نصه ألفاظ أخرى أكثر قدما منشؤها لغات أخرى سابقة على العربية، وتذكر الدراسة منها على سبيل المثال البدايات بالحروف المقطعة في مطلع بعض السور والتي ليس لها معنى واضحا. وفي هذه النقطة يمكننا الإشارة إلى اللغة الأصلية التي تشعبت منها كل اللغات ومنها اللغة العربية، وأن هذه الألفاظ “الغريبة” ما هي إلا بعض من تراثها المندثر الذي احتفظ به النص القرآني [انظر سعد عبد المطلب العدل، ص. 30].

[7]. كلمة”مطلق” نعني بها “الكمال” (كما يؤكد الزمخشري في معرض حديثه عن معنى “الأكرم”). وهكذا فإن الأفعال التي وردت في السورة الكريمة يراد في معناها الكمال المطلق، معنى مباشر تماما، حتى وإن كان استعمالها الحالي يقتضي التعدي إلى مفعول به، كما هو الحال في الأفعال: “خلق”، “علم”، “يرى”، “اقرأ”، “طغى”، ينهى”. وكذلك الحال بالنسبة للأفعال “تولى”، و”اقترب” فهي تحتاج في معظم الأحيان إلى إيضاح بذكر المفعول به كأن نقول “تولى عن ..”. وهناك ألفاظ أخرى سيقت بصيغة أفعل التفضيل مثل “الأكرم”، أو صيغة مطلقة بصورة أخرى وهي عدم التحديد مثل “ما لم يعلم”. أما بالنسبة لكلمة “الرجعى” فهي صورة من مصدر الفعل “رجع “، ومعناها هو الرجوع الأخير إلى الله تعالى يوم العرض عليه.

[8]. بالنسبة للمفسرين لفظ أعجمي يحيل إلى من لا يتكلم العربية، أو الأجانب. ولكن في موسوعة ألفاظ القرآن، ورد المعنى الآتي: “الأعجم: الأخرس، والبهيمة عجماء لأنها لا تتكلم”. وكذلك الأعجم “الذي في لسانه عجمة عربيا كان أو غير عربي” [ص. 412].

[9]. في المجلد الأول من كتابه “الإحكام في أصول الأحكام” يتناول ابن حزم في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان “عن ظهور اللغات”، فرضية أحادية اللغة الأصلية التي تحولت إلى التعددية اللغوية الحالية، فهو يقول بأن اللغات التي نشهدها الآن لم تكن في البداية إلا لغة واحدة. وهو السبب الذي يجعله يؤكد على انه ليس لأي لغة أفضلية على غيرها من اللغات، حتى وإن زعمت بعض الشعوب أنها تمتلك لغة أرقى من غيرها. ويوضح ابن حزم أن  “الله سبحانه تعالى لم ينزل القرآن باللغة العربية إلا ليفهمها قوم النبي صلى الله عليه وسلم”. فليس هناك إذن أي أفضلية للغة على غيرها، ولكن كل نبي كان يتلقى رسالته بلغة قومه.

[10]. الآية (282) من سورة البقرة: آية الدين أطول آيات القرآن الكريم:

“يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم.”

والآية التالية تذكر الحال الذي يتعذر فيه وجود كاتب وهو الركن الأساسي للعقد وكتابته، فالبديل الذي يأمر به الله عز وجل هو “رهان مقبوضة” تسلم عند اقتضاء وقت الدين.

المراجع

 * الكتب الفرنسية

  • Emile BENVENISTE, Problèmes de linguistique générale, Paris, Éditions Gallimard, 1966.
  • Jacques DERRIDA, L’écriture et la différence, Paris, Éditions du Seuil, 1967.
  • Marges de la philosophie, Paris, Éditions de Minuit, Collection Critique, 1972.
  • Donner la mort in L’éthique du don Jacques Derrida et la pensée du don, Colloque de Royaumont,  Décembre 1990, Paris, Éditions Métailié –Transition- 1992.
  • Foi et savoir, Paris, Éditions du Seuil, 2000.
  • Umberto ECO, La Recherche de la langue parfaite dans la culture européenne, Paris, Éditions du Seuil, 1994.
  • André MIQUEL, L’événement- Le Coran: Sourate LVI, Paris, Éditions Odile Jacob, 1992.
  • Jean- Luc NANCY, La déconstruction du christianisme, in Les Études philosophiques, numéro 4- pp. 503 à 518 –1998.

* الكتب العربية

  • معجم ألفاظ القرآن صادر عن مجمع اللغة العربية، (الناشر دار الشروق- 1981).
  • الرازي : التفسير الكبير – مجلد 32.
  • الزمخشري: الكشاف.
  • سعد عبد المطلب العدل: الهيروغليفية تشرح القرآن  (نسخة مصورة- 1999)
  • جواد علي: التطور في تاريخ العرب قبل الإسلام (الناشر دار بيروت وبغداد- 1980).
  • ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *