الرئيسية / الدراسات والأبحاث / أبحاث ودراسات / بحوث محكمة / حول منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية

حول منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية

حول منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية*

د. عبد الرحمن رجب

 ” تمهيد”: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي اشرف الانبياء والمرسلين نبينا محمد وعلي آله وصحبه اجمعين ،أما  بعد: فلقد حظت حركة أسلمة العلوم ،أو التأصيل الإسلامي للعلوم ،أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية خاصة – بفضل الله سبحانه وتعالى- خطوات واسعة خلال السنوات العشر الماضية، سواء فيما يتصل بعرض القضية علي نطاق واسع ،أو ما يتصل بالبحث في أصوالها وبعادها ونتائجها, أو فيما يتعلق بمناقشة آراء المعترضين عليها والمغالين فيها،حتى وصلنا اليوم إلى مرحلة يبدو ان الرؤية فيها اتضحت الي حد كبير، وكان  من ثمار ذلك ظهور العديد من الكتابات الجادة ، التي لقييت اهتماماً كبيرآ و كان لها اثر واضح لدي قطاعات عريضة من المشتغلين بمختلف فروع العلم- بحثأ وتدريساً وطلباً- في كل ارجاء العالم الإسلامي، واذا كان البعض قد يرون أن الكثير من الوقت والجهد قد أنفق ( او اهدر )في غضون تلك الفترة في محاولات بذلك لتحديد المفاهيم أو انصرفت الي الجدل حول المصطلحات فإنه لا ينبغى أن يفوتنا أن عمق وحجم التغيرات التي تتطلبها علمية إعادة صياغة العلوم؛ وخصوصاً الاجتماعية منها لصبغها بصبغة الاسلام صبغة الله- تستلزم بحكم طبيعتها إعادة نظر جذرية في مسلمات ومباىء ومنهجيات أنفقنا العمر في تحصيلها ،فإن ذلك يتريب علية بالضرورة أن نعطى مثل تلك المناقشات حقها دون استعجال شديد للنتائج ، فالمناقشات إذا كانت أصيلة ومبنية على علم ،و كانت من النوع الذي يحرص المشاركون فيه على بذل الجهود اللازم للاطلاع الجاد على تفاصيل آراء من يخالفونهم ، لا يمكن ان تاتى بخير، ولكننا ينبغى أن نسلم في الوقت ذاته أنه  لا يمكن لنا ان نبرر الوقت طويلًا عند ذلك النوع من المناقشات التي تدور حول خلافات لفظية (سيمانطيقية ) ، والتي يغلب أن تولد من الحرارة أكثر مما تولده من ضوء ، كتلك التي تتوقف لإبداء اعتراضات لا نهاية لها على ألفاظ  “الأسلمة “أو ” التأصيل” أو التوجيه “لتقترح سلسلة جديدة من  “الألفاظ ” التي يصعب اجتماع الباحثين عليها (الذي هو شرط لا عتبارأى منهما  “اصطلاحًا ” مقبولًا) ؛لأن الأهم من هذا كله أن يكون هناك اتفاق على المفهوم أو الصورة الذهنية التي تستدعى في العقل غالباً عند ذكر أى من هذه الألفاظ والتي تتصل نحن متفقون جميعًا علي محوريتها و على ضرورتها لإصلاح مسار العلم  ليس فقط في عالمنا الإسلامي ,بل وفي العالم كله .

 و الواقع ان الكثيرين خصوصًا بين علماء المسلمين من غير المتكلمين بالعربية – وهذا امر له دلالته – قد أصبحو اليوم يستبطئون ظهور ثمار حركة أسلمة المعرفة ( أو التأصيل الإسلامي، اوالتوجيه الإسلامي ، والتي تستخدم في هذا البحث كمرادفات) وينظرون في أسباب ما يرون أنه صعوبات تواجه الحركة غير واعين بانشغال المتكلمين بالعربية بتلك القضايا الفظية ’ وعلى كل حال فإنه  رغم اختلاف هؤلاء في تحليل الأسباب فيما بينهم إلا انهم يجمعون على أن الحاجة قد اصبحت ماسة للتعامل الجاد مع قضية” منهجية” الأسلمة او التأصيل ،خذ مثلًا سيد ولى نصر(Nasr, 1992:1 ) من أنه” برغم هذا الزخم من الأعمال التي وسعت نطاق مشروع إسلامية المعرفة ليصل الى كل زاوية وركن من اركان الفكر الأكاديمى ؛فإن إسهام المسلمين (العلمى) في جملته وتفصيله لايزال امرًا غير واضح المعالم ؛يعد بالكثير ولم يقدم إلا القليل –أو هو عبارة عن وعد لم يتجسد بعد في نتائج ملموسة…….  وبدلاً من أن (يطور المشروع لنفسه)منهجية صارمة مستنيرة بنور العقيدة فإنه قد استبدل بالمنهجية العقيدة”أما لؤى صافي(23،1993:،Safi)فإنه يقرر ببساطة “إننى أزعم أن مشروع إسلامية ( المعرفة) لازال في مرحلة ما قبل-المنهجية…..”ثم يشير إلى أن الدكتور إسماعيل الفاروقى (يرحمه اللهً) قد كان “همه الأول وضع الخطوط العريضة لمشروع إسلامية المعرفة،ولكنه لم يدخل إلى صلب مسألة المنهجية، إذا انحصر اهتمامه في  التوصل إلى   بعض المبادئ المتصلة بنظرية المعرفة (الإبستمولوجيا)”(25 . (pولقد وضع لؤى صافي يده أصل القضية عندما نقل رأى د.عبد الرحمن أبو سليمان المتضمن أنه”ينبغى إعادة تحديد العلاقة بين العقل والوحى …وأنه لم يعد من الممكن الاكتفاء بمجرد تقرير أن كل من العقل والوحى يعتبر من مصادر المعرفة,فلابد من أن نتقدم خطوة أخرى لنحدد- وبشكل ملموس- كيف يمكن الربط بين احدهما والاخر (31.p) ،كما زاد صافي الامر وضوحًا عندما أشارإلى “المرء ينبغى أن “المرء ينبغى ان يتساءل هنا عما إذا كانت هناك قواعد ينبغى على عالم الاجتماعيات المسلم أن يتبعها عندما يحاول اشتقاق مبادئ اجتماعية من الوحى’أم أن عملية الاشتقاق هذه ببساطة مسألة ضمنية (لا يمكن تمييز مكونتها ) أو مسألة حدسية ؟إن العلوم الاجتماعية الحديثة لا يمكن تركها للتخمينات الفضفاضة وغير المنضبطة لأفراد العلماء المسلمين,ولكنها ينبغى أن تقوم على مجموعة من المبادئ والمعايير الواضحة الأبعاد والتي تقوم على اصول صارمة؛لأنه يمكن في غيبة تلك المبادئ استخدام التعبيرات القرآنية بشكل تعسفي لتبرير أى مواقف تخدم الالتزامات الأيدولوجية للجماعات الاجتماعية المختلفة “(p.p36-37) وهذه ولا شك قولة حق يتطلب الأمر الوقوف عندها طويلاً.                                                                                                                               

فالواقع أن المطلع على كثير من الإسهامات التي تحسب ضمن جهود التوجيه الإسلامي للعلوم الإجتماعية يدرك على الفور مدى الحاجة الماسة إلى الضبط المنهجى ،وإلى وضوح الرؤية حول ماهية الإجراءت والخطواط العملية التي ينبغى أن يسير عليها الباحث،وحول ماهية الضوابط التي ينبغى عليه أن يلتزمها حال شروعه في العمل في بحوث التوجيه الإسلامي لهذه العلوم ،ولقد كان هذا هو الدافع الأول وراء محاولتنا الحاضرة التي نأمل أن تلقى بعض الضوء على أهم القضايا المتصلة بالمنهج ،أو أن نفتح الباب أمام المناقشة الجادة لتلك القضايا – اتفاقاً  اوأختلافًا –مما نرجو أن يكون من شأنه تعميق الرؤية لمختلف مسألة المنهجية او ترشيد مسيرتها .                                                                                                                                                              

وأود أن يكون واضحًا منذ البداية أنه وإن كان مجال الاهتمام في الاهتمام في هذا البحث ينحصر في التعامل مع منهجية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية من الزاوية التي تبدو بها للباحث الفرد (أوالفريق البحثى المحدود)الذي يريد الخوض في لجج  تأصيل أحد موضوعات تخصصه –سواء كان الموضوع متسعًا أو مجردًا ،أوكان جزئيا أو محددًا –ومعنى ذلك أن غرضنا لا يتضمن التعرض لحظة العمل الشامل لمشروع إسلامية المعرفة برمتة ‘ومع ذلك فإن هذا لايمنع بطبيعة الحال من تجاوز نظرتنا لزاوية رؤية الباحث المنفرد عندما نتطرق إلى الأمور المتصلة ببناء النظرية أو اختبارها ،فتلك مسائل تتطلب بطبيعتها نظرة أوسع لا زال الباحث الفرد أن يضيعها في اعتبارة حتى عندما يتعرض لدراسة قضية جزئية محدودة من منظور إسلامى ويرجع السبب في إبداء التحفظ إلى أن بعض الباحثين يلقبون على “تأصيل”أحد موضوعات تخصصهم وكأنة أمريتم مرة.one shot effort  

أوكأنه عمل ذو صبغة ثباتية(استاتيكى) إذا قام به اليوم أحد الباحثين بكفاءة فقد تم استيفاء الموضوع اللأبد ،وينسى هؤلاء أن العلم والبحث عن الحقيقة نشاط تراكمى ،قد نقوم اليوم ببذل جهد مبدئى لاستيضاح حقيقة الرؤية الاسلامية له كما نتصورها اليوم  في ضوء فهمنا للنصوص وفي ضوء معرفتنا المستمدة من الجهود البحثية الواقعية الراهنة ،ولكننا نكاد لا ننتهى من هذا العمل إلا لنقوم بربطه بغيرة من الاعمال الجزئية المتصلة به، ثم لنقوم في ضوء ذلك بإجراء بحوث جديدة يتمخض عنها لا محالة أطر تصويرة أكثر دقة واكثر اقتراباً من فهم الحقيقة وهكذا، فلزم ان نبدأ هنا بالتنويه إلى الطبيعة المتحركة (الدينامية) التراكمية لجهود التوجيه الإسلامي للعلوم ،والمنبثقة –كما لا يخفي عن القارئ المتأمل –عن الطبيعة المتحركة (الدينامية) للبحث العلمى بصفة عامة. وأخيرًا فإن هناك ملاحظة شكلية قد يكون من المناسب أن نسوقها هنا تتصل بالطريقة التي اخترناها عن قصد في عرض المفاهيم واستخدام المصطلحات في هذا البحث ؛فسيلاحظ القارئ أننا نورد أحيانا المصطلحات المألوفة للمنشغلين بالعلوم الاجتماعية الحديثة بلغتها الاصلية أو كما تنطق بالعربية ( بين قوسين) وذلك بالاضافة إلى  ذكر عبارات او جمل تتضمن المعنى الدقيق لتلك المصطلحات،ويرجع السبب في اختيار هذا الاسلوب الى ان المصطلح الأجنبى الأصلى في معظم الأحيان “باصطلاحات “عربية مختلفة دون اتفاق واضح بين المتخصصين حول المقصود بالاصطلاح العربى البديل ،مما يصعب معه متابعة للقارئ للفكرة المقصودة بالوضح المطلوب  ،ومن هنا كان الظن بأن أضافة المصطلح بلغتة الاصلية (أو كان ينطق بالعربية) يصبح أقرب الى ما هو مألوف لدى المشتغلين بالعلوم الحديثة ، في نفس الوقت الذي يتيح فية الشرح بعبارة أو جملة تعبر عن “المعنى الاكلى”للاصطلاح متابعة غيرهم لمضمون ذلك الاصطلاح وربطة بما لديهم من أطر مرجعية ،وقد تستمر الحاجة الى مثل هذة الطريقة في العرض على جمهور مختلف في أطره المرجعية إلى حين تبلغ جهود التوجيه الإسلامي للعلوم بعون الله مداها ،وحينئذ فإن الحاجة ستنتفي لاستخدام مثل هذا الاسلوب ،بل ونأمل أنه عندما يتحول المسلمون ليصبحوا منتجين للعلم الأصيل أن تصبح المصطلحات العربية واللغة العربية بعامة هى لأصل الذي يتسابق إلى اسستخدامه اصحاب اللغات الأخرى كما كان عليه الحال في “القرون الوسطى “

(راجع:توماس آرنولد،1896 ص ص 160   -161) والأن فإن من واجبنا قبل أن نشرع في الحديث عن مختلف جوانب أو مراحل منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية أن نقف وقفة قصيرة عند مفهوم “التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية “لتحديد أبعاده ومكوناته بأكبر قدر ممكن الدقة باعتبار أنه هو المفهوم الأساسى الذي نريد البحث عن منهجيه ،وأن الاتفاق على المفهوم شرط لازم لأى اتفاق على المنهج .

المبحث الاول مفهوم التوجيه الإسلامي:

الآراء يحسن معه أن نبدأ هذا البحث بتحديد المقصود “بالتوجيه الإسلامي ” وما يتصل به من اصطلاحات ،ولعل انسب طريقة لمعالجة هذا الموضوع أن نعمد أولاً لتحديد الفكرة او المهمة أو الرسالة التي يريد المشتغلون بالعلوم الاجتماعية في العالم الإسلامي اليوم تحقيقها لإقامة علوم على أسس اسلامية أًيا كانت التسمية التي يطلقها كل منهم رغم الجهود المشكورة التي بذلها الباحثون إلى الآن لتعريف التوجيه الإسلامي للعلوم الإجتماعية وتحديد مضمونه بدقة فلا زال هناك قدر من التفاوت في على تلك المهمة ،وذلك على أعتبار أنه إذا ثبت وجود كاف في الرآى حول طبيعة تلك المهمة وابعادها ،فإن مسألة التسمية أو الاصطلاح تصبح ثانوية إلى حد كبير، فما هى ابعاد مفهوم “التوجيه الإسلامي للعلوم “التي ينطلق هؤلاء الباحثون منها ؟لعلنا لا نبتعد عن الحقيقة كثيراً إذا  قررنا أن هناك اتفاقاً واضحاً بين كل من كتبوا حول هذا الموضوع تقريباً (المبارك1977 ،الفاروقى، -1982|1980ابو سليمان1938 ،المختارى 1985،عيسى 1986،المعهد العالمى للفكر الإسلامي 1986،مركز البحوث بجامعة الأمام 1987،1993بدرى 1987،نجاتى 1990،خليل 1990،رجب 1991،khalil)

سواء كان ذلك بشكل صريح أو التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية يتضمن المكونات أو الأركان الالثلاثة الآتية على الاقل :

(1)تحديد أبعاد التصور الإسلامي الشامل للإنسان والمجتمع والوجود ،استخلاصاً من المنابع الرئيسة للمنهج الإسلامي التي تتمثل في الكتاب والسنة الصحيحة ،مع الاستفادة من اجتهادات علماء المسلمين من السلف المعاصرين ، المستمدة من تلك المنابع الرئيسية والملتزمة بها؛وتحديد متضمنات هذا التصور المتصلة بالمجال العام الذي تغطية اليوم العلوم الاجتماعية الحديثة.

(2) حصر نتائج “البحوث العلمية المحققة “في نطاق العلوم الحديثة ،ومسح ” نظريتها “وتحليلها وإخضاعها للتمحيص والنقد في ضوء مقتضيات ذلك التصور الإسلامي ،سواء من حيث الوضوع أوالمنهج.

(3) بناء نسق علمى متكامل يضم ما صح من نتائج العلوم الحديثة وما صمد للتحميص والنقد من نظريتها ،ويربط بينها وبين ما توصل اليه علماء  المسلمين من حقائق وتعميمات برباط تفسيرى مستمد من التصور والمجتمع والوجود.

ويمكن لنا أن نسارع فنضيف على الفور ركناً رابعاً تكتمل به دائرة العلم الصحيح كما يلى:

(4) استنباط فروض مستمدة من ذلك النسق العلمى المتكامل الذي تم التوصل اليه فيما سبق ،وإخضاع تلك الفروض للاختبار في أرض الواقع للتحقق من صدق الاجتهاد البشرى المتضمن بالضرورة في عملية بناء أى نسق علمى نظرى . ولكن ما المبرر لإضافة هذا الركن الرابع؟إن المصادر التي أشرنا إليها آنفا قد كفتنا- فيما نحسب – مؤنة البرهنة على محورية المكونات                                       

أو الاركان الثلاثة  والاولى ولوازمها  لمفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،فالمطلع على تلك الكتابات لا يمكن إلا أن يثبت عنده وجود هذه الاركان الثلاثة بوضوح مهما  اختلف صورة التعبير عنها ،ولكن الركن الرابع المتصل بضرورة اختبار الأطر التصورية المنطلقة من المنظور الإسلامي يستحق منا وقفة قصيرة في هذا الموضوع قبلا العودة إليه في سياقة من العرض اللاحق لمختلف جوانب المنهج .  

والاولى ولوزمها  لمفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،فالمطلع على تلك الكتابات لا يمكن إلا أن يثبت عنده وجود هذه الاركان الثلاثة بوضوح مهما  اختلف صورة التعبير عنها ،ولكن الركن الرابع المتصل بضرورة اختبار الأطر التصورية المنطلقة من المنظور الإسلامي يستحق منا وقفة قصيرة في هذا الموضوع قبلا العودة إليه في سياقة من العرض اللاحق لمختلف جوانب المنهج .  

لقد أشفق الكثيرون ـولهم كل الحق في ذلك – من ان تتحول عملية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية إلى مسألة دعوية وعظية ،أو أن ينظر اليها كمجرد أعلان ساذج بالالتزام الشخصى للباحث بالاسلام ،حيث يندفع المتحمسون للقضية إلى استخلاص ما يظنون أنه يمثل وجهة الإسلام في موضوع الدراسة ليفرضوه على الناس دون إخضاع تلك المرئيات للاختبار وكأن الأخلاص يكفي ” وحده لبناء العلم ،ويبدو لنا أن أمثال هؤلاء الباحثين يقومون بأحلال “الدوافع ” للتأصيل محل ذاته الذي هو نشاط علمى في جوهرة وأصلة ،ويخضع لاعتبارات التحقق العلمى الصارم وإلا أصبح شيئًا آخر ،قد لا يكون أقل أهمية من العلم ،كالدعوة إلى الله مثلًا ،ولكنه شئ أخر بالرغم من ذلك .      

ولقد يرجع السبب في شيوع هذا التخوف لدى البعض إلى أن الكتابات الباكرة حول أسلمة المعرفة أو التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية   

 (والتي أشرنا إلى بعض منها فيما سلف ) كان من الطبيعى أن ينصب حل اهتماًما على الدعوة للفكرة ،وبيان ضرورتها ،وتوضيح أبعادها ،أكثر من أهتمامها ببيان المنهجية العلمية الصارمة التي تلتزمها في الحقيقة – إن لم تتفوق –على مناهج البحث العلمى المعاصرة في درجة التزامها بالضوابط المتفق عليها لأى نشاط علمى منظم ،ومن هنا فقد كان من الضرورى لنا- ونحن هنا بصدد البحث في موضوع المنهجية – إبراز هذا الركن الرابع ضمن أركان عملية  التوجيه الإسلامي للعلوم استكمالاً للصورة وبياناً لوجه الحق في الأمر.

ويكفينا أن نشير في المقام إلى المقام المتضمن لاشتقاق فروض مستمدة من النسق العلمى المتكامل( يضم كلاً من إسهامات العلم الحديث التي تم تمحيصها وصمدت للنقد في ضوء معايير التصور الإسلامي ) لاختبارها في ارض الواقع إنما هو جزء لا يتجزأ من منهجية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،والذي لا يمكن بدونه أن تعد تلك العلوم “علوماً)بالمعنى المتعارف عليه للعلم ؛لأن في اختبار الفروض المستمدة من النظرية الضمان الرئيسى للتأكد مما إذا كان استنباطنا الذي نتج عنه ذلك النسق العلمى المتكامل صحيحاً ومطابقاً للواقع من عدمه ،فعمليه الاختبار تتمشى مع فكرة التصحيح الذاتى التي تميز العلم الناضج ،والتي تجعله مختلفاً عن الفلسفة التي تتركنا على الدوام أمام أبواب مفتوحة بلا نهاية ،كما أن عملية الاختبار تقضى على الغارب لكل من يتوصل إلى استنباط مبينة على فهمة للنصوص،أو على ربط فهمه للنصوص بإسهامات العلوم الحديثة على الوجه الذي يراه دون وجود محك أو معيار للصدق يمكن الاعتماد عليه ،فالمعيار المعتمد هنا هو مدى مطابقة تلك الاستنباط للواقع.    

ولقد يتسأل البعض هنا مدفوعين بالغيرة على دين الله:هل يتضمن هذا الركن الرابع لمفهوم التأصيل- عياذاً بالله- إخضاع آيات الله تعالى أو أحاديث المصطفي الصحيحة للاختبار في أرض الواقع ؟ولو عاد القارئ إلى الفقرة السابقة مباشرة ليتأمل ما أكدنا عليه فيها لوجود مايخضع للاختبار في الحقيقة هو الاطر التصويرية التي يتوصل إليها الباحث بإستنباطه هو للتأكد من مطابقتها للواقع وليس أختبار للنصوص القرآنية أو الحديثية الصحيحة في ذاتها – نعوذ بالله  العظيم أن نضل أو نضل-فتلك الأطر الاثرالمستنبطة ذات طبيعة كلية تفسيرية، وهى إن بنيت على الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة إلا عملية الربط بين هذه النصوص المتعددة تتضمن جهداً بشرياً يحتمل الصواب أو الخطإ ،كما سنبينه في موضوعه إن شاء الله تعالى.  

والآن فإذا قد سلمنا بأن هذه الأركان تقترب في مجموعها من تصوير حقيقة المهمة التي نريد لها أن تتحقق في واقع علومنا الاجتماعية لتنطلق من هدى السماء توجيهاً لاجتهادنا البشرى في البحث عن الحقائق بطريقة منظمة ،فما الاصطلاح الذي يمكن ان يعبر عن هذه المهمة وفق هذا التصور المطروح بشكل مقبول ؟لقد تعددت الالفاظ التي استخدمت في هذا السياق تعدداً كبيراً حتى وصلت إلى مايقرب العشرة (انظر يالجن ب1993) وسنكتفي هنا باستخدام ثلاثة من هذة المصطلحات هى أكثر شيوعًا ،وهى:التأصيل الإسلامي ،الاسلمة،والتوجيه الإسلامي ،ولكننا كما قدمنا سنستخدمها كبدائل تعبر عن نفس الشئ …. نفس المهمة لبيان المنطق الذي استندنا إليه في ذلك عسى أن يكون في هذه المناقشة ما يساعد على تخطى هذه القضية بدلا من تكريس الاختلاف بين الباحثين في غير طائل .

يعترض البعض على استخدام اصطلاح أسلمة العلوم،على اساس أن”الاسلمة ” تقتضى  إسلام العلوم وهى لا ارادة لها ولا عقل  كالجمادات الاخرى التي لا يمكن إطلاق الإسلام عليها ،ويقال أيضا :متى كفرت العلوم حتى تسلم ….”يالجن ،1993 ب:3) ،ولقد بالغ البعض متوسعاً في مد هذه الحجة إال نهايتها المنطقية حين قال بأن :”كل علم فهو إسلامى ‘أليس الكون من خلق الله، والعقل هبة من الله ،فكل مايصدر عن الله في فهم كون الله فهو بالضرورة مسلم “أو ما هو قريب من هذه العبارات (ورد ما يشبه هذا القول ضمن مناقشات دارت في بعض المؤتمرات المتصلة بالتوجيه الإسلامي للعلوم ).  

ورغم أنه قد يتبادر الى الذهن مناول وهلة  ما يوشك معة العقل أن يقبل متسرعاً بمثل تلك المقولات على اعتبار انه بمنطق المخالفة ،فإن الأسلمة تعنى أن ماقبلها كفر ،فإن هذا ليس بلازم أبداً ،وإنما يمكن بطبيعة الحال أن يكون المقصود أن “المعرفة قبل أسلمتها كانت بعيدة في توجهها عن توجيه الإسلام” وأننا نريد لها ان تقترب من التوجه الإسلامي ،وأننا مهتمون بإعادة صيغاتها وفق منهج الاسلام وروحة بعد أن كانت مصاغة بشكل يهمل هذا المنهج أو لا يدرك وجه ارتباطه بها . كما اعترض أخرون على أصطلاح التأصيل الإسلامي للعلوم على أساس أن التأصيل معناه عندهم رد الشئ لاصله،ومقتضى ذلك أن كل أو مدفونة بشكل ما تراثنا الإسلامي ،وأن كل ما علينا هو التنقيب عنها ،وإزالة الغبار العالق حولها لنصل مباشرة إلى مانريد من عملية التأصيل ‘وليس لهذا الزعم ما يشهد له بالصحة ،ونلاحظ هنا أنه حتى أولئك الذين يرون أن هذا “المصطلح سليم إلى حد كبير “فإنهم يضيفون أنه “لا يمكن إقامة كل العلوم على الأصول الإسلامية مثل :الفيزياء ، والكيمياء ….فإذا اقتصرنا التأصيل على العلوم الاجتماعية يكون المصطلح سليمًا ؛لأننا نستطيع أن نجد لها أصولاً إسلامية ،سواء في التراث الإسلامي أو في القرآن والسنة “(يالجن،ب4 :1993) .ولعله قد بات من الواضح  في ضوء ما جاء في صدر هذا المبحث  أن  من يستخدمون  اصطلاح  التأصيل  الإسلامي  للعلوم لا يمكن في واقع  الأمر أن يقصدوا أن الفيزياء النووية  أو علوم   الأعصاب الحديثة أو النظريات الحديثة في اللإدراك الحسى كانت موجودة بتمامها عند الأقدمين من علماء المسلمين ،أو أن المطلوب  اعداتها  إلى الوجود مرة أخرى ،وإنما يقصدون بالتأصيل وتصوراته الكبرى بمثابة “اللأصل “الذي ترد إليه العلوم في منطلقاتها ومنهاجيتها  ونظريتها ،مع الإفادة  إسهامات السابقين من علماء المسلمين ما دام قابلاً للأندماج في منظومة التصور الإسلامي بشكل أصيل ودون  تعسف  .ولم يسلم اصطلاح التوجيه الإسلامي للعلوم من النقد أيضاً ،على أساس  أن التوجيه  عند المعترضين على أساس استعماله إنما يعنى “استخدام العلوم في مجال خدمة الإسلام  وخدمة الدعوة الإسلامية ،وهذا المصطلح بهذا المعنى قد لايتضمن محاولة إيجاد الإصول والقواعد الإسلامية في ،وفي هذا المصطلح بهذا المعنى قد لا يتضمن  محاولة إيجاد الإصول والقواعد الإسلامية في التفكير الإسلامي أو في القرآن والسنة ،ذلك…أنه يوجه ما هو موجود وكائن لا يوجه ما هو غير موجود ولا يقتضى إيجاد ما يجب إيجاده”(يالجن،1993ب:3 -4 )ومقتضى هذا الحجج أن لفظ التوجيه إنما ينصب على تطبيق النتائج التي توصلت إليها العلوم بالفعل لتحقيق أهداف الإسلام ،ولعل من الواضح أيضاً أن هذا ا لمعنى لا يلزم بالضرورة عن  لفظ التوجيه فالتوجيه الإسلامي للعلوم يقصد به كما رأينا استنارة الباحث في رؤيته العلمية العامة  بنظرية المعرفة الإسلامية ،كما يتضمن توجيه مناهج العلوم وطرق بحثها ،وكذا توجيه بنائتها النظرية ،ثم توجيه التطبيقات العلمية التي يتوصل إليها ،وذلك دون أدنى قدر من التعسف في استعمال الفظ .ولقد قام الدكتور مقدام يالجن أيضاً (1993ب) بالتعبير عن رفضه وانتقاده لعدد آخر من الإلفاظ(المصطلحات)التي لم يكتب لها نفس الدرجة من الشيوع كبدائل للألفاظ الثلاثة السابقة ،فأراح بذلك من قد يكفرون في اختراع ألفاظ بديلة جديدة ،فانتقد مثلاً اصطلاح “تأسيس العلوم الأجتماعية على الأصول الإسلامية “مبيناً أنه يؤخذ عليه أن التأصيل يتضمن أكثر من مجرد”إقامة العلوم الاجتماعية على دعائم وأسس فقط ،بل المراد إقامة بنيان العلوم بجميع جوانبها وهندستها على الأصول الإسلامية ..”،كما اعترض على لفظ “إبراز الأسس الإسلامية…”على أساس أن الإبراز إظهار وبيان ،والمطلوب بناء وتأسيس ،أيضاً على “صياغة العلوم صياغة إسلامية “على أساس أنه “يقيد وضعها في الثواب الإسلامي ….ولكن لا يفهم منها الدخول إلى محتواها والنزول إلى جوهر العلوم وإيجاد قواعد أو منهج أصيل وعريق … إلخ”،ثم إنه أضاف من عنده اصطلاحاً جديداً بلفظ آخر هو “بناء العلوم الاجتماعية على منهج الإسلام “،وكل ما نخشاه أن يأتى معترض فيقتبس طريقة الدكتور يالجن نفسه ؛ليؤكد لنا أن هذا الإصطلاح أو التعريف مرفوض أيضاً؛لأنه يركز على المنهج،وأن التركيز على “البناء”يعنى أننا نقيم صرح العلوم على أرض فضاء ،ومعنى ذلك أننا سنبدأ من فراغ،وأن عملية البناء لا تقول لنا شيئاً عن التطبيقات ….إلخ!!لقد آن الأوان أن نتجاوز هذا الجانب الشكلى اللفظى من القضية ؛لكى نركز على صورة أخيرة من الصور غير المنتجة للتعامل مع قضية المصطلح، فلقد دعا البعض في وقت من الأوقات إلى أنه ينبغى التمييز بين التأصيل والتوجيه على أساس أن نستخدم التأصيل في الإشارة إلى المهمة التي نحن بصددها (والتي شرحنا أركانها فيما سبق) عندما يتعلق الأمر بالعلوم الاجتماعية ،مع قصر اصطلاح التوجيه في الأشارة إلى نفس المهمة عند التعامل مع العلوم الكونية أو التطبقية (الطبعية في الاصطلاح التقليدى )،ورغم التسليم بأن هناك فرقاً واضحاً (سنعود لبيانه )     بين العلوم (الطبيعية ) فيما يتصل بحاجة الأولى الوحى كمصدر أساس للمعرفة،وحاجة الثانية إلى الحواس كمصدر أساس للمعرفة،إلا أن ما يحتاج إلى التنبيه إليه هو الطريقة التي استدل بها أصحاب هذا الرأى على ضرورة التفرقة بين الاصطلاحين ؛لأنها بيت القصيد هنا.       إن من المسلم به في علم المصطلح أن العلماء في سعيهم للبحث عن الحقيقة يقعون أولاً على مفهوم أو فكرة أو تصور ذهنى “يتفقون”على إدراك كنهه بعقلوهم ،ثم إنهم يحتاجون إلى اختيار لفظ أو اصطلاح للدلالة على ذلك المفهوم ،وهم يختارون لفظاً مما يستخدم في لغة حية أو حتى لغة متروكة (لتجنب اختلاط المعنى الإصلاحي بظلال غير مرغوبة في المعنى اللغوى)أو قد يختارون رمزاً ؛لكى يربطوا هذا”المعنى “أو”المفهوم “به ليتيسر التواصل والتفاهم بين الباحثين ،وليس هناك من شك في أن كتابات أسلمة المعرفة أوالتأصيل الإسلامي إلخ لم تبدأ في الحقيقة إلا استجابة للشعور بوجود معنى معين أو فكرة أو مهمة رئى فيها إصلاح العلوم ،بل وصلاح الأمة،ولقد يكون مفهوماً أن يتناقش الباحثون أويشتد جدالهم في محاولات لتحديد هذا “المعنى”الإصلاحي أو المفهوم،ثم إن لهم بعد ذلك أن يطلقوا عليه  إذا لقى قبولاً من جمهرتهم ،ومن هنا فإن الأصل هو وضوح “المفهوم”الذي هو الحكم والفيصل Technical termشاءوا من اصطلاح في اختيار اللفظ أو” الاصطلاح “الذي يتفق على أنه ينطبق عليه أفضل انطباق ،ولكن الأمر المقلق حقاً هو أن المنقاشات حول الاصطلاح أو “اللفظ”في معناه اللغوى حكماً وفيصلاً في تحديد المفاهيم !فرأينا بعض الباحثين يصدر حكمه بأنه “لما كانت لفظة التأصيل مختلفة في معناها عن لفظة التوجيه بحسب المعنى الإصلاحي الذي يشير إليه كل منهما في معاجم اللغة العربية،فلابد أن يختلف فلا بد أن يختلف المفهوم أو المعنى الإصلاحي الذي يشير إليه كل منهما ،ومن هنا فالتأصيل والتوجيه مختلفان ،أو لا بد أن يكونا مختلفين”الصياغة من عندى” وكأن من يدعو إلى هذا الرأى يريد لنا بعد أن قمنا – باختيارنا-فاستعملنا هذه الألفاظ للدلالة على المعانى الفنية التي نقصدها أن نعود أدراجنا فننصب من هذه الألفاظ التي اخترناها بأنفسنا حكما على مفاهيمنا الاصطلاحية،وهذه النزعة لتحكيم المعنى اللغوى في المعنى الإصلاحي لا يمكن أن تؤدى بنا إلا السير في دوائر دون طائل كالقطط التي تطاردها أذيالها كما يقولون.ولكن تحذيرنا من هذه النزعة لا ينبغى من جانب آخر أن يصرفنا عن قضية هامة بالفعل ،تتصل بالفرق بين العلوم الاجتماعية والعلوم المسماة بالطبيعة من حيث مدى ونطاق حاجتها لعملية أسلمة العلوم أو التأصيل الإسلامي للعلوم (أياً كانت التسمية التي تختارها)،ولكى نتعامل مع هذه القضية بطريقة منظمة فإنه يلزمنا أولاً أن نحدد بصددها أو الأنشطة العلمية المختلفة التي ينصب عليها التأصيل الإسلامي للعلوم ينصب على الجوانب الرئسية التالية :

 1-الغاية من العلم والنشاط العلمى بصفة عامة ،وارتباطها بالغاية من وجود الإنسان ذاتة .

2- التوجه العام للعالم في سلوكة البحثى أو في بحثه عن المعرفة وفي نظرتة لنفسه وتكييفه لعلاقته بربه وخالقه .

3- نظرية المعرفة التي ينطلق منها العالم وافتراضاتها المعرفية (الإبستمولوجية) خصوصاً فيما يتصل بما يلى :

أ- مصادر المعرفة ،وخصوصاً قضايا العلاقة بين الوحى والعقل والحواس.

ب- مجال المعرفة ونطاقها ،وخصوصاً فيما يتصل بمدى شمولها لعالم الشهادة وعالم الغيب .

منهج البحث العلمى من الناحية (المثيولوجية).

4- التنظير وتفسير نتائج البحوث في صلتها  بقضية درجة الاستفادة بكل من الوحى والعقل.

5- تطبيق نتائج العلم والاستفادة منها في حياة الناس (الجانب التقنى أوالتكنولوجيا).

6- ومن مجرد النظرة العابرة إلى هذه الجوانب نجد أنه لا يوجد اختلاف جوهرى بين العلوم الاجتماعية والعلوم المسماة  بالطبيعة من حيث حاجتها لأن يشمل التأصيل فيها تلك الجوانب كلها بصفة عامة ،وأن الاختلاف إنما يمكن فقط في “درجة “استخدام الوحى كمصدر للمعرفة (النقطة3 أ)  ،وفي “حدود”مجال المعرفة ونطاقها من جهة الاتصال بعالم الغيب أو الاقتصار على عالم الشهادة (النقطة 3 ب) ،وما ينبنى على ذلك فيما يتصل بأختلاف التركيز ” في المنهج (النقطة4 ) على الملاحظة الخارجية والتجربة،وفي “درجة “الاستناد إلى الوحى في التنظير وتفسير النتائج (النقطة5 ) ،وبلغة أخرى فإنه يبدو لنا أن الاختلاف بين كل من هذين القطاعين من قطاعات العلوم إنما هو في حقيقته اختلاف في الدرجة ينصب أساساً على طبيعة موضوع الدراسة وعلى درجة إمكان الاعتماد على الوحى كمصدر للمعرفة في نطاق اختصاصه ،ورغم أن هناك العديد من الأمثلة والشواهد التي يمكن سوقها لتوضيح هذه العبارات إلا أن هذا يوشك أن يخرجنا عن قضيتنا الأصلية .

ونحن نزعم أن هذه الفروق لا تسوغ إطلاق تسميات مستقلة على عملية أسلمة كل قطاع من هذين القطاعين من العلوم ؛لأن المهمة في جوهرها كما رأينا واحدة بالنسبة لكليهما ،لاتستقل فيها العلوم الاجتماعية بجوانب تختص بها اختصاصاً كاملاَ ،أوتستقل فيها العلوم المسماة بالطبيعة بجوانب أخرى،وإذا كان البعض يظنون أن المهمة بالنسبة لتأصيل العلوم الطبيعية هى مهمة “توجيه” لتطبيقات تلك العلوم فقط فقد وهموا من جانبين:

1- أننا رأينا أن المطلوب في الحقيقة توجيه كل جانب من الجوانب الستة للأنشطة المطلوبة للسعى للحصول على المعرفة العلمية في الاتجاهات التي  تتمشى مع التصور الإسلامي .                                                                                                                                     

2- كما أنه لا يمكن لأحد في نفس الوقت أن ينفي عن العلوم الاجتماعية أن “تطبيقاتها “في مختلف جوانب الحياة تحتاج أيضا إلى “توجيه “إسلامى مثلها في ذلك مثل تطبيقات العلوم (الطبيعية) .          

المبحث الثانى:

تفاوت وجهات النظر حول  مركز الثقل في المنهج :

أوضحنا فيما سبق ان هناك قدرًا كبيرًا من الاتفاق بين معظم الكتاب المهتمين بقضية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية

 (أو ما يكافئ ذلك الاصطلاح) حول مضمون المهمة التي يسعى الجميع إلى تحقيقها ،وبينا أن جوهر هذا المفهوم إنما يمكن في إيجاد التكامل بين معطيات العلوم الاجتماعية الحديثة من جانب وبين ما يتضمنه الوحى (القرآن الكريم والسنة الصحيحة ) وإسهامات علماء المسلمين حول الظواهر التي تتعرض لها العلوم الاجتماعية الحالية من جانب آخر ،ولكن كيف هذا التكامل ومداه، والوزن النسبى لكل مصدر من مصادره (المصادر الشرعية)،مصادر العلوم الاجتماعية الحديثة )أمر آخر اختلفت الأنظار فيه ،وترتيب على ذلك ظهور عدد من التوجهات التي تتصل بالمنهج ،والتي يحسن الإحاطة بها ومناقشاتها قبل إلى تفاصيل الإجراءات النهجية وفق التوجه الذي اخترناه بينها

فالمتابع للمناقشات والكتابات المتصلة بمنهجية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية سرعان ما يتبين له أن مواقف أصحاب الاجتهادات في  “الموضوع تتفاوت فيما بينها على مقياس متدرج ذى طرفين متقابلين Continuum  يبدأ من جهه بمن يرون التركيز على مصادر” الشرعية بشكل يكاد يكون كاملاً(في بعض الحالات)،إلى من يرون من الجهة الأخرى التركيز على مصادر العلوم الاجتماعية الحديثة بشكل يكاد يكون كاملاً (في بعض الحالات أيضًا ) مع توزيع الآخرين فيما بين هذين القطبين ،بحيث يحتل كل منهم نقطة على هذا المقياس المتدرج فيكون أقرب إلى هذا القطب أو ذاك ،مع التسليم بأن موقفه يتضمن قدراً مكاملاً من عناصر القطب المقابل ،وبطبيعة الحال فإن من يريد استيعاب الصورة الكلية لوجه الاختلاف يكون في موضع أفضل للفهم إذا تفحص الحجج التي يقوم عليها موقف أولئك اللذين “يقتربون “من هذا القطب أو ذاك بدلاً من دراسة الحالات النقية الرافضة على الجانبين أو دراسة الحالات الواقعة عند منتصف  المقياس المتدرج .

فإذا تأملنا موقف أولئك الذين يقتربون من الطرف الأول للمتدرج فإننا نجدهم يرون أن التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية إنما هو في جوهره رجوع إلى المصادر الشرعيه (ويلاحظ أن من يتخذون هذا الموقف في صورته النقيه قد يصلون إلى رفض التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية أصلاً،ولا يرون لهذه العلوم أى مشروعية في الوجود) ،بينما نجد من يقتربون الطرف المقابل يرون أن الأصل أننا نريد توجيها إسلامياً “لعلوم اجتماعية “قائمة بالفعل ولها مصداقيتها وتاثيرها ،فهى من ثم محورالارتكاز الذي يكفي في إصلاحه استبعاد ما خالف الشرعية من نتائج أو نظريات توصلت إليها هذه العلوم (وبطبيعة الحال فإن أصحاب الصورة النقية لهذا الاتجاه يرفضون كذلك التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ويرون أن نتائج هذه العلوم بصورتها الراهنة نتاج لتطبيق منهج علمى رصين لا يمكن التشكيك في قيمته ،ولا يحتاج تعديلاً أو إصلاحاً )فلننتقل الآن لتوضيح موقف الفريقين قبل أن نبين الموقف الذي نختاره ونلتزم به في الدراسة :

الاتجاه الأول :اتخاذ العلوم الشرعية نموذجا للتأصيل:

ويري أصحاب هذ ا الاتجاه أن عملية التوجيه الإسلامي إنما هي في جوهرها عملية “استخلاص واستنباط للآراء والنتائج التي يعتمد عليها في هذا المجال من المصدرين الأساسيين للشريعة (القرآن ، والسنة)(جاء هذا التعريف ضمن وثيقة تحوي توجيهات للباحثين أعدتها إحدي الجهات المهتمة بقضية التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ،والتي عرفت التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعيه علي أنه ” إبراز الأسس الإسلامية التي تقوم عليها هذه العلوم،من خلال جمعها أو استنباطها من مصادر الشريعة وقواعدها الكلية وضوابطها العامة ودراسة موضوعات هذة العلوم علي ضوئها ، مع الاستفادة مما توصل اليه العلماء المسلمون وغيرهم مما يتعرض مع تلك الاسس ومن الواضح ان الأخذ بهذا التصور يترتب عليه بالضرورة آثار عميقة بالنسبة لمنهجية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية فالقضية لا تصبح فقط قضية اعتماد مكثف علي مصدر علوم الشرعية لاستخلاص الأحكام الاجتماعية منها اذا صح التعبير ولكن الأهم من ذالك ان التركيز فيما يتصل بالمنهج سيكون علي طرق الاستنباط من النصوص وان صدق النتائج سيكون مبنًيا علي صحة استنباطها من مصادر الشريعة وقواعدها الكلية وضوابتها العامة كما أسلفنا ، ولعل  من العبارات المختصرة المفيدة في هذا السياق قول أحد كبار المتخصصين في العلوم الشرعية ذوى الاهتمام بمنهجية التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية تعبيراً عن هذا المعني “إن المطلوب هو وضع منهج الأصوليين والحديثيين ولقد قدم الدكتور مقداد يالجن (1993 أ)” تصوراً لأهم”القواعد والخطوات الإجرائية” للتوجيه الإسلامي للعلوم الجتماعية ، نورده هنا باعتبار أنه يمثل هذا الاتجاه بوضوح ،

 فيري الدكتور يالجن أن هذه القواعد والخطوات هي :

  الخطوة الأولي: ضرورة وقوف الباحث علي الدراسات التخصصية والدراسات الإسلامية معًا. فالباحث علي الدراسات التخصصية والدراسات الإسلامية معًا.  

الخطوة الثانية:

البدء بالآيات القرآنيه في التأصيل .

الخطوة الثالثة:

الاستدلال بالأحاديث وذالك بعد إثبات النص وبعد التأكد من درجته ومعرفت مواطن الاستشهاد به حسب درجته .

الخطوة الرابعة:

ضرورة استخدام الأيات والأحاديث في كل موضوع إن أمكن وذلك ليمكن إعطاء تصور كامل عن رأي الاسلام فيه لأن القرآن والسنة يمثلان الإسلام في الدرجة الاولي .

الخطوة الخامسة:

استخدام قواعد فهم النصوص من حيث العموم والخصوص والحصر والقصر وما إلى ذلك من وجوه الدلالات التي عالجها الأصوليون .

الخطوة السادسة :

إن لم يوجد دليل من القرآن والسنة تستخدم مصادر المعرفة الإسلامية الأخرى .

الخطوة السابعة :

إن لم يجد الباحث دليلاً مما سبق ،فعليه استخدام قواعد الاستنباط  الأصولية.

الخطوة الثامنة :

أن يكون استخلاص الأفكار والأحكام والقيم في ضوء أحد الأصول الإسلامية العامة أو كلها إن أمكن ذلك ،وتلك الأصول هى الأصول الاعتقادية والتعبدية والتشريعية والأخلاقية والاقتصادية والفكرية .

الخطوة التاسعة :

الرجوع إلى التراث الإسلامي وآراء العلماء المسلمين وإسهامتهم في مجال البحث .

الخطوة العاشرة :

الاسترشاد بالتوجيهات الإسلامية العامة في طرق دراسة الحقائق وتعليمها واستخدامها .

ويلاحظ على هذا التصور أنه لم يشير إلى نصيب العلوم الاجتماعية الحديثة في عملية التوجيه الإسلامي لهذة العلوم لا من جهة النتائج ،ولا من جهة المنهج ،اللهم إلا في الخطوة الأولى التي أشار فيها إلى ضرورة “وقوف الباحث “على الدراسات “التخصصية” والدراسات الإسلامية معاً ،وهذا على كل حال يتضمن اعترافاً ضمنياً بضرورة استخدام مناهج العلوم الاجتماعية في دراسات واقعية متخصصة ،ولكن المنطق الذي يستند إليه أصحاب هذا الاتجاة في قلة اكثرهم بالعلوم الاجتماعية الحديثة – مصادرها ومناهجها على حد سواء –يقوم على اعتبارين :

الاعتبار الأول :

أن كل ما يتصل بالناس كأفراد أو جماعات أو مجتمعات في دنياهم وأخراهم إنما المختص بتوجيه الوحى ،وأن المختص علوم بتوجيه الوحى ،وأن ما تحاوله العلوم الاجتماعية من مزاحمتها  للوحى كمصدر لتوجيه حياة  الناس بناء على ماتزعم أنها تتوصل إليه من “حقائق”إنما هو محط ادعاء،لا يقوم على أساس،ذلك أن ما تصل إليه تلك العلوم من تصورات بناء على دراسات تجرى في مجتمعات مختلفة لا يعطيها صدقاً ذاتياً ،لأنه لا يعكس الانحرافات والاختلالات في تلك المجتمعات كما يعكس ما قد تكون عليه من هدى، يقول الدكتور عبد القادر هاشم رمزى (1984 ) في هذا السياق :إن هذة الدراسات “قفزت بدون مبرر إلى حيث يستحيل أن يوجد غير العلوم التجربية …كما اختلطت فيها الحقائق بالأوهام اختلاطاً جعلها عاجزة عن سد الفجوة الثقافية ….{إن}أخذ المعلومات من المجتمعات المختلفة أو المجتمع الواحد في ظروف مختلفة لا يجعل هذة المعلومات حقائق ،إن المجتمع الإنسانى ليس مصدًرا للحقائق ،وإن كان مصدراً للمعلومات ، إنه {أى المجتمع الأنسانى }عرضة لأن يلتوى أو ينحرف أو أن يتوقف أو أن يهبط ،ولا بد من ضبط مسارة بالحقائق التي ليس لها مصدر سوى المصدر الأهلى المتمثل في النصوص الأسلامية وفي دلالات هذه النصوص “(ص ص62 ،68 )،ويرى نفس المؤلف أن نظريات المبنية على التصورات الوضعية لم تستطيع أن تتوصل إلى “مرجع أو مقياس تقاس به أحكامها وتعميمها “( ص 76 ) وبلغة أخرى ؛ فإنه إذا كان الفرد قادراً على الخير والشر،غير مجبر بحكم  تكوينه على منهما ،أو على نمط ثابت بينهما ، فكيف يمكن اتخاذ سلوك الأفراد الواقعى كمعيار،وإذا كانت المجتمعات البشرية تختلف قيمتها ومعاييرها فكيف يمكن أن يكون “واقع “تلك المجتمعات معياراً فلابد من بوصلة تشير إلى نقطة معيارية ثابتة يقاس إليها الواقع ،وهذا المعيار لا يمكن إلا أن يكون ذا المصدر متعال على الناس وعلى المجتمعات .  

الأعتبار الثانى: أن العلوم الاجتماعية بسبب تأثرها في نشأتها بالظروف التارخية للحضارة الغريبة ،وبسبب ما شاب هذه التجربة من صراع بين الكنيسة والعلم ،مما انتهى إلى نزعة مادية (إلحادية في كثير من الأحوال) ،قد عانت خلال تطورها من التواءات وندوب وكسور يصعب جبرها ،ففشلت من جهة فشلاً ذريعاً في تحقيق ما زعمت أنها تحققه أهداف ،وجاء ما توصلت إليه من مجدب النتائج مهلهلاً ومشوباً بالعيوب من كل جانب ، بحيث لا يمكن استنفاذ شئ منه للانتفاع به ،وبذلك فإنه يكون من العبث أو من الغلفة الرجوع إلى نتائج تلك العلوم ؛لأنه حتى لو وجدنا فيها ما يشبه الخير ،فإننا لن نعدم أن نجده “ملوثاً ” أو مدموغًا بشكل لا يمكن إزالته بطابع أصله الذي نشأ فيه ،والذي لا يمكن أن يؤدى في المجتمعات الموحِ دة إلا إلى تشتت الرأى والخبال واختلال المعايير، ولقد قام الدكتور أحمد خضر ( 1991أ،1992 ب )- وهو من أساتذة علم الاجتماع –ليبرهن على صحة هذا الرأى ، وانتهى في كتابه المتعددة الموثقة من الناحية العلمية (التي رجع فيها إلى المصادر الأصلية لأساطين علم الاجتماع ،وإلى أنه  ليس هناك مبرر موضوعى لبذل أى جهد لاستنفاذ أى نافع منه ،لأنه ببساطة لا يحوى علًما نافعًا  .

ولكن هناك من يرون أن البديل الذي يطرحه أصحاب هذا الاتجاه من اكتفاء بالمناهج الأصولية يثير أيضاً إشكاليتين خطيرتين ،لا يجوز التغافل عنهما مهما كان تقديرنا لهذة المناهج :  

الإشكالية الأولى : وتتصل هذه الإشكالية بماهية معيار الصدق في كل ما يتوصل إليه المشتغلون بالتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية بالاعتماد على المناهج الأصولية من اجتهادات ،فلا يخفي أن هناك اختلافاً واضحاً بين المادة الخام التي هى موضوع عمل الفقهاء ؛والتي تتصل بالأحكام الجزئية التي يمكن أن تنضبط بالالتزام “بقواعد الاستنباط الأصولية “،وبين المادة الخام ؛التي هى الموضوع اهتمام العلوم الاجتماعية ،والتي تتصل بكليات الدين في توجيهها لكليات الحياة الاجتماعية ،ومن هنا يرى هؤلاء المعترضون أن اتخاذ منهجية أصول الفقه نموذجاً ودليلاً يحتذيه التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية سيكون مشوباً بأخطاء ناتجة عن بعد الشقة بين النصوص من جانب وبين الاجتهادات التي يتوصل إليها الباحثون في العلوم الاجتماعية من جانب آخر ،ويصبح من الخطورة بمكان أن نساوى بين اجتهادات الفقهاء في المسائل الجزئية في ضوء المنهج الأصولى ،وبين “اجتهادات” المتخصصين في العلوم الاجتماعية

(ومن يتعاونون معهم من المتخصصين في العلوم الشرعية )في المسائل المتصلة بكليات الحياة الاجتماعية باستخدام نفس المنهج الواحد وذلك لما أن ينتج في الحالة الثانية من تجاوزات باسم استخدام المناهج الأصولية وإلصاق أى قدر مضاف من الصحة للنتائج ستارها ،ومن هنا فإن من المحتم استخدام طرق” أضافية “للضبط وأختبار النتائج التي يتوصل إليها المشتغلون بالتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ؛للتأكد من صدقها الواقعى ،وهوأمر ميسورباعتبار أن تلك العلوم تتصدى لواقع الناس والمجتمعات ،بما يمكن من اختبار تلك النتائج فيها .

الإشكالية الثانية :وتتصل هذه الإشكالية بأن المنهجية الأوصولية رغم نجاحها الكبير في صدر الإسلام في توجيه حياة المجتمع في كل جوانبها إلا أنها في العصور المتاخرة قد أصيبت بعدد من الشوائب التي قللت فاعليتها ،وعلى سبيل المثال فقد انتقد الدكتور عبد الحميد أبو سليمان بمرارة ( 1992) ما أسماه “بقصور المنهجية الإسلامية بمفهومها التقليدى “نتيجة الانفصام بين علماء الإسلام من جانب وبين القيادة السياسية للمجتمع المسلم من جانب آخر ،والتي أدت أنصراف العلماء “إلى العمل في التأليف والبحث والدرس والتأصيل للجوانب الخاصة بدراسات نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ،وما يتعلق بشئون الأفراد من عبارات ومعاملات ،دون كبير التفات إلى شئون السياسة والحكم ومؤسسات المجتمع وذاتيته الجماعية والعامة .. وضاعت حكمة السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة وحركية الفقة والفكر الإسلامي ،وأنعدام في كثير من هذا الفكر بعد الزمان والمكان وموضع للنص الجزئى من أصل مجمل الوحى والفطرة الإنسانية والكونية ….(ص ص  74، 77) ،وقد أعدى هذا كله إلى تقسيم العلوم إلى “علوم شرعية وغير شرعية “،وارتبط ذلك “بؤاد العلوم الاجتماعية “،ثم يشير إلى أنه وإن كان الفقه الإسلامي خاصة “تتخلله تأملات اجتماعية إسلامية ،ولكنه لا يقدم ما يمكن اعتباره علوماً اجتماعية إسلامية ….

بسبب الفصام والعزلة عن أن يوالى التقدم ،وأن يأخذ بزمام المبادرة الفكرية والتنظيرية لتوجيه مسيرة حياة الأمة ومؤسستها الاجتماعية وإمدادها بالحلول والبدائل الحضارية اللازمة لمواكبة إمكانيتها وحاجاتها والتحديات التي تواجهها ” (ص  82 ) .وفي ضوء ما تقدم يتبين أن الاتجاه إلى اعتماد العلوم ” الشرعية “بمحتواها التقليدى وبمناهجها الأصولية الحالية – نموذجاً تحتذيه العلوم الاجتماعية الموجهة إسلامياً لن يحقق الهدف المنشود من العلوم اجتماعية  إسلامية قادرة على قيادة الحياة في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة بشكل فعال ،اللهم  إلا بعد عملية تقويم شاملة تعود بهذه المناهج إلى أصل نصوعها وحيويتها ،مع الاستفادة من مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة بعد تطويرها على الوجه الذي يحقق التكامل المنشود دون تجوزٍ أو صدود .  

الاتجاه الثانى :الانطلاق من نموذج العلوم الاجتماعية الحديثة :

إن نقطة البدء عند أصحاب هذا الاتجاه هى الواقع الراهن الذي يقوم على وجود متمايز مستقلة لمجموعة من “العلوم الاجتماعية “،التي اختطت لنفسها حدوداً للضواهر التي تتعامل معها ، والتي بلورت لنفسها مجموعة من المناهج والأدوات البحثية ، والتي تختلف في ذلك كلة عن مجموعة “العلةم الشرعية “بمجالاتها ومنهاجها الخاصة بها ،ومن هنا فإن أصحاب هذا الاتجاه ينظرون بشئ من الدهشة أو الانزعاج لما يقترحه أصحاب الاتجاه الأول الذي ينظر للتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية على أنه يتضمن استبدال مصادر ومناهج العلوم الشرعية بمصادرهم ومناهجهم “العلمية “،ويرون أن هذا يعنى “إخضاع العلوم الاجتماعية للعلوم الشرعية ” على حد تعبير أحد المشاركين في ندوة حول مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،وهو أمر غير وارد وغير مرغوب فيه من الناحية العلمية ؛لأن معناه عندهم أن نترك “العلوم “الاجتماعية ودراساتها المدققة ،ونتائجها المحققة ؛ لنستبدل بها “تأكيدات “يزعم أصحابها أنها تمثل وجهة نظر الإسلام ، دون التحقق منها واقعياً ،ويطلب من الباحثين أن يسلموا بها على أنها دين ، بكل ما يترتب على ذلك خصوصاً في حالة وجود اختلاف في الرأى قد ينظر إليه على أنه دلالة على عدم الالتزام الدينى ،كما أن بعض أصحاب هذا الاتجاه يتصورون أن تبنى نموذج العلوم الشرعية في التوحيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية يعنى تحويل تلك العلوم إلى فعل أشياء والنهى عن فعل أشياء أخرى على أساس معيارى ودون دراسة “علمية ” وفي مقابل ذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن “الأصل “أن لدينا تراثناً متراكماً من نتائج العلوم الاجتماعية ،والتي أثمرتها جهود أجيال من الباحثين اللذين كرسوا حياتهم لها ،وأن لدينا ثروة وافرة من مناهج البحث وأدوات القياس التي تمت تجربتها على مدى السنين ،حتى اشتد عودها ،وثبتت قيمة الكثير منها ،وبان إمكان الاعتماد عليها ،وأن الباحث المسلم لايمكن له أن يتجاهل وجود هذه النتائج والمناهج جملة واحدة،وأنه لا يليق به أن يتخذ منها موقفاً رافضا من البداية ،فهذا كله يتمخض عنه ضياع وإهدار لجهود وتراث شارك المسلمون أصلاً في نشأته الأولى ،كما أن معناه أن نبدأ من فراغ، أو أن نبدأ من جديد عند النقطة التي توقف فيها إبداع العقل المسلم عن العطاء منذ بضعة قرون .

ومع ذلك فإن أصحاب هذا الاتجاه مقتنعون بأهمية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،ولكنهم قانعون بمنهجيه يرونها واقعية (تجنبنا المثالية على حد تعبير أحدهم )يكتفي فيها بالانطلاق من النتائج المحققة والمناهج الشائعة الاستخدام في العلوم الاجتماعية في أرقى صورها ،على أن نأخذ في الاعتبار أوجه النقد التي تثار حولها من داخل النموذج العلمى التقليدى ذاته ،مع إضفاء الصبغة الإسلامية عليها على الصورة الآتية :

  1- اعتماد نتائج ونظريات العلوم الاجتماعية الحالية كما هى ،(مع إثبات أوجه النقد –من الداخل –المثارة حولها ) ،وإثبات التحفظات عليها في ضوء التصور الإسلامي .                                                                                                      2-  استبدال المصطلحات الحديثة ببدائلها الإسلامية خصوصاً ما اتصل منها بالأنساق التصنيفية التي وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة .                                                                                                                                                            3- الاهتمام بالدراسات التراثية التي تمثل إسهام علماء المسلمين تاريخياً في نطاق كل تخصص من تخصصات العلوم الاجتماعية .

 4-  إيضاح الرؤية الإسلامية لمشكلات العالم الإسلامي ،واستخدام المعارف المتخصصة في إيجاد الحلول لها .

 5- تحديد النماذج النمطية المعيارية للسلوك الفردى وللتنظيمات المجتمعية كما تشير إليها المصادر الإسلامية ؛لتتخذ كمعيار تقاس عليه ألوان السلوك الفردى والاجتماعي وأشكال التنظيمات الاجتماعية الواقعية .

وأما من الناحية المنهجية ؛فإنة ليس مطروحا عند أصحاب هذا المناهج الأصولية التي تقوم على استنباط من النصوص ،بل إن الأصل في العلوم الاجتماعية قيامها على الدراسات الواقعية التي تستهدف “الوصف ” تعرفاً على آيات الله في خلقه ،كما تستهدف “التفسير “كشفنا عن سنن الله في مخلوقاته .ولقد أوضح الدكتور فؤاد أبو حطب (1989 )المقصود بذلك ،إذا قال :  

“والتعرف على آيات الله في خلقه على مستوى العلم المتخصص لا يتحقق إلا بالوصف الجيد الدقيق لها ،ومن هنا يحتل الوصف الجيد الدقيق لها ،ومن هنا يحتل الوصف مكانة أولى بين أهداف العلم في الإسلام …والوصف العلمى يعتمد في جوهره على الملاحظة ….وقد تكون الملاحظات مباشرة ….وفي الحالتين تكون المؤشرات القابلة للملاحظة المباشرة التي تستخدم في التسجيل والوصف من نوع معطيات الحس …”(ص 92) ثم يشير إلى أنه إذا كان ” الوصف “الدقيق المحكم هو وسيلة العلم إلى “التعرف على آيات الله , فإن “الكشف عن سنن الله مخلوقاته”يتم  من خلال “التفسير” ،ولكن التفسير يقود بدوره إلى هدفين آخرين هما “التحكم و”التنبؤ” ،وبين أن الإنسان يستخدم …. “في التعرف على آيات الله [ص ص 93 ،96  ،98 ] .وإذا يدرك المؤلف أن ما جاء تحت أهداف العلم “يبدو تلقليدياً ” فإنه يذكر أنه في إطار المنظور الإسلامي “تصبح له صبغة إسلامية “،فالقانون العلمى الذي يتوصل إليه علماء النفس هو بمثابة “محاولة بشرية قد تصيب وقد تحظئ في اكتشاف السنة الإلهية “(ص 98 ) . كما أن العلم في الإسلامي شامل لأمر الدنيا والآخرة – كما يبين المؤلف –وهويتطلب التعلم والتعليم ،والاستعداد للتعلم والقدرة على التعليم من نعم الله على الإنسان ،كما أن العلم عبادة ،ودراسة النفس وتأملها مطلب قرآنى بأمرمباشر من الله تعالى كجزء من الدعوة الصريحة إلى تأمل الكون و”والوجهة الإسلامية” لعلم النفس تطالبنا بأن “نتأمل القوائم التصنيفية والجداول الحالية لهذه الظواهر النفسية في إطار إسلامى ناقد لنتوصل إلى تصنيف يتفق مع ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه الكريم ” (ص 92 ) .

أما عن مناهج البحث ؛فإنه يوضح أنه “بمنطق الإسلام تصبح طرق البحث في علم النفس- إذا توافرت فيها [بعض] الضوابط –مقبولة ،   

ابتداء من منهج الرواية أوالمنهج القصصى ….حتى الاستنباط والتجريب الموضوعى والقياس ،كما تستخدم جميعاً في وقتنا الحاضر”

(ص 94) .ولكن العلم من الوجهة الإسلامية ينبغى أن يتم “استخدامه “وتطبيقه لتحقيق المقاصد الشرعية ؛ليكون العلم عبادة ،فالتعرف على الآيات والكشف عن السنن سبل “لمعرفة الله والوصول إلى عظمته “،ثم إن العلم في الإسلام هو العلم النافع من جهة

 “فائدته المباشرة للناس”،كما أن العلم الإسلامي يتضمن استخلاص مواصفات نموذج السواء ،أو”النموذج القدوة “للسلوك الإنسانى ،كما يجب أن يكون من القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية “(ص 103).

ولا نظن أنه يخفي على صاحب ذلك البحث المنهجى الرصين أن عملية استخلاص مواصفات هذا “النموذج السلوكى الإسلامي “من القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية ،تتطلب ولا شك استخدام المناهج الأصولية التي توجه عملية الاستنباط من النصوص ،وفي هذا دلالة ضمنية على اقترب من يتبعون هذا الاتجاه بدرجة ما من أصحاب الاتجاه الأول ،مما يفتح الباب أمام من ينادون باتجاه تتكامل فيه وجتها النظر بشكل صحى .

وهناك حجة “عملية ” منطقية يشير إليها أصحاب الاتجاه الثانى الذين يرون اتخاذ العلوم الاجتماعية الحديثة كأساس لانطلاقة التوجيه الإسلامي لتلك العلوم ،بنتائجها ومناهجها تملأ الساحة اليوم ،وجيوش الخرجين اللذين يشغلون معظم مواقع العمل في مختلف جوانب الحياة قد تم تعلميهم وفق النموذج التقليدى لهذه العلوم ،وهم يمارسون أعمالهم وفق هذا النموذج ذاته ،ولا يعقل أن نبدأ في محاولة التعامل مع هؤلاء الذين يتخذون القرار اليوم في كل جوانب الحياة عن طريق لفتهم بشدة إلى منطلقات جديدة تماماً عليهم ،وليس من العدل أن نطالبهم بالسير في طريق التأصيل (وفق الاتجاه الأول ) في اتجاهات لم يألفوها ،ويصعب عليهم الارتباط بها معتمدين في ذلك على استثارة مشاعرهم ونخوتهم الدينية ،وإنما مقتضى الإنصاف أن نبدأ تدريجياً من حيث يقفون اليوم ،ومن المصطلحات التي ألفوها ؛لكى ننتقل معهم في الاتجاه الصحيح بما يتمشى مع اتضاح منهج التوجيه الإسلامي وبما يتمشى مع ظهور ثماره .ثم إن أصحاب هذا الاتجاه الثانى يشيرون أيضاً إلى أننا على كل حال لا نبدأ نقد نتائج هذه العلوم الاجتماعية الحديثة ومناهجها من فراغ ،ولكن هذه العلوم قد وصلت تلقائياً – ومن خلال التصحيح الذاتى للعلم – إلى شئ من النقد من الداخل لهذه النتائج والمناهج كما تقدم ،والكثيرون ممن أفنوا أعمارهم في تلك العلوم وتعليمها لديهم الكثير مما يندرج في إطار هذا النقد من الداخل ،وأن من الخير أن ننطلق من مثل تلك البصائر التي تشير – ومن عجب – في كثير من الأحيان إلى ما يقترب من الاتجاهات التي ينادى بها التوحه الإسلامي (ولا نتوقف عندها بالطبع ) ،وصولاً إلى ترشيد تلك العلوم بطريقتها ،وبما ييسر قبول التغيير ،ويتلافي أسباب المقاومة ،فالواقع أن التهجم على العلوم الاجتماعية دون تدقيق أو تمييز يؤدى إلى تردد الباحثين من أهل الجد والرصانة العلمية وتفوقهم عن قبول الكثير مما يمكن أن يقبل لولا ذلك التهجم ،ولقد ظهرت آثار ذلك في البحث المشار إليه آنفاً لشيخ علماء النفس في مصر الدكتور فؤاد أبو حطب الذي بدأه بالفقرة التالية :” لعلنا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن علماً من العلوم الأنسانية أو السلوكية أو الاجتماعية لم يلق في تاريخه ما لقيه علم النفس من غازات الهجوم الضاربة ،وكانت أشد هذه الحملات قسوة وعنفاً في السنوات الاخيرة ،تلك التي صدرت عن فريق من الكتاب الإسلاميين  ….لم يجد هذا العلم إلا قلة من رجاله هم اللذين تصدوا لأعباء الدفاع ،وأقل القليل ….توجهوا لمهام أكثر إيجابية في مجال الإبداع “(ص1 )   .

تعقيب :

لا يعدم من يتابع المناقشة  السابقة أن يستشعر أن كل اتجاه من هذين الاتجاهين المتمايزين قد أصاب جانباً من الحق ،وإن جانبه الحق في بعض ما ذهب إليه المدافعون عنه ،وإذا كنا قد ذكرنا منذ البداية أن هذين الموقفين إنما هما بمثابة القطبين المتباعدين ،فإن علينا  أن نتذكر احتمالات مبالغة أنصار كل اتجاه في إبراز الحجج المؤيدة لموقفه ضماناً لإبراز وجهة نظر وبيانها بقدر كاف من الوضوح ،فإذا أضفنا إلى ذلك أن هذين الموقفين إنما يقعان بالقرب من طرفي مقياس متدرج مزدوج النهايات ،فإن معنى ذلك أنه يندر أن نجد بين الباحثين اليوم من يلتزم بما يمكن ان نسميه بالصورة “النقية” المطرفة لأي اتجاه من الاتجاهين ،والصورة الأكثر احتمالآ أن نجد أن موافق الباحثين تقع في مكان ما بينهما، بحيث تمتزج في تلك المواقف دائمآ عناصر تنتمي إلي كل من الاتجاهين ، ولكن بدرجات متفاوتة. ولعل أحد العوامل الفارقة بين نظر الفرقيقين كما رأينا يتمثل في النتيجة التي توصل إليها كل منهما في تقويمه لنتائج ومناهج العلوم الاجتماعية الحديثة ، فأصحاب الاتجاة الاول يبدون وكأنهم يرون تلك عيوب وسوءاتها ،ولا يكدون يرون فيها خيراً ابداً ،كما يرون أن  ما هو معيب في تلك العلوم متداخل ومختلط بما قد يكون فيها من صواب اختلاطاً شديداً لا يمكن معه عدل الغث من السمين ، ويرون أن السبب في ذلك يرجع إلى الافتراضات الوجودية (الأنطولوجية ) والافتراضات المعرفية (الأبستمولوجية ) التي بنى عليها المنهج والتي تشربت بها النظريات معيبة ،وبالتالى أن كل ما بنى عليها معيب ،وأن اى محاولة لاستنقاذ  أى خير منها محكوم عليها مسبقاً بالفشل . بينما يرى أصحاب الاتجاه الثانى أن في هذه العلوم نضجاً وخيراً كثيراً وأن الغرب قد استخدم نتائجها بنجاح لتحقيق أهدافه وفق تصوراته وأنه يمكن بسهولة عزل العناصر المخالفة للتصور الإسلامي واستبعادها ,ثم استبدالها بما يناسب ذلك التصور ،ويرون في الضبط والاتساق المنهجى الذي تلتزم به الكثير من الدراسات الواقعية نماذج تحتذى لا يمكن أن يفرط فيها إلا غافل .                                       وفي كل من المقالين حق لا مراء فيه كما ذكرنا ،وإن كان في كل شئ كثير من المبالغة ،ويبدوا لنا أن الحق يمكن بين هاتين النظرتين إذا أعرضنا عما فيهما من مبالغة ,وبلغة أخرى فإن الصواب يبدوا لنا في التوازن بين الاتجاهين بشكل إيجابى ،يرى ما في العلوم الاجتماعية الحديثة من خير على حقيقته دون زيادة أو نقصان ،ويرفض رفضاً قاطعاً ما يشوبها من أخطاء ،وإن كان في الوقت ذاته لا يتحرج عن قبول ما قد يكون فيها من خير دون تردد ،ولعل العبارة البليغة التي جاءت على لسان الدكتور سيد أحمد عثمان ضمن فعاليات إحدى الندوات التي عقدت مؤخراً حول التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية أن تكون قريبة من تصوير هذا الموقف من العلوم الاجتماعية المعاصرة ؟ ألا يحتاج أى تأصيل إسلامى للعلوم الاجتماعية لتحديد الموقف وتوضيحه وتفصيله من هذه العلوم المعاصرة ؟ [إن في تلك او العلوم ]من القوة والنضج بقدر ما فيها من الوهن والغرارة ،فما الموقف منها ؟هل نقيم بيننا وبينها –ابتداء حجابا من العداء أو جداراً من الازدراء أو بيداء من الجفاء ،أم نقبل عليها لنتعرف على ما فيها من نضج ،فنفيد منها في إثراء نظرتنا العلمية الإسلامية ،وفي تقويم منهجنا البحثى الإسلامي في العلوم الاجتماعية ،وثم لنكون على بينة مما فيها وهن ،وعلى دراية بما فيها من غرارة ،فنحرص على تعويض مما يمكن تعويضه من وهنها من جانبنا إن كنا نستطيع ،ونعمل على إنضاج ما يمكن إنضاجه منها من جانبنا إن كنا على هذا قادرين ….؟.”     ولعل هذه الدعوة إلى الوسطية والاعتدال والنصفة في النظر إلى الأمور أن تكون أولى بنا ،وأن نكون أولى بها في مواجهة مثل هذه القضية البالغة التعقيد والبالغة الأهمية في آن معاً .إن ما نحن بصدده اليوم لا يقل عن يكون محاولة لاستعادة مسار أمتنا على طريق الحق ،وأن يكون دعوة إلى دعوة معارفنا إلى منهج العلم بمعناه الإسلامي الصحيح … منهج وحدة المعرفة ،المبنية على وحدة الخلق ،المستمدة جميعاً من عقيدة وحدانية الخالق ..منهج البحث عن الحقيقة بحثاً خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى ،فلا يصدنا شنآن قوم على عدم العدل ،ولا يصرفنا صارف على أن نقول الحق ولو على أنفسنا أو الوالدين والأقربين ؛لأننا إن فعلنا نكون الخاسرين في كل من الحالتين ،وسنن الله لا تحابى أحداً ،{ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءاً يحجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ،ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً }  [النساء :123 -124 ] .  هذا هو “الموقف المتوازن “الذي سنحاول الالتزام به ،ونحاول تجلية أبعاده في تحديد خطوط منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية فيما تبقى من هذا البحث

المبحث الثالث   

نحو منهج متوازن للتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية

إن ما نقصده بالمنهج المتوازن الذي نحاول التزامه في هذا المنهج الذي يأخذ من المناهج الأصولية بقدر الحاجة إليها ؛وصولاً للفهم المنضبط لنصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة ،فيما يتصل بشؤون الإنسان والمجتمع ،كما يأخذ من مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة بقدر الحاجة إليها فيما يتصل بفقه الواقع الاجتماعي والإنسانى دون تجاوز أو صدود ،وبهذا يوضع كل من النوعين من المناهج في أفضل موضع يمكننا من إنتاج علم إجماعي إسلامى بالمعنى الصحيح ،أى علم إجماعي واقعى مهتد بنور الوحى وموجه بتوجيهاتها . ولكن هناك عددًا من الأسئلة التي ينبغى طرحها هنا ،وهى :هل سيتم استخدام المناهج الأصولية بنفس أسسها ومنطلقاتها الحالية ؟وهل سيحقق استخدام تلك المناهج الآمال المرجوة منها في إنشاء هذا العلم الاجتماعي الإسلامي ؟وإذا كان ذلك كذلك ،فلماذا لم تنتج تلك المناهج علماً اجتماعياً إسلامياً حقيقياً من قبل هذا كجزء لا يتجزأ من “الفقه ” ،أو أى من علوم الشرعية الأخرى ؟ ومن جهة أخرى هل سيتم استخدام منهج البحث العلمى المستخدم حالياً في العلوم الاجتماعية بنفس أسسه ومنطلقاته الحالية ؟وهل سيحقق ذلك الآمال المرجوة في إصلاح هذه العلوم في ضوء التوجه الإسلامي الصحيح ؟

إن من النوعين من المناهج لإنتاج العلم الاجتماعي الإسلامي سيتطلب تعديلات تجرى في منظور كل منهما إذا اردنا أن نواجه أنفسنا مواجهة صريحة في هذه القضية ،فإذا كنا كما يقول الدكتور طه العلوانى (  1988) :لا نرضى بأن يكون مصدر معارفنا كلها هو “الوجود ” وحده ،كما يفعل علماء الغرب ،وإذا كنا قد انتهينا إلى ضرورة ضم ” الوحى ” ليكون مصدراً الآخر للمعرفة ،فلا بد من منهج يتعامل بكفاءة مع هذين المصدرين من مصادر المعرفة (الوحى والوجود )، وإذا كانت لنا ملاحظات على المنهج الغربى المعاصر للتعامل مع الوجود ،وإذا كانت لنا ايضاً ملاحظات علي منهج الأصوليين ، فإن علينا أن ننظر في هذه المناهج جميعاً لنري ماهو صالح ومايمكن توظيفه منها ، ” وما تحتاجه المساحات الخالية ” لنضيفه إلي تلك المناهج “…. لكي يتكامل عندك المنهج العلمي مع المنهج الأصولي فتسد الفراغ الذي  لم يسد في الظاهرة الاجتماعية والإنسانية ” (ص 49) وسنحاول فيما يلي أن نستجلي أبعاد هذه القضية تمهيداً لعرض منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية المنطق من هذا المنظور في البحث التالي ، بادئين أولاً بالنظر في مناهج علم أصول الفقه ثم ثانياً بالنظر في مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة.

(1) الموقف من المناهج الأصولية :

يحذرنا الدكتور العلواني _ وهو من المتخصصين البارزين في العلوم الشرعية _ من الظن بأن إجراء بعض تعديلات طفيفة علي منهجًا  صالحاً لكل القضايا ، فالظاهرة ” الاجتماعية والإنسانية يستحيل أن نتعامل معها كما نتعامل مع القضية .. فلا يمكن أن ندعو إلي إهمال سائر المناهج والاقتصار علي المنهج الأصولي كما هو وبوضعه الحالي؛ لأنه منهج لن يلبي الحاجة المطلوبة ، وإنما نقول : ما دام لنا مصدران للمعرفة (الوحي والوجود ) فلابد لنا من منهج يجمع بين الاثنين ، بين المنهج العلمي وبين منهج نريده للوحي ، فالأصوليون قرروا هذا المنهج وفيه ما فيه … وكثير من قضاياه قابلة للنقض والأخذ والرد …. ” ولكن من الممكن تطويره ليكون منهجاً للوحي الذي سيتناول ظواهر اجتماعية وظواهر إنسانية (ص 50) .

وقد أوضح الدكتور العلواني ضمن ما عرضه في سلسلة من المحاضرات الهامة التي ألقيت في ستراسبورج (1988) أنه من الصعب مد منهج  أسس في الأصل لمعا لجة الظاهرة الفقهية ، وهي ذات صفة خاصة تتسم بالجزئية في الغالب ؛ لكي يكون صالحاً لمعالجة الظاهرة الاجتماعية أو الإنسانية التي يراد أن تكون معالجتها متصفة بالتعميم ، كما أن الظاهرة الفقهية المطلوب منها أن نتبين الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي {معناه في علم الأصول ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت أو انتفاء } أما الظاهرة الاجتماعية والأنسانية فنريد منها أن نتبين القوانين والسنن وشبكة العلاقات التي يمكن علي ضوئها أن نقيم نظاماً صالحاً … لا أتوقع أن أصول الفقه في وضعه الذي أعرفه  قادر علي أن يستجيب لهذه الحاجة ” (ص 39).    أما عن الملاحظات التي يشير إليها الدكتور العلواني (بطريق النقد _من الداخل _ باعتباره متخصصاً في العلوم الشرعية ) حول منهج أصول الفقه والتي يري أنها تحد من فاعليته في تحقيق المأمول من وراء بناء مناهج العلوم الاجتماعية علي غراره ، فيمكن إجمالها في ثلاثة:

1-أن تعريف الأصوليين للأجماع وبيانهم لحقيقه ” أفقد هذا الدليل معناه “، إذ قالوا: إنه “اتفاق جميع مجتهدى أمة محمد في عصر من العصور على أمر من الأمور ،وهذا أمر يستحيل “تحقيقه ” ،رغم أن الإجماع دليل من أفضل الأدلة ،وقد “كنا نريد أن نستخدمه دليلاً يمكن أن يغطى مساحة من المساحات الخالية ….”(ص 41 ).                                                                                                                                      

2- تجميد العقل وإفقاده أهميته كدليل ؛نتيجة لكثرة القيود والضوابط التي وضعت عليه بسبب ظروف استثنائية نتجت عن انفصال علماء الأمة عن قيادتها السياسة وعدم ممارستهم للحياة الأقتصادية والأجتماعية ،ولما حاولت القيادة السياسية الاستعانة بعناصر فقهية لا تثق فيها الأمة فقد حاولت الأمة الدفاع عن “فقهها وعن تشريعها وعن دينها بأن تقول :إما أن تأتونى بنص من الكتاب والسنة ،وإما من الأمة السابقين …(ص 42)، مما أدى إلى إفقاد العقل المسلم لفاعليته .

3- كما أن الاجتهاد أيضاً قد تمت معاملته معاملة الإجماع ،فشروط الاجتهاد “بالطريقة التي وضعها الأصولين يستحيل [معها ]أن تجد مجتهداً (ص 44) .

ويقرر الدكتور العلوانى أنه لا بد من إعادة النظر في الاجتهاد ؛ ليكون مفهومه ” هو المفهوم الذي ينسجم مع مقاصد الإسلام ،والذي يمكن أن نتعامل به مع الظواهر المختلفة ،آنذاك ربما يكون لدينا فقه من نوع آخر ،ليس الفقه في الأحكام الجزئية الشرعية المعروفة ،وإنما فقه نستطيع أن نسميه فقه الواقع ،فالدراسات الاجتماعية المختلفة تعد نوعاً من الواقع ..”،وينعى الفقيه الناقد في محاضراته القيمة على الفقهاء إهمالهم فقه الواقع واقتصارهم على الفهم اللغوى ،فالحكم الشرعى “خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين [إما  بالطلب ] أو التخيير ،وأن آركان الحكم :حاكم وهو الله سبحانه وتعالى …ومحكوم عليه ،وهو المكلف الإنسان ،ومحكوم به ،وهو الحكم ،…في فقهنا درسنا الحكم وعرفنا الحاكم …ولكن المحكوم عليه الذي هو الإنسان :طبيعته ،قوته ،ضعفه [عندما ]نتحدث عن رفع الحرج ،وعن التكاليف ،وعن سد الذرائع ،وعن المصلحة ،وعن الاستحسان ،هذه كلها لا نستطيع أن نعرفها دون أن نتعرف على هذا المحكوم عليه الذي هو الإنسان فرداً أو أسرة أو دولة أو قيادة ” (ص44) .

ويضيف الدكتور عبد الحميد أبو سليمان ( 1990) في نفس الاتجاه أن ” العقل المسلم والمنهج الأصولى قد قدما للإنسانية تراثاً وفكراً حضارياً غير مسبوق أضاء حلكة الأفق الإنسانى كله ،[ولكن ]مع تعاظم الهوة بين الغاية الإسلامية والالتزام الإسلامي ،ضعف الأثر الإسلامي …[واليوم ]فإن جوهر أزمة هذه الأمة إنما ينبع من الجمود والقصور والتدهور الذي ألم بمنهجية فكرها الإسلامي ،مما أدى إلى تدهور قدراتها …”(ص ص 108 ،113 ) ، ولعل هذا كله يشير من جهة إلى أنه لا صلاح لهذه الأمة إلا بما صلح به أولها ،أى بمنهج أصولى مستجيب بجرأة وفاعلية لحاجات الواقع المتغير ، سائر في حدود التوجيه الإلهى ومنضبط به ،بما لا يترك مجالاً لمساحات خالية من حياة المجتمعات المسلمة تغيب عنها شمس المنهجية الإسلامية الحية ،تملأ بغثاء من إفراز العقول البشرية غير المهتدى بنور الوحى وغير المنضبط بضوابطه .كما أن هذا كله يشير من جهة أخرى إلى حاجتنا الماسة إلى جهود جهابذة المتخصصين في المناهج الأصولية ممن لديهم القدرة والكفاءة ،وممن يدركون هذه الأبعاد الكبرى للقضية ،وممن يستطيعون النظر في الكيفية التي يمكن بها أن تستجيب تلك المناهج للقضايا الكلية الأوسع التي تهتم بها العلوم الاجتماعية ،حتى تتكامل بهذا علوم الإسلام ،بما يخدم الأمة وحاجتها وبما يعينها على النهوض من كبوتها .

 ( 2) الموقف من مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة :لقد لخص الدكتور عبد القادر هاشم رمزى ( 1984 ب) موقف المنهج “العلمى “للبحث في الدراسات الإنسانية وآثار اتباع هذا المنهج (المستمد من مناهج البحث في العلوم الطبيعية ) على المجتمعات الإنسانية تلخيصاً جيداً حين أشار إلى عدم ملاءمة تلك المناهج للدراسات الإنسانية ، وإلى أن هذه الدراسات المنصبة على الإنسان والمجتمع نتيجة لذلك قد “غيرت اتجاهها وطريقتها ،وتشعبت موضوعاتها وفروعها بشكل لم تعد معه إيجابية أو علمية …كما اختلطت فيها الحقائق بالأوهام اختلاطاً جعلها عاجزة عن سد الفجوة الثقافية ،بل جعلها أضعف وسيلة في مجال الحفاظ على توازن المجتمع الإنسانى وإيقاف التراجع الثقافي أمام التفجر المعرفي والتطور التكنولوجى ….”(ص 62) ،وتلك احكام لا يمارى في صدقها ومطابقتها لمقتضى أحوال الأمم اليوم إلا مكابر فالمجتمعات المعاصرة التي قعدت  زمناً تنتظر الهداية في فهم النفس الإنسانية على أيدى أمثال سمجنود فرويد ،وفي تربية أبنائها في ضوء حكمة أمثال دكتور سبوك ،وفي بناء حياتها الاقتصادية والاجتماعية على أيدى أمثال آدم سميث وكارل ماركس لم تؤب على أيدى هؤلاء وقرنائهم إلا بالخسران المبين ، الذي تصرخ به أحوال المجتمعات المعاصرة وما تفيض به حياة الناس فيها من اختلالات ومظالم ،تبدو مظاهرها على مستوى الأفراد ،كما تبدو على مستوى المجتمعات وعلى المستوى الدولى .  وإذا كان هذا النوع الهداية التي تقدمها العلوم الاجتماعية للمجتمعات ،فلا غرور أن يتخذ الكثيرون منها موقفاً رافضاً ،وأن يعيدوا النظر والبحث عن مصادر أصدق للتوجيه الفردى والمجتمعى ،ولكن اما كانت هذه العلوم قد حققت أيضاً بعض النجاحات في العديد من الأمور الجزئية كما قدمنا ،فإنه قد يكون من المفيد لتحديد موقفنا من هذه العلوم ومن مدى إمكان الاعتماد على مناهجها ضمن إطار منهجية التوجيه الإسلامي للعلوم أن ننظر أيضاً في جوانب الضعف أو القصور في تلك العلوم ومناهجها ؛لتلافي هذه الجوانب من الضعف ،واستكمال جوانب القصور ،ضمن منهجية أشمل.

إن باستطاعتنا أن نميز بوضوح عاملين جوهرين يمكن النظر إليها على أنهما من أهم أسباب الضعف والقصور في العلوم الاجتماعية المعاصرة ،يتصل أولهما بالمنهج ،ويتصل الآ خر بطبيعة الظواهر الاجتماعية والإنسانية(ألمحنا من قبل )فأما من جهة المنهج ؛فإنه من العلوم أن الفلسفة الوضعية التي دعا إليها أوجيست كونت وأشاعها ،قد قامت عل نظرة مادية بحتة للوجود وللإنسان ،تعكس التصورات التقليدية لعلم الطبيعة ولفلسفة العلم المرتبطة بها في القرن التاسع عشر ،كما استهدفت في الوقت ذاتة قطع كل صلة للعلوم الاجتماعية بالدين ممثلاً في الكنيسة ؛لإبعاد تأثيرالمعتقدات الخرافية عن مجال العلم ،فل تعترف الوضعية بغير معطيات الحس سبيلاً للمعرفة ،مما أثر في النهاية علوماً اجتماعية تقف على ساق واحدة ، أجتهدت نفسها إجهاداً شديداً في دراسة ما هو مادى بدنى في الإنسان ،وأغفلت – أو تجاهلت الجانب الروحى غير المادى الذي يتمنى إلى عالم الغيب ،فلما أهملت مصدر المعرفة بالغيب ألا وهو الوحى ،فإنها قد ضلت فأضلت أجيالاً متعاقبة من البشر ممن أحسنوا الظن بتلك “العلوم ” ،التي حسبوا أنها على شئ نتيجة لإدعاءاتها المتواصلة ،ولقد أشرنا تفصيلاً في مواضع آخر (رجب ، 1991) إلى أن الاكتشاف العلمية الحديثة في علم الطبيعة على أيدى آينشتاين وهايزبرج قد أطاحت بتلك النظرة المادية التقليدية للعلم ،وإلى أن هذه الاكتشاف قد ترتبت عليها مراجعة جذرية في اتجاهات فلسفة العلوم خلال العقود الأربعة الأخيرة ،مما أسفر عن الوجهة الجديدة في العلم  THE NEW PARADIGM كثورة على الوضعية الإمبيريقية التي لاتزال هى الأساس الفلسفي الذي يقوم عليه ؛بناء العلم التقليدى إلى يومنا هذا .وقد أوضحنا في العلم التقليدى إلى يومنا هذا .وقد أوضحنا في العمل المشار إليه آنفا بأن هذه التطورات الرائعة في مجال علم الطبيعة وعلوم الأعصاب قد أدت إلي فتح المجال من جديد نحو أخذ العوامل العقلية والمعرفية ، بل والروحية في الاعتبار في ضوء هذا ” المنظور الجديد للعلم ” (أو جروس وستانسيو ، 1984) ، وهذا التحول في نظرية المعرفة الحديثة وفي المنهج العلمي الجديد في دراسة الظواهر الإنسانية يفتح الباب علي مصراعيه أمام مشروعية الإفادة من مصادر للعلم متجاوزة لمعطيات الحس ، وهي عندنا ليست شيئاً آخر  إلا  وحي  السماء وهدي الله علي الوجه الذي قامت عليه حضارة الإسلام في عصرها الزاهر الأول ، حيث يمد الوحي الإنسان بالأطر التصورية العامة ، ولكنه يطالب الإنسان في الوقت ذاته باستخدام الحواس والعقل في استكشاف سنن الله في الآفاق في تناغم تام ووحدة كاملة .

وأما من جهة النظر إلي طبيعة الظواهر الاجتماعية الإنسانية ، فإن أخطر الأخطاء التي وقعت فيها العلوم الاجتماعية الحديثة هي الظن بأن دراسة الواقع الفردي أو الاجتماعي أو دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية علي الأشكال والصور التي تتبدي بها في المجتمعات موضوع الدراسة يمكن أن يكون منطلقاً للفهم الموضوعي للإنسان والحياة الاجتماعية ، ويمكن الخلل الخطير في هذا المنطق في التغافل عن قضية المعيارية التي هي جزء لا يتجزأ أبداً من الوجود البشري في كل صوره (وإن لم تكن لازمة لدراسة الوجود المادي , الذي تتعرض له العلوم الطبيعية بالدراسة ).                                                                                                                                                                                        

إننا إذا تأملنا طبيعة الإنسان الفرد من جهة ، وطبيعة المجتمع الإنسانى من جهة أخرى ؛فإننا ندرك على الفور أن من المستحيل بناء علوم اجتماعية على أساس الملاحظة الخارجية والتجربة التي تنصب على ما هو واقع وكائن وحده ؛لأن ما هو واقعٍ وكائن لا يمثل في ذاته ناموساً أو قانوناً اجتماعياً ،وإنما هو يعتبر مجرد وصف لمحصل الاختيارات المحددة التي اختارها البشر تحت ظروف معينة ،ولو أن نفس أولئك البشر قد اتخذوا لهم أطراً مرجعية مختلفة ،فاعتقدوا مثلاً بديانة ،أو التزموا أيديولوجية أخرى لا تخذ واقعهم وما هو كائن فيهم صورة واقعية مختلفة ،وهنا يدخل في الصورة ما ينبغى أن يكون – أى العنصر المعيارى يكون كل شئ مساوياً لكل شئ ..وليس هذا إلا العقيدة الصحيحة ( وليس أى عقيدة ،فالقضية ليست نسبية موحدة ترد كل شئ إلى مصدر كل الخير في هذا الوجود وترتبط به سبحانه جل شأنه ) التي يكون بمثابه القطب الشمالى للبوصلة الذي تنسب إليه كل الاتجاهات فيصبح لكل شئ معنى بعد أن كان لا معنى له في ذاته .                                        

فإذا كان المولى سبحانه وتعالى قد عرفنا أنه قد خلق الإنسان قادراً على السير في أى من الاتجاهين {ونفس وما سواها ،فألهمها فجورها وتقواها }[الشمس  :8] فكيف يمكن لنا أن نتخذ من ذى الاتجاهين (أو بالأخرى ذى الاتجاهات ) أساساً يقاس به نفسه إلى نفسه ؟ إن هذه النسبية المطلقة التي تترتب لا محالة على الأخذ بالتوجهات الحالية للعلوم الاجتماعية  لهى ولا شك أساس للضياع الذي تعانى منه البشرية اليوم في حضارة تعتبر نفسها “حضارة العلم “…ولا يقصد أصحاب التسمية بذلك فقط العلم الطبيعى ،بل أيضاً العلم الاجتماعي ،ولكن المولى جل شأنه أبت حكمته أن يتركنا هملاً دون هدى أو رشد ،فالآيات الكريمة لتلك التي حددت تلك الطبيعة الأصلية المتكافئة للإنسان ،تأتى لتبين لنا مباشرة ماهية القطب الشمالى ،أى المعيار الذي يمكن بالقياس إليه تحديد الاتجاهات {قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها } [الشمس :9 ،10] وطريق التزكية بعد ذلك موضح تفصيلاً في آيات الكتاب الكريم والسنة الصحيحة ،وعليها يقاس السلوك الفردى معيارياً ،وبها يتحدد الاتجاه .

ونفس النتيجة نصل إليها بمراجعة الموقف على المستوى المجتمعى ،فالعلوم الاجتماعية أيضاً تزعم أنها تقوم بدراسة ما هو كائن وواقع في المجتمعات البشرية ،ولكنها أيضاً لا تملك نقطة بداية – لا تملك قطباً شمالياً تقاس إليه بقية الاتجاهات – فهل يمكن والحال كذلك أن تصل تلك العلوم إلى نتيجة ذات بال ؟ يقول الدكتور عبد القادر رمزى (  1984 ب) في تقويمه للنظريات التفاعلية في علم الاجتماع (وهى لا تختلف في هذا عن غيرها من نظريات علوم المجتمع )”إنها لا تطرح أية وجهة نظر من خارج المجتمع ،بل هى تتلمس الأحوال والأوضاع الاجتماعية ،وتستنتج بعض الاستنتاجات المشروطة بهذه الأوضاع والأحوال وتسميها قوانين التفاعل الاجتماعي ،وتواصل الدراسة والاستنتاج والتعميم على مختلف المجتمعات .ولكن الرؤية الإسلامية – نظر وعملا – تقوم على ما ترسمه الرسالة الإسلامية التي تضع دعائم المجتمع ،وتصبغ مكوناته الأفكار والمشاعر والأنظمة والناس والقيادة “الدولة “بالصبغة المهتدية ،وترسى قواعد الأفكار والعلاقات والمعاملات …في حركة متسامية متجهة نحو تحقيق استخلاف الإنسان في الأرض …”(ص 222) .

ويضيف الدكتور رمزى أن المنظور أن المنظور الإسلامي في إطار هذا الفهم إنما يتمثل في بلورة مكونات المجتمع في ضوء النصوص ،واستخلاص المفاهيم الأساسية المتعلقة بالعملية الاجتماعية التربوية التي يفترض أن تجسد منهاج الرسالة الإسلامية ، أي أن تكون العملية هداية للمجتمع وللفرد ، …..  وعليه فإن الرؤية الإسلامية لا تنشغل أو لا تهتم بتشريح عمليات التفاعل في المجتمات غير المهتدية ، بل ينصب  اهتمامها علي رعاية الإيمان وعلي عملية الهداية وما  يتعلق بهما ،كما أنها لا تأخذ من المجتمع ما ترفعه به إلي مستوي الاهتداء دون أن يكون ما يريده هذا المجتمع أو ما يرتضية أو ما يعيشه مقياساً أو مصدراً للأخذ ” (ص 222) .

وفي ضوء التحليل السابق يتبين لنا أن منهجية العلوم الاجتماعية الحديثة وإن كانت لازمة بالضرورة كأحد المكونين الرئسيين لمنهجية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،إلا أن هناك تعديلات جوهرية لا بد من إحداثها في تلك المنهجية وفي النظرية المعرفية التي تستند إليها إذا أرادنا لها أن تحقق ما هو متوقع منها من فائدة في بناء علم إجماعي إسلامى صحيح ،وأول تلك التعديلات يتمثل في إفساح المجال لدراسة عالم الغيب المتضمن في الجانب الروحى للإنسان بالرجوع إلى المصدر الأساسى للمعرفة فيه ألا وهو الوحى دون الاقتصار التقليدى على عالم الشهادة وعلى شهادة الحواس ،وأما ثانيها :فيتصل بالنظرة إلى طبيعة الإنسان والمجتمع الإنسانى من حيث إنهما – بطبيعتها – لا تجدى فيهما دراسة ما هو كائن وحده ،وإنما لا بد لفهم سلوكهما من تعدى ذلك إلى الانطلاق من بعد معيارى ، بشرط  أن يكون لهذا البعد المعيارى صدق تجاوزى  transcendent  ،أى أن يكون مصدره مصدراً متعالياً عن البشر،وأن يكون سند وصوله إلينا سنداً صحيحاً موثوقاً بعيداً عن التزييف والتحريف .

وتتبقى قضية أخيرة :هل يعنى تأكيدنا على الجانب المعيارى باعتباره جوهر معنى الحياة النفسية للأفراد والحياة الاجتماعية للمجتمعات أن نبالغ في الأمر ،حتى ينكر البعض أنه توجد في الوقت ذاته أوجه للانتظام  regularities في حياة الأفراد والمجتمعات يمكن دراستها دراسة وصفية وصولاً إلى تعميمات تنطبق على واقع الناس بصرف النظر عن الإطار المعيارى الذي تمارس الحياة الفردية أو الاجتماعية في ضوئه ؟ الحق أنه لا يمكن إلا لمكابر أن ينكر وجود تلك الانتظامات في السلوك الفردى والتنظميات المجتمعية (التي لا يمكن بدونها أن توجد حياة إنسانية منظمة ،ولا يمكن بدونها أن أيضاً فهم تلك الحياة ) فالتعميمات التي توصلت إليها العلوم السلوكية حول الوظائف العقلية كالإدراك والتذكر والتعلم ،وكذلك التعميمات التي توصلت إليها العلوم الاجتماعية مثلاً حول عمليات الاتصال والتأثير الجماعى ،تعبر عن مثل هذه الانتظامات ،ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو عن مدى الأهمية النسبية والقيمة الحقيقة لدراسة مثل هذه الانتظامات التي تظهر كثيراً ولا شك في ألوان مختلفة من السلوك الفردى والمجتمعى ،والتي يمكن بالفعل دراستها دراسة وصفية تقريرية واقعية ؟

إننا إذا أمعنا النظر في هذه الانتظامات التي تمتلئ كتابات العلوم الاجتماعية بالإشارة إليها على أنها هى بؤرة اهتمام الدراسة فيها ،لوجدناها لا تخرج في حقيقة الأمر عن مجموعة من الآليات أو المكانزمات ذات الطبيعة المحايدة التي يمكن استخدامها وتوجيهها ؛لتحقيق ما يختاره الناس من خير أو شر ،ولكن مشكلة العلوم الاجتماعية المعاصرة أنها تشير إلى تلك الآليات على أنها تمثل الصورة الكلية للحياة البشرية ؛بسبب ما هو ملاحظ من تداخلها المطرد في كل جوانب السلوك الفردى أو المجتمعى  ،ولكن هل يمكن لمن يفهم هذه الآليات أو الميكانزمات وحدها دون أى صلة بالأنساق المعيارية المحملة فوقها أن يفهم كلية الحياة البشرية ؟إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن إلا أن تكون بالنفي القاطع .إن المجتمعات البشرية لا يمكن أن تنحصر توقعاتها من العلوم الاجتماعية في الوقوف عند تلك الآليات أو الميكانزمات المحادية وحدها مهما بدا لذلك من وجاهة علمية شكلية ،ولكنها تنتظر أن تساعدها تلك العلوم على فهم السلوك الفردى والتنظيمات المجتمعية وإضفاء المعنى عليها بما يعين على تحقيق أهداف الإنسان ،ولقد كان مقتضى الأمانة العلمية أن تضع العلوم الاجتماعية الصورة كاملة أمام تلك المجتمعات ،وأن تبين الحجم الحقيقى والقيمة الحقيقية للجوانب الوضعية من تلك العلوم ،فتضعها موضعها الصحيح،وتضع المجتمعات أمام مسؤوليتها فيها يتصل بخطورة اختياراتها ،فيما يتعلق بالجوانب المعيارية،ولكن الأمر قد جاء العكس من ذلك ،حيث أسهمت “نظريات “العلوم الاجتماعية بشكل نشط في تسريب الأطر المعيارية التي اختارتها وفق الظروف التاريخية والجغرافية التي أثرت على تكوينها – وهى اطر إلحادية مادية عند معظم مؤسسى تلك العلوم كأوجيست كونت وإميل دور كايم – إلى حياة الناس تحت ستار العلم الوصفي التقريرى الذي يصف ويحلل ما هو كائن بشكل موضوعى محايد …!!   

التكامل بين المنهج الأصولى والمنهج العلمى الاجتماعي :

لقد انتهينا فيما سبق إلى أن منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية يقوم على جناحين ،هما :استخدام المنهجية الأصولية (في صورة أكثر سعة ) ،ومنهجية العلوم الاجتماعية الحديثة (في صورتها المعدلة ) ؛وصولاً إلى علم إجماعي إسلامى ناضج ،بحيث تنصب الدراسة في تلك العلوم على الوجود الإنسانى الكلى الذي يضم عناصر تنتمى إلى عالم الغيب ،كما يضم عناصر تنتمى إلى عالم الشهادة ،وتتكامل فيه مصادر المعرفة لتشمل الوحى ،كما تشمل معطيات المشهادة الحسية ،وكذا عمل العقل (المنضبط بضوابط الوحى ) ،ولكن السؤال المهم الآن هو كيف أن يتخذها والتي يمكن أن ينطلق منها المشتغلون بالتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية فيما يبذلونه من جهود لتطوير وبلورة أبعاد هذا العلم الاجتماعي الناضج الذي نصبو إليه ؟  

لقد قدمنا في غير هذا الموضوع (رجب ،1991)(1993، ragab) محاولة لوضع استراتيجية لإيجاد التكامل المنهجى بين حصيلة ما نستنبطه من المصادر الشرعية باستخدام المناهج الأصولية ،وبين ما نتوصل إليه من الدراسة الواقعية للظواهر الإنسانية باستخدام مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة ،ويمكن لمن شاء الرجوع إلى تلك المصادر تفصيلاً ،ولما كنا أيضاً قد تعرضنا في ثنايا المباحث السابقة لبعض جوانب متفرقة تتصل بالموضوع ،فإننا سنكتفي في هذا المقام بتلخيص الأسس العامة التي نظن أنها تحقق هذا التكامل كأساس لمنهجية موحدة للتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية .

إن الصعوبة الرئيسية التي تقابل الباحث في أسس التكامل بين مناهج ونتائج تنتمى – لظروف تارخية – إلى ما يشبه عالمين مختلفين (عالم العلوم الشرعية ،وعالم العلوم الاجتماعية )إنما تكمن في معيار الصدق  المطبق في كل منهما ،فمعيار الصدق في العلوم الشرعية يتمثل في صحة الاستنباط من النصوص باستخدام منهج أصول الفقه ،أما معيار الصدق وفقاً للمنهجية العلمية الاجتماعية فهو مطابقة النتائج لما يشهد في الواقع المحسوس باستخدام الملاحظات والتجارب .

ولعل أول خطوة لتقريب هذه الفجوة بين المنظورين تتمثل فيما سبق أن أشرنا إليه من ضرورة توسيع نظرة كل من المنهجين لحدود وجوهر رسالته ،بحيث يتجه علم أصول الفقه لإعطاء مزيد من الاهتمام لما كان في الماضى يعتبر من الأصول الفرعية الأقل أهمية ؛كالاستحسان والمصلحة المرسلة بما يمكن من تخطى “النظر الجزئى إلى النظر الكلى …[في ضوء ]ما تمليه روح الشريعة “(أبو سليمان ،1990:ص 109) وذلك يساعد على تغطية المساحات الخالية التي تتصل بالأمور الاجتماعية والسياسية التي تهم الناس ؛في الوقت الذي يتجه فيه المنهج العلمي للبحث في العلوم الاجتماعية إلي إعطاء مساحة أوسع لدراسة النواحى الروحية والاعتقادية في تأثيرها على سلوك الأفراد وتنظيم المجتماعات ،مع تحظى النزعة الإمبيرقية الحسية وتجاوزها إلى الآفاق الأرجب للنظر للإنسان في كليته ،والنظر للواقع الفردى والاجتماعي في إطار النظرة المعيارية المنطلقة من التصور الموحد .

أما بوتقة التكامل بين النوعين من المناهج فإنها تتمثل في أنشطة “بناء النظرية “في العلوم الاجتماعية التي ينبغى أن تتم على أسس جديدة قديمة في آن معاً !فالحظ الذي التزمنا – والذي نعترف هنا بالانحياز إليه عن قصد – هو أن التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية لا يتطلب في حقيقة الأمر هدم كل ما سبقه والبدء من جديد ،بقدر ما يتطلب النظر الناقد في ما هو متاح ومقبول ومتعارف عليه في المناهج والإجراءات والضوابط القائمة أولاً ،فإن وجد فيها ما يغنى فبها ونعمت ،وإن وجدت بحاجة إلى إصلاح جزئى فلا بأس بذلك أيضاً ،أما إن لم يوجد فيها ما يصلح على الإطلاق فهنا وهنا فقط يكون المسوغ الحقيقى للبدء من نقطة الصفر دون تردد أو التفات إلى الوراء .

فإذا نظرنا في بناء النظرية من المنظور التقليدى بعين الإنصاف ،فإننا سنجد أن الأسس التي يقوم عليها تنتمى إلى الفئة الثانية المذكورة أعلاه ، بمعنى أن في تلك الأسس خيراً كثيراً ،ولكنها مع ذلك بحاجة إلى عدد من الإصلاحات الجوهرية ؛لكى تصبح قادرة على استيعاب المنظور الإسلامي القائم على التكامل بين الوحى والعقل والحواس ، فمن المعلوم للكافة أن بناء النظرية العملية في العلوم الاجتماعية يقوم على المكونات الآتية :

1- عدد من المشاهدات المحققة أو الحقائق العلمية ا  facts  observations- الجزئية التي تم التوصل إليها من خلال إجراء البحوث الواقعية (الإمبيريقية )من خلال إجراء البحوث كوسيلة وحيدة للوصول إلى المعرفة العلمية .                                                                                                         

2- عدد من التعميمات الواقعية (الإمبيرقية ) empirical  generalizations التي هى عبارة عن “علاقات ذات طبيعة عامة بين حقائق تم التحقق من صدقها بالمشاهدات الواقعية ..؟”

(  p130 : 1969  Theodorson &Theodorson  )

  -3 تفسيرات تربط بين تلك الحقائق والتعميمات الواقعية (الإمبيريقية ) برباط منطقى ،برباط منطقى ،وينبغى أن يلاحظ أن “تفسير المشاهدات يستهدف ربط المشاهدات الحالية بالسابقة أو حتى بوقائع أو علاقات افتراضية ..”( ( Ibid  p 213.

ويتفق من كتبوا في مجال “بناء النظريات “العلمية على الدور الهام الذي يلعبه خيال الباحث في التوصل إلى هذه التفسيرات بما يؤدى إلى إضفاء المعنى على الحقائق الجزئية والتعميمات المتفرقة؛ لكى نصل إلى فهم الظواهر ،فروبرت دوبن مثلاً يقرر أن “كل النماذج النظرية إنما هى محاولة تخيلية من جانب المنظر ؛ لإعادة بناء شريحة من العالم المشاهد ،بهدف فهم ذلك القطاع المختار من العالم المحيط به ..فالخيال البناء يزيد من قدرة الإنسان على فهم العالم المشاهد “(  Dubin 1978 :p 216 221)                                                   .

ولكن هل معنى ذلك أن النظريات “العلمية ” تستمر طويلاً في الاعتماد على التخمين وعلى خيال الباحث إلى ما نهاية ؟إن الخط الرسمى الذي تلتزمه العلوم الاجتماعية الحديثة في الرد على هذا السؤال هو بالنفي بطبيعة الحال ،ولكنك إذا سألتهم كيف إذن يبنى علم على ظن وتخيل ؟فإن الرد الحاضر دائماً هو أن الباحثين يقومون – بعد إدخال هذة التفسيرات المبنية على خيال الباحث – بطريقة منظمة باستنباط فروض تستمد من تلك الأطر التفسيرية التي تضمنها النظرية لكى يتم اختبارها في أرض الواقع المحسوس (الإمبيريقى ) ، فغذا ثبت صدق هذا الفروض – أى مطابقة مضمونها للواقع – فإنها تتحول إلى مشاهدات محققة أو حقائق علمية ،وبهذا تزداد الثقة في النظرية وفي الأطر التفسيرية التي تضمنها إلى قانون علمى (وإن كان استخدام اصطلاح القانون لا زال إشكالياً إلى اليوم في العلوم الاجتماعية ) ،وأما إذا لم تثبت صحة الفروض فإن الثقة في النظرية وفي أطرها التفسيرية تتناقص ، ويجرى تعديلها بحيث تستوعب النتائج المحققة (الحقائق /المشاهدات )ولا تناقضها .

ومنهجية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية لا تحتاج إلى هدم هذا الفهم العام لبناء النظرية العلمية الاجتماعية ،ولكنها تقدم تحسينات جوهرية عليه في مواضع ثلاثة أساسية :

1- بدلاً من الاعتماد على خيال الباحث أو على مجرد التخمين وحدهما في الوصول إلى أطر تفسيرية تضم الحقائق ( أو المشاهدات المحققة ) إلى بعضها لتعطيها معنى ،فإن التصور الإسلامي يقدم أطراً تفسيرية مستنبطة وفق ضوابط المنهجية الأصولية من الكتاب والسنة ،ولأن هذه الأطر مستنبطة من مصدر يقينى هو الوحى ،فإنها تكون ولا شك أرقى من مجرد الاعتماد على خيال الباحثين ،ثم لأنها تتضمن استنباطاً واجتهادًا بشرياً ستظل خاضعة للاختيار لضمان الصدق الواقعى للاستنباط .

2- بدلاً من الاعتماد في اختبار الفروض على ما يسمى بالواقع المحسوس (الإمبيريقى ) وحده ،فإن اختبار الفروض في التصور الإسلامي سيكون في الواقع الشامل Total Reality الذي يضم ما هو محسوس وما ليس محسوساً في ذاته بسبب انتمائه إلى عالم الغيب ،(وهذا بطبيعة الحال يتطلب استخدام طرق غير مباشرة في مشاهدة نتائجه وآثاره ) .

3- يتم استنباط الجوانب المعيارية الموجهة للسلوك الفردى وللتنظيمات المجتمعية بالاعتماد على المصادر الشرعية باستخدام المناهج والقواعد الأصولية العامة ،بما يضمن أفضل اقتراب ممكن من تحقيق مقاصد الشريعة ،وتعتبر هذه الجوانب المعيارية مكملة ومتممة وموجهة للأطر النظرية التي تنطلق منها العلوم الاجتماعية المؤصلة إسلامياً ،سواء تم اختبارها ،أو حتى دون أن يتم اختبارها إذا كانت قد روعيت في استنباطها الضوابط الصحيحة في الاستنباط ،وينبغى أن نراعى هنا ما هو متعارف عليه من أن ما هو معيارى بطبيعته لا يمكن اختباره في ذاته بالرجوع إلى الواقع ؛لأنه مبنى على التفضيل والاختبار.

المبحث الرابع

الإجراءات المنهجية للتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية

في ضوء ما تقدم فإننا سنقوم في هذا المبحث بمحاولة لترجمة منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية إلى مجموعة من الإجراءات أو الخطوات أو العمليات المحددة التي يمكن للباحث أن يسير في ضوئها حال سعيه لتأصيل أحد موضوعات العلوم الاجتماعية أو حتى أحد فروعها ،ويلاحظ أن تناولنا للموضوع سيكون منطلقاً مما أسميناه “بالمدخل المتوازن “في النظر إلى منهج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية ،كما يلاحظ أننا نقصد – كلما كان ذلك ضروريا – إلى صياغة بعض ” القواعد “التي ننطلق منها ،ثم لنقدها أو الإضافة إليها بما يعين على وضوح الرؤية أمام الجميع ،وسيتم تناول الموضوع من خلال العناصر التالية :

(1) اختيار الإطار المرجعى الذي ينطلق البحث في البداية من مفاهيمه .

(2) الاستنباط من المصادر الإسلامية .

(3) الاستفادة من نتائج العلوم الحديثة .

(4 ) إيجاد التكامل المنشود بين الأطر التصويرية الإسلامية وبين النتائج الممحصصة المستمدة من العلوم الحديثة .

(5 ) اختبار وتطوير النظريات الموجهة إسلاميا ً.

وفيما يلى نتعرض لكل من هذه العناصر بشئ من التفصيل في حدود ما يسمح به المقام .

أولا:اختبار الإطار المرجعى الذي ينطلق البحث في البداية من مفاهيمه

يواجه الباحث في المراحل الأولى للتفكير في بحثه قضية مبدئية هامة ينبغى عليه اتخاذ قرار بشأنها عندما يبدأ العمل ،ألا وهى :هل يبدأ بحثه منطلقاً من مفاهيم العلوم الشرعية ومصطلحاتها ؟وذلك بصرف النظر عما يكون في المراحل التالية بالضرورة من التكامل بينهما .

فعلى سبيل المثال هب أن متخصصاً في الخدمة الاجتماعية انتوى القيام بدراسة يحاول فيها استجلاء أبعاد موضوع كالرعاية الاجتماعية Social Welfare في ضوء المنهج المتوازن للعلوم الاجتماعية على الوجه الذي بيناه فيما سبق ، فإنه سيسأل نفسه هل يبدأ بحثه من المفاهيم الحديثة المألوفة في محيط المتخصصين في مهنة الخدمة الاجتماعية ،فيستخدم في البداية مثلاً اصطلاحات كالرعاية الاجتماعية ، برامج الرعاية الاجتماعية وظائف الرعاية الاجتماعية ،تمويل الاجتماعية ..، ثم يمضى قدماً في تقسيم كل موضوع من تلك الموضوعات إلى عناصره بنفس الطريقة ،بحيث يستخدم كل اصطلاح بنفس المفهوم المشتق من الإطار المرجعى الغربى ،اعتماداً على أن المهم هو المحتوى الذي يوضع في كل فئة من تلك الفئات ،وهو محتوى سيتضمن في نهاية المطاف المضمون الإسلامي إلى جانب ما صح من التصورات الحديثة لمهنة الخدمة الاجتماعية ..وهكذا ؟

أو إنه سيرى أنه فعل فسيكون بذلك قد وقع – دون أن يقصد – أسيراً لفئات الفكر الغربى ذاته ،المنطلقة من افتراضاتة الوجدية والمعرفية (الأنطولوجية والإبستمولوجية ) ،ويكون قد كبل نفسه بقيودها دون وعى منه ؟ وهل كان الأفضل أن يبدأ مباشرة بمفاهيم ومصطلحات إسلامية ضاربة بجذورها في التصور الإسلامي بدلاً من ذلك ؟ فيستخدم مثلاً مفاهيم كالتكافل الاجتماعي أو البر بدلاً من الرعاية الاجتماعية ،ومفاهيم موارد الزكاة ومصارفها والصدقات والهبات بدلاً من مفهوم التمويل ،ومفاهيم حقوق الوالدين الطاعنين في السن وحق الضعيف مثلاً بدلاً من خدمات رعاية المسنين ؟

وفي كل الحالات ستثور لدى الباحث تساؤلات مكملة عن مدى صحة نقطة البدء التي اختارها مثلاً اصطلاح “الرعاية الاجتماعية “فمن أن الإسلام يتوقف عند حد مفهوم “الرعاية ” ،إن نظرة الإسلام للعلاقات بين المسلمين …أفرادهم وجماعاتهم ،قويهم وضعيفهم …هى نظرته إلى الأجزاء في “جسد واحد “، وقد يكون مفهوم “الرعاية الاجتماعية “الذي نبت عند غيرنا يعتبر قمة الرحمة في المجتمعات المادية ،ولكنه لا يكون كافياً في مجتمع مسلم يعيش التصور الإسلامي الصحيح …وهكذا ،ومن جهة أخرى فإن الباحث إذا اختار مفهوم “التكافل الاجتماعي ” أو “البر “مثلاً فإنه لا بد أن يسأل نفسه عن علاقة هذا المفهوم بالمفاهيم المقابلة (أو التي تبدو له كذلك ) في التصور الغربى مثل مفهوم الاعتماد الوظيفي المتبادل هى integration  Functional  interdependence أوغيرها ..،وتلك كلها أسئلة لها وجاهتها ،وقد يعنى التعامل الواعى معها الفرق بين الانعتاق من القيود الفكرية المستقرة في العقول وبين العبودية الفكرية التي لا ينتج منهما شئ أصيل ،ولكنه قد يعنى أيضاً الفرق بين فكر إسلامى ناضج صحيح وبين التجنى ومراهقة الفكر وعدم التروى .

وعموماً ،فإننا سنقوم فيما يلى بتلخيص الجوانب المختلفة للموضوع في ضوء المثال السابق ،حيث نبين باختصار المبررات التي يستند إليها كل من الخيارين المطروحين ،ونوضح التحفظات على كل منهما ،ثم نوضح الطريق العلمى الواجب اتباعه في المراحل التالية – أيا كان الخيار الذي يفضله الباحث في البداية :

الخيار الأول : اتخاذ الفئات والتصنيفات المستمدة من العلوم الاجتماعية الحديثة كنقطة بداية للبحث :

1- المبررات : البدء من نسق من المفاهيم والمصطلحات المألوفة والمتفق على تعريفاتها بين الباحثين المتخصصين .

2- التحفظات : الانزلاق إلى تبنى الأطر المرجعية للعلوم الحديثة دون وعى بمخاطر ذلك على عملية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية.

الخيار الثانى : اتخاذ الفئات والتصنيفات المشتقة من الألفاظ القرآنية ،أو من منطوق الأحاديث النبوية ،أو من تصنيفات العلماء المسلمين المتقدمين كنقطة بداية للبحث :

1– المبررات :

أ- المصطلحات هنا تكون أقرب للإطار التصورى الإسلامي .

ب – المفاهيم مصدرها الأصلى يقينى (خصوصاً تلك المستمدة من النصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت )بعكس المصطلحات ذات المصدر البشرى البحث .

2- التحفظات :

أ- التعسف في تحميل الألفاظ القرآنية أو النبوية من المعانى ما لا تحتمل أو ما لا يقصد منها .

ب- صعوبة الربط في المراحل الأولى من العمل بين المفاهيم والمصطلحات الشرعية والمصطلحات المستمدة من الإطار المرجعى الغربى المألوف لدى الباحثين .

ج-الكتابة الموسوعية ذات الطابع الدعوى عند كثير من علماء المسلمين ،وصعوبة ترجمتها إلى أنساق تصنيفة محددة قابلة للاختيار الواقعى .

وعلى أى حال ،فأيا كان الإطار المرجعى المتخذ كنقطة للبدء ،فإن الباحث ينبغى عليه أن يقوم في المراحل التالية لذلك الاختيار الأولى بالمراوحة الدائمة والترداد المستمر بين كل من الإطارين المرجعيين (تصنيفات العلوم الحديثة – التصنيفات المستمدة من المصادر الشرعية ) على أن يتم ذلك بوعى شديد ،وبإدراك كاف للتحفظات السابقة ،ودون تعسف ،مع ترك الباب مفتوحاً دائماً لمراجعة الأنساق التصنفية والمفاهيم في ضوء كل تقدم يحرزه الباحث في الفهم والربط ،وفي ضوء كل استبصار جديد يسفر البحث عنه ،

ويتطلب ذلك :

)1)  الانتباه إلي أي شعور بعدم التساوق بين مجموعة المفاهيم المستقاة من العلوم الغربية أو العلوم الشرعية ، فتلك علامة علي الحاجة إلي إعادة فحص الأطر المرجعية الأصلية التي بدأ الباحث منها وإعادة الاختبار بين المفاهيم .

(2)الانتباه إلي وجود فجوات بين المفاهيم بمعني وجود مساحات من الظواهر التي لم يفلح نسق المفاهيم المستخدم في تغطيتها  ، وعجز الإطار المرجعي عن تغطية كافة فئات الظاهرة بشكل مقبول .

(3) التحلي بالجرأة العلمية علي تجاوز الأنساق التصنيفية التقليدية في العلوم الاجتماعية كلما ظهر سبب جوهري وأصيل يدعو لذلك ، بشرط إمكان تبرير ذلك منطقياً دون تعسف أو تجن (اعدلوا هو أقرب للنقوي ){المائدة:8}.

(4) التخلي عن إغراء “الاقتصار ” علي الأطر المرجعية المستمدة  من كتابات الإسلاميين لما توحي به من اتصال مباشر بعملية التوحيه “الإسلامي” للعلوم دون رجوع لما قد يكون مفيداَ من إسهامات العلوم الحديثة .

(5) التخلي عن التوجس أو النفور من استخدام المصطلح الحديث كراهية لأصله ، ويمكن في المراحل الأولي وضع المقابل الإسلامي بين قوسين _والعكس بالعكس – إلي حين التوصل إلي لغة مشتركة متفق عليها بين معظم الباحثين .

ثانياً:الاستنباط من المصادر الإسلامية

(قاعدة رقم 1: يتطلب التوجية الإسلامي لأي موضوعات العلوم الاجتماعية وضوحاَ أولياً لدي الباحث فيما يتصل بالأطر العامة والمسلمات الأساسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع والكون والحياة بصفة عامة ، باعتبار أن هذه المسلمات الوجودية (الأنطولوجية ) والمعرفية (الإبستمولوجية )تحدد إلي حد كبير ، بل وتكاد تحسم الاعتبارات المنهجية (الميثودولوجية ) التي ينبغي أن يلتزم بها الباحث في بحثه لأي موضوع جزئي ) إن الدراسة المنظمة التي تستهدف بلورة الرؤية الإسلامية  لأي موضوع متخصص من موضوعات العلوم الاجتماعية لتتطلب القيام بالإجراءات الآتية (حسب الاستطاعة )في ضوء نوع ومدي المعرفة السابقة  للباحث بمصادر العلوم الشرعية ومناهجها :

(1) البحث المنظم والواعي عن الألفاظ والتعبيرات المتضمنة في الآيات القرآنية ، أو في الأحاديث النبوية الصحيحة ، والتي يبدو للباحث أنها ترتبط بالظاهرة موضوع البحث ، أو إلي بعض جوانبها ، بشكل مباشر ، ويمكن التقاط الإشارات إلي تلك الألفاظ القرآنية والحديثية الملائمة من خلال :

1- مراجعة المكانز الإسلامية المتخصصة التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة ، والتي تحوي حصراً لمصطلحات التخصص مع مايمكن أن يقابلها في الاصطلاح الإسلامي .

2-الرجوع إلي الجهود التأصيلية السابقة التي قام بها الشتغلون بالتخصص.

3-الرجوع إلي الكتابات الإسلامية العامة ، خصوصاً ما اتصل منها بما أصبح يعرف بالثقافة الإسلامية ، والتي تنظر في كليات الإسلام ، ومن هنا تكون أقرب لتقديم الأطر التصورية التي يستفيد منها المشتغلون بالتخصص.

4-الإفادة من كتابات علماء الإسلام المتقدمين ممن اشتهروا بنظراتهم النفسية والاجتماعية ، ويمكن الاستعانة في هذا الصدد بالأدلة المتخصصة التي تمد الباحثين بإشارات مختصرة إلي مثل تلك الكتابات ،  مع جهود لتحليلها وربطها بما يمكن أن يقابلها في المصطلح الحديث .

5-القراءة المنظمة للقرآن الكريم , والنظر في الأبواب والفصول الملائمة من صحاح السنة , للبحث المستقل من جانب الباحث نفسه عن الألفاظ القرآنية والحديثية المتصلة بالموضوع , أو اكتشاف الآيات والأحاديث المتضمنة للمعني باستخدام ألفاظ أخري مع رصد تلك الألفاظ .

(2)حصر جميع المواضع التي استخدمت فيها تلك الألفاظ والتعبيرات القرآنية والنبوية التي تم التقاطها ، وذلك باستخدام معجم ألفاظ القرآن الكريم ومعجم ألفاظ الحديث ؛لكي نضمن ألا تفوتنا أي إشارات لتلك الألفاظ دون قصد .

(3) الكشف عن معاني الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي وردت تلك الألفاظ في سياقها رجوعاً إلي كتب التفسير والشروح المعتمدة ، ويمكن الاستعانة في هذا الصدد بالكشافات المتخصصة لآيات القرآن الكريم وللأحاديث النبوية الشريفة ’والتي تضم مختلف التفاسير والشروح للنصوص المتصلة بكل موضوع من موضوعات التخصص , والتي بدأت  في الظهور في السنوات الأخيرة .

(4)الاستناد إلي مجموعة الأفكار الواردة في تلك التفاسير والشروح لا ستنباط المفاهيم والقضايا التي تصف أو تفسير موضوع الدراسة أو تضع الضوابط المعيارية عليه, وذلك عن طريق الربط المنطقي والمنظم بين المعاني المستمدة من تلك التفاسير والشروح ، ومن الواضح أن هذا الربط المنظم سيقوم علي أساس استخدام القواعد المنطقية للانتقال من المقدمات إلي النتائج , وهو بطبيعة الحال يتضمن اجتهاداً بشرياً من جانب الباحث , ولكن من الضروري أن نشير هنا إلي ضرورة إلمام الباحث بالقواعد الأصولية والقواعد اللغوية المتعارف عليها في فهم النصوص ؛ضماناً لعدم التجاوز عند محاولات الربط ولالستنباط .

(5) في حالة شعور الباحث بإمكان استعياب نصوص الآيات أو الأحاديث لمعان ومضامين أخري غير تلك التي وردت في شرح وكتابات المقدمين ، فقد يمكن للباحث المتمكن في فنه والمتمكن في الوقت نفسه من منهجية العلوم الشرعية استنباط معان وأفكار جديدة للنصوص ، ولكن هذا الأمر لا يجوز إلا بمبررات ، كما أن عليه ضوابط ومحاذير :

1– المبررات:

أ- حدوت معارف محققة جديدة لم تكن معرفة في زمن المفسرين والشراح المقدمين حول ظواهر ووقائع تتسم بالثبات النسبي .

ب- ظهور حوادث وظواهر جديدة تتطلب تجلية “التصور الإسلامي ” الذي يحكمها .

2– الضوابط:

أ-العلم بمناهج البحث المعتمدة في العلوم الشرعية  – ولو في حدها الأدنى المقبول  .

 ب- التطبيق الدقيق لمناهج البحث المعتمدة في العلوم الشرعية للاستنباط من النصوص أو الجمع بينها ,وخصوصا ما اتصل منها بالقواعد الأصولية الواجب مراعاتها في الاستنباط من النصوص وفهمها {أمثلة :العبرة بعموم اللفظ بخصوص السبب – العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل على تقييده – العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره – صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضى الوجوب والمبادرة بالفعل إلا لدليل يخرجه عن ذلك فيصير إلى الندب أو الإباحة – لا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلابدليل صحيح أي قرينة (العثيمنين ،1986)}وكذا القواعد الفقهية الكلية {من أمثلتها :الأمور بمقاصدها – اليقين لا يزول بالشك – المشقة تجلب تيسير – الضرورات تبيح المحظورات – الضرورة تقدر بقدرها – الحاجة تنزل منزلة الضرورة – لا ضرر ولا ضرار – درء المفسدة أول من جلب المنافع – يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام – يختار أهون الشرين – الضرر لا يزال بمثله – التصرف علي الرعية منوط بالمصلحة – لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع عليه –الأصل في الأشياء الإباحة (جمال الدين عطية ، 1988).

ج- عرض النظر الجديد في النصوص ، علي المتخصصين في العلوم الشرعية للتأكد من درجة دقة متابعته للأصول المرعية في تلك العلوم في الفهم الذي توصل إليه لتلك النصوص .

3– المحاذير:

أ- الحذر من الاستنباد إلي الخواطر أو “النظرات الشخصية “البحتة في كتاب الله أو أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم ؛ لأن النظرات الشخصية لا يمكن أن تلزم إلاصاحبها .

ب- تجاوز النزعات “الرمزية ” والصوفية التي تستهوي البعض ؛ لأن العبرة في العلم هي بالمعارف القابلة للتعمير ، ولأن كل خروج عن هدي المصطفي صلي الله عليه وسلم في فهم كتاب الله إلي تهويمات الصوفية وأشباههم لا يمكن أن يؤدي إلي خير .

ج- تجاوز النزعات اللفظية والتحليلات اللغوية تتبع “الغريب ” من الاستخدامات القاموسية وتتشبث بها (دون منطق راشد ) في تفسير الآيات والأحاديث .

د- ومن جهة أخري فإن من الضروري الابتعاد عن المسارعة في تفسير الألفاظ بتفسيرمجازية ما دام منطوقها يوحي بمعني مباشر مقبول – وعند التحير أو التردد فإن النزاهة العلمية تتقضي التوقف إلي أن يفتح المولي بما يجلو الموقف أمام الباحثين .

ح- الحذر من الوقوف في العلوم الاجتماعية عند إسهامات الفقهاء ذات الطبيعة الحكمية (إصدار الأحكام علي الوقائع ) أو الاكتفاء بذلك والاستعاضة به عن النظر الإيجابي التفصيلي في شؤون الحياة الاجتماعية الذي يكون موجهاً ودافعاً للفعل وللوقائع لتحقيق مقاصد الشرعية ؛ لأن هذا النظر فيما يدفع واقع الحياة إيجابياً – في إطار الشرعية – يقع علي عاتق العلوم الاجتماعية بمفهومها الصحيح , وكما يقول الدكتور طه العلواني (1988) فإن ” الفقه من شأنه أن ينظم حضارة قامت ,  لكن أن بنشيء أو يوجد حضارة فليس الأمر كذلك ؛ لأن الفقه عبارة عن ضبط لوقائع ونوازل تكون قد حدثت , وبيان وجه الحق أو الصواب فيها من عدمه ” (ص37).

(6)- تحديد معالم التصور الإسلامي المبدئي لموضوع الدراسة في ضوء ما سبق ,  وفي ضوء المسلمات الوجودية (الأنطولوجية ), والمعرفية (الأبستمولوجية ) , والمنهجية (الميثودوجية ) الإسلامية .

(7)- عرض التصور المبدئي الذي تمت بلورته في جمله علي المتخصصين في العلوم الشرعية من ذوي التفهم لقضايا العلوم الاجتماعية وذوى التعاطف مع قضايا التوجيه  الإسلامي لتلك العلوم , وذلك “لاختبار ” درجة  مطابقته للفهم الشرعي الصحيح بوجه عام .

(8)- إجراء التعديلات المناسبة علي ذلك التصور في ضوء أوجه النقد التي يبديها المتخصصون في العلوم الشرعية , خصوصاً تلك التي يتفق عليها أكثر من واحد من أولئك المتخصصين , تحسباً للاحتمالات القائمة دائماً لوجود اختلافات في الرأى بين ذوى الاجتهاد.

(9)- صياغة إطار تصورى متماسك – بقدر الإمكان – يمكن استخدامه في تحقيق الأغراض الآتية :

1- ليكون معياراً يتم نقد إسهامات العلم الحديث في ضوئه .

2- ليكون إطاراً نظرياً يمكن أن يتخذ أساساً الحقائق الجزئية (كما سنرى فيما بعد ) .

ثالثاً :الاستفادة من نتائج العلوم الحديثة

(قاعدة رقم 2 :إن أى جهود تبذل لاستنباط الرؤية الإسلامية لموضوع ما اقتصاراً على المصادر الشرعية وحدها لا تعد بذاتها “توجيهاً إسلامياً للعلوم الاجتماعية “بالمعنى الإصلاحي ،وإنما تعتبر بحثاً في العلوم الشرعية أو في الدراسات الإسلامية (في المرحلة الحالية التي لا زال الانفصال فيها قائماً بين المجالين )أما التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية فإنه يتطلب إلى جانب ذلك :

أ- استثمار ما صلح من معطيات العلوم الاجتماعية التفصيلية في الموضوع وإدماجه في نسق معرفي متكامل تحت مظلة التصور الإسلامي.

ب – تعريض حصيلة هذا التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية للاختبار الميدانى في أرض الواقع ،والتصحيح المستمر لتلك الحصيلة في ضوء نتائج الاختبار الواقعى .

قاعدة رقم 3 : يتطلب حسن الاستفادة من نتائج العلوم الاجتماعية الحديثة في إطار التوجيه الإسلامي لأى قضية جزئية من جزئيات التخصص وعياً واضحاً بالمسلمات المعرفية والمنهجية الموجهة “لذلك التخصص ” بأسره ،مع المراجعة المنظمة والمتأنية للمصادر الأساسية لذلك التخصص ،سواء من حيث النتائج أو المناهج أو الظروف التاريخية التي أثرت في تطورها جميعاً حتى وصلت إلينا على الوجه الذي نعرفه اليوم ،وذلك قبل الانتقال إلى التناول النقدى لإسهمات العلم في الموضوع المحدد المراد توجيهه إسلامياً .

(1) حصر النظريات والتعميمات والقضايا والمفاهيم والمصطلحات المتصلة بالموضوع في الكتابات العلمية المتخصصة التي تمثل الوجهة السائدة في فهم الموضوع  The paradigm بكافة اتجاهتها ، مع الوعى بالمنطلقات التي تنطلق وبأصولها الفكرية قدر الاستطاعة .

( 2) بذل الجهد خاص لاستقصاء وجهات النظر النقدية والآراء “المنشقة “والمخالفة لتلك الوجهة السائدة والثاثرة عليها ،حتى وإن كانت لا تزال دائرة في فلك الحضارة الغربية المعاصرة ؛لأن الوجهات النقدية والآراء المنشقة عادة ما تكشف عن المسلمات الضمنية التي تكمن وراء الوجهة السائدة بما يعنينا على تجنب مواطن الزلل إن سلمنا بما يبدو بريئاً وغير محمل قيمياً وليس كذلك على الحقيقة .

( 3 ) إلقاء نظرة نقدية فاحصة على كل من الوجهة السائدة والتوجهات المنشقة ،وذلك في ضوء السابق التوصل إليه .

(4 ) استثمار الآراء النظرية المنشقة (التي أظهرت الخبرة أنها في حالات كثيرة تمثل رد فعل للاتجاهات المادية والاختزالية التي اصطبغ بها العلم الحديث في توجهه السائد ) إلى المدى الذي تصل إليه – ودون التوقف عنده بطبيعة الحال – طالما أنها تخدم التصور الإسلامي وتسير في اتجاهه (ذلك أنها في أغلب الأحوال تتوقف عند نقطة معينة لا تقوى على تجاوزها بسبب ارتباط تلك الآراء بالثقافة التي نبتت فيها ) .

(5) فرز المفاهيم والتعميمات والأطر النظرية وغربلتها في ضوء ما سبق ،واستبقاء ما يتمشى منها مع التصور الإسلامي ،واستبعاد ما بنى منها على مسلمات خاطئة .

(6) يراعى الحذر من التسرع باختيار إحدى النظريات التي يرى الباحث أنها “الأكثر اقتراباً “من التصور الإسلامي تبينها باعتبارها نمثل نهاية المطاف للتوجيه الإسلامي ؛لأن مثل هذا الاختيار يتجاهل عادة المسلمات التي بنيت عليها مثل تلك النظرية ،والتي قد تختلف بشكل جوهرى عن المسلمات التي يقوم عليها التصور الإسلامي .

قاعدة رقم 4 :بعض مكونات العلوم الحديثة أقرب بطبيعتها للاستفادة منها في إطار النظرة الإسلامية من بعضها الآخر ،ومثال ذلك آليات العمليات النفسية والاجتماعية ،وطرق التحليل المنهجى المنظم للقضايا والمشكلات ،وأدوات التدخل المهنى ،ولكن مما ينبغى ملاحظته أن الخطأ الذي يشوب الاستفادة من تلك الآليات أو الأدوات في المنظور الغربى التقليدى إنما يمكن عادةفي الإطار العام الذي يحكم استخدامها ،والذي يكون عادةً ناقصاً ومختزلاً وبحاجة إلى إعادة النظر .

رابعا : إيجاد التكامل المنشود بين الأطر التصورية المستمد من العلوم الحديثة

(1) إعادة ترتيب وإعادة تفسير المشاهدات المحققة (الحقائق والتعميمات الإمبريقية) المستمدة من الكتابات العلمية الحديثة في ضوء :

1- الأطر التصورية الإسلامية التي تم التوصل إليها .

2- الأطر النظرية المستبقاة من تراث العلم الحديث بعد ثبوت اتساقها مع التصور الإسلامي .

(2) الأطر النظرية المستبقاة من تراث العلم الحديث بعد تبويب اتساقها مع التصور الإسلامي .

تسمح باستخلاص فروض علمية تقبل الاختبار الواقعى ،وهذا جهد إنشائى أو بنائى يقوم على الانتقال المنطقى من المقدمات إلى النتائج بطريق صحيح ،ويسمح في الوقت ذاته باستنباط نتائج أخرى مشتقة منها ،وهكذا (انظر الأمثلة في مقال المنهج العلمى للبحث من وجهة إسلامية : (إبراهيم رجب ،1991) .

(3) إن كون هذه النظرية العلمية الموجهة إسلامياً “علمية ” يعنى :

1- أن صدق هذه النظريات ليس أمراً مسلماً به أساس قبلى prior ،وأن درجة صدقها تتوقف دائماً على ما يسفر عنه “اختبارها “في الواقع

2- أنه لا يتصور التوصل إلى تلك النظريات مع جهل بإسهامات العلوم الاجتماعية أو تجاهل لها .

(4) إن كون هذه النظريات “موجهة إسلامياً “يعنى :

أ- هيمنة التصور الإسلامي وإعطائه “أولوية مطلقة “في تفسير المشاهدات الجزئية المحققة ،وفي توجيه الفروض العلمية ،وذلك في حالة عدم وجود أطر تصورية تفسيرية منافسة ذات بال .

ب- في حالة وجود أطر تفسيرية منافسة:فإن التصور الإسلامي يعطى “أولوية نسبية “على الأطر المستمدة من الاجتهاد البشرى المحض ،لزيادة احتمال الصدق في التصور الإسلامي المشتمل على ما يزيد عن الاجتهاد البشرى الذي هو قدر مشترك بين النوعين من الأطر .

خامسا :اختبار وتطوير النظريات الموجهة إسلامياَ :

قاعدة رقم 5:النظريات “العلمية ” المتخصصة الموجهة إسلاميا وإن استمدت مسلماتها وأطرها العامة من التصور الإسلامي إلا أنها ليست في نفسها وحياً منزلاً ، وإنما هى مشتملة بالضرورة على اجتهادات وأنظار بشرية ضمن مكونتها الرئيسية ،وذلك من جهتين :

1- أن التصور الإسلامي الموجه لتلك النظريات وإن بنى على آيات الكتاب الكريم وعلى الأحاديث الصحيحة ،فإن الاجتهاد البشرى للباحثين يدخل في عملية البناء هذه من عدة طرق :

أ- الاختيار من بين الآيات أو الأحاديث (عن وعى ،أو بدون قصد ) لما يظنه الباحث متصلاً بموضوعه .

ب – الاختيار من بين التفسيرات المختلفة الواردة في كتب التفسير المعتمدة للنص الواحد .

ج- الجهد الذي يبذله الباحث في “الربط “بين الآيات والأحاديث التي يراها متصلة بموضوع بحثه .

وهذه الاجتهادات لا تعدو من وجهة النظر العلمية أن تكون “فروضاً “تستحق الاختبار في أرض الواقع .

2- أن المشاهدات الواقعية المحققة (الحقائق العلمية في الاصطلاح التقليدى ) التي تحويلها نظريات العلوم الاجتماعية إنما تم التوصل إليها من خلال دراسات وبحوث ومحاولات بشرية للاقتراب من الحقيقة إلى أقصى قدر مستطاع ،ولكنها معرضة في الوقت ذاته للتأثر بقصورنا البشرى الذي يتبدى أساسا في ضعف الإجراءات المنهجية وفي قصور عمليات القياس ) .

يترتب على تلك القاعدة أن اعتبارات العلمية الحقة تتطلب إخضاع نتائج التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية للاختبار الميداني الواقعي ؛ حتي نتمكن من التحقق من صحة استنباطاتنا البشرية التفصيلية ,وحتي يمكن الاحتفاظ للعلم البشري بخاصية التصحيح – الذاتي المسلم بأنها وراء كل علم صحيح فيما يخرج عن نطاق الوحي المنزل اليقيني , وتتضمن عملية الاختبار ما يلي :

(1) استنباط فروض مستمدة من النظريات “العلمية ” الموجهة إسلامياً , والتي تم التوصل إليها من خلال الخطوات السابقة (يلاحظ أن اختبار كل فرض خزئي إنما هو الوقت ذاته اختبار للنظرية كلها بدرجة ما ).

(2) اختبار تلك الفروض في الواقع بمعناه الشامل total reality  الذي يضم ما هو محسوس قابل مباشرة للمشاهدة الحسية , كما يضم ما ليس محسوساً , وإن كان يمكن مشاهدة آثاره بطريقة غير مباشرة ’ ويتطلب ذلك بالطبع بذل جهود كبيرة لا بتكار أدوات للبحث ذات حساسية كافية لا ختبار هذا النوع الأخير من الظواهر , (ويلاحظ وجود بدايات جيدة في هذا الطريق عند أصحاب التوجه الجديد  the new paradigm من رجال مناهج البحث من الغربيين أنفسهم )’ وعلي سبيل المثال فقد قام ريزون وروان reason & rowan , 1981 بجمع عدد من الإسهامات الحديثة في مجال طرق وأدوات البحث المنطلقة من هذا التوجه , والتي تبدو ذات فائدة كبيرة للمشتغلين بالتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية , خصوصاً ما يطلق عليه منهجية البحث بالمشاركة participative research , المنهجية الباطنة  endogenous research  , المنهجية الخبراتية ,experimental methodogies , المنهجية الحوارية research dialogical وغيرها من المنهجيات والأدوات التي تنظر في الجوانب الداخلية للخبرة الإنسانية الذاتية ؛ توصلاً إلي تعميمات موضوعية , وذلك كبديل لمنهجيات الملاحظة من الخارج بزعم الموضوعية دون إمكان الوصول إلي الحقيقة الداخلية أبداً .

(3) إذا ثبتت صحة الفروض (أو إذا فشلنا في رفضها .. بلغة الاختبارات الإحصائية) فإن ثقتنا في النظرية الموجهة إسلامياً تزداد.

(4) إذا لم تثبت صحة الفروض فإنه يكون من الضروري القيام بالخطوات الآتية علي الترتيب :

1- مراجعة الإجراءات المنهجية المستخدمة في البحث , وخصوصاً ما اتصل منها بإجراءات القياس ؛ للتأكد من عدم الوقوع في أخطاء جوهرية , وللتأكد أيضاً من عدم استخدام تقريبات غير كافية من النموذج المثالي لتصميم البحث أو اختبار العينة ….. إلخ.

2- إذا ثبت أن الإجراءات المنهجية صحيحة تماماً (وهو أمر شديد الندرة , بل قد يراه البعض مستحيلاً في العلوم الاجتماعية )فإن علي الباحث مراجعة “استنباطاتة ” من المصادر الشرعية , وخصوصاً ما اتصل منها باختبار النصوص واختيار الشروح ’ وما اتصل بضم تلك النصوص والشروح إلي بعضها , للتعرف علي مصدر الخطأ أو التجاوز , ثم تعديل الإطار التصوري في ضوء ذلك .

(5) في كل الأحوال فإنه يتم إعادة إجراء البحوث replica للتأكد من ثبات النتائج , وذلك في حالة ثبوت صحة الفروض , والاستمرار في إجراءات بحوث جديدة بهدف إعادة تقدير الموقف بعد تعديل الإجراءات المنهجية أو تعديل الأطر التصورية (وذلك في حالة رفضها ).

قاعدة رقم 6 : لما كان الكون من خلق إله واحد , وهو سبحانه وتعالي , أيضا منزل الوحي , فإنه لا يمكن تحت أي ظرف أن يوجد تناقض بين مشاهدات محققة واقعياً وصادقة وبين أي نص شرعي يقيني الثبوت .

خاتمة

(1) بالرغم من أن العرض السابق لمكونات أو إجراءات عملية التوجيه الإسلامي للعلوم  الاجتماعية قد يوحي بوجود نوع من التسلسل الزمني أو الترتيب المنطقي لتلك الخطوات , إلا أن هذا ليس أمراً لازماً , فواقع الأمر أن تفكير الباحث في كل خطوة أو جانب من السابقة يندر أن يتم في معزل عن التفكير في الجوانب والخطوات الأخري , ويلزم التنبيه هنا إلي أن ثراء عملية التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية وتشابك جوانبها يتنافي بطبيعتة مع مثل ذلك التفكير الخطي الذي قد يتصور معه إمكان السير في خطوات متتابعة آلية .

(2) بنبغي النظر إلي النموذج المعروض في المبحث الاخير على أنه إنما يقدم مؤشرات إلى الطريق الذي تسير فيه عمليه التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية “بصفة عامة ” ،ولم يقصد منه قيام أى باحث منفرد باستيفاء جميع العناصر والمكونات والإجراءات المشار إليها في كل عملى يقوم بإنتاجه ،ومن المتصور أن يقوم أى باحث بخدمة جانب أو عنصر ، أو مرحلة أو اكثر – كلياً أو جزئياً – في أحد ،وهكذا ،ولكن بالشروط الآتية :

1- أن يكون ذلك العمل قابلاً للاندماج مع غيره في المنظومة الكلية للجهود التأصلية ،وعلى الباحث أن يشير بنفسه إلى نقاط انطلاقه وصلتها بما قبلها (عند مراجعة أدياب الموضوع ) ،وإلى نقاط انتهائه وصلتها المتوقعة بما بعدها (عندما يشير إلى البحوث المستقبلية ) .

3- أن يلتزم الباحث في عمله بالشروط والضوابط العامة لعملية التوجيه الإسلامي على الوجه الذي فصلناه في المباحث السابقة .

(3) إن النموذج المطروح في المبحث الأخير لا زال يشير إلى الاتجاهات العامة ويتحمل الكثير من التفصيل والتحديد ،والهدف من عرضه على هذا المستوى من التجريد أمران :

1- فتح الطريق أمام حوار علمى يرشد هذا التوجه العام ويصحح مساره .

2- تطبيق ما يصح من هذا النموذج – بعد تمحيصه وترشيده – من خلال جهود تأصيلة واقعية تملأ فراغاته ،وتثرى بالتفصيلات عمومياته

(4 ) من الواضح أن على الباحثين المتخصصين في العلوم الاجتماعية ممن يريدون أن يسهموا بشكل فعال في جهود  التوجيه الإسلامي لتلك العلوم عليهم أن يعيدوا تعليم أنفسهم ؛ لاكتساب أكبر قدر مستطاع من العلوم الشرعية , خصوصاً ما كان منها منطلقاً للتوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية؛  حتي تكون إسهاماتهم جادة وصحيحة من جهة , وحتي يكتسبوا ثقة وتعاون المتخصصين في العلوم الشرعية من جهة أخرى بما يؤدى بإذن الله إلي تضافر الجهود نحو توحيد العلم الإسلامي في ضوء التصور الإسلامي الواحد .

(5) وإذا كان البعض قد يتوهم أن الإلمام بالحد الأدني المطلوب من تلك العلوم أمر مستحيل علي المتخصص في العلوم الاجتماعية , فلعل مما يدعوه للاطمئنان أن يرجع إلي ما ذكره الإمام الرازي في مصنفه (المحصول في علم أصول الفقه ) ليري أنه يهون الأمر , إذ إنه علي سبيل المثال يقدر الحد الأدني المطلوب من تلك العلوم بوجود تصنيف معتمد في كل فن يمكن الرجوع إليه عند الحاجة , مع القدرة علي الاطلاع عليه عند الاحتياج إليه وليس حفظه (راجع : الإسنوي , 1981: ص ص 44-45).

(6) وفي الخاتمة فلعله من المفيد أن نُذَ كٌر هنا بأن ثمرة التوجيه الإسلامي للعلوم الاجتماعية لا يمكن تحصيلها إلا بإخلاص النية لله  عز وجل في طلب هذا العلم العظيم , وبالثقة في معونته جل وعلا لمن وجه وجهه إلي الله وهو محسن , فهذا العمل ليس حرفة تحترف أو مهنة تمتهن علي الوجه الذي اعتدناه في إطار التصور الغربي للوظائف والمهن , وإنما هو أولاً وقبل كل شئ طاعة وقربة إلي الله عز وجل , وهو واجب نحو الأمة التي بدأت تتداعي الأكلة عليها  تداعي الأكلة إلي قصعتها , عسي أن يكون إصلاح فكر الأمة ومنهجيتها أساساَ في إصلاح أحوالها وإقالتها من عثرتها , والله يقول الحق وهو يهدى السبيل, وهو نعم النصير.

__________________________________

*  البحث منشور في مجلة المسلم المعاصر. العدد 80 (مايو- يونية- يولية 1996) ص ص. 9- 66.

المراجع العربية

(1) آرنولد ، السير توماس (1896) الدعوة إلى الإسلام ، ترجمة د . حسن إبراهيم حسن وزملائه ( القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ،1970)

(2) أبو حطب ،فؤاد (1989) نحو وجهة إسلامية لعلم النفس بحث قدم في “ندوة علم النفس ” التي نظمها المعهد العالمى للفكر الإسلامي بالقاهرة .

(3) أبو سليمان ، عبد الحميد (1990) قضية المنهجية في الفكر الإسلامي ، بحوث ومناقشات المؤتمر العالمى الرابع للفكر الإسلامي ، الخرطوم ، المعهد العالمى للفكر الإسلامي .

(4) أبو سليمان ، عبد الحميد (1992) أزمة العقل المسلم (الرياض : الدار العالمية للكتاب الإسلامي ) .

(5) الإسنوى ، جمال الدين ، المتوفي 772هجرى ( 1981) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول ، تحقيق د . محمد حسن هيتو ،ط 2 . بيروت : مؤسسة الرسالة ) .

(6) بدرى ، مالك ( 1987) علم النفس الحديث من منظور أسلامى ، بحث قدم لمؤتمر قضايا المنهجية في العلوم السلوكية ، المعهد العالم للفكر الإسلامي ، الخرطوم .

(7) خضر ، أحمد إبراهيم ( 1991أ) ” هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع ؟” ، البيان ، العدد 45 ، ص ص 19-27

(8) خضر ،أحمد إبراهيم (1991ب) “هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع ؟، البيان ، العدد 46 ، ص ص 37 -43 .

(9) خليل ، عماد الدين (1990) مدخل إلى إسلامية المعرفة (المعهد العالمى للفكر الإسلامي ) .

(10) رجب ، إبراهيم عبد الرحمن (1991) المنهج العلمى للبحث من وجهة إسلامية ندوة التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، المعهد العالمى للفكر الإسلامي للخدمة الاجتماعية ، المعهد العالمى للفكر الإسلامي بالقاهرة .

(11) رجب إبراهيم عبد الرحمن (1992) “مداخل التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية ، المسلم المعاصر ، العدد 63 ، ص ص 43- 79

(12) رمزى ، عبد القادر هاشم ( 1984 أ) النظرية الإسلامية في فلسفة الدراسات الاجتماعية التربوية (الدوحة : دار الثقافة )

(13) رمزى ، عبد القادر هاشم (  1984 ب) الدراسات الإنسانية في ميزان الرؤية الأسلامية (الدوحة : دار الثقافة )

(14) العثيمين ، محمد صالح ( 1986) الأصول من علم الأصول (بيروت :مؤسسة الرسالة )

(15) عطية ، جمال الدين (1987) التنظير الفقهى (القاهرة .مطبعة المدينة )

(16) عطية جمال الدين (1988) النظرية العامة للشريعة الإسلامية (القاهرة مطبعة المدينة )

(17) العلوانى ،طه جابر (1988) :إسلامية المعرفة ،محاضرات دورة استراسبورج (المعهد العالمى للفكر الإسلامي بالقاهرة ) .

(18) عيسى ، محمد رفقى ( 1986) ” نحو أسلمة علم النفس ” ، المسلم المعاصر ، العدد 46 ،ص ص  31- 56 .

(19) الفاروقى ، إسماعيل راجى ( 1980) ” صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية ، المسلم المعاصر ، العدد 20 ،  ص ص 35- 41 .

(20) الفاروقى ، إسماعيل راجى ( 1982) ” أسلمة المعرفة ” ، المسلم المعاصر ، العدد 12 ،ص ص 15 – 44 .

(21) المبارك ، محمد (1977) ” نحو صياغة إسلامية لعلم الاجتماع “، المسلم المعاصر، العدد  12 ،ص ص  15- 44 .

(22) المختارى ، أحمد (1985) ” نحو علم إجتماع إسلامى “، المسلم المعاصر ، العدد 43 ،ص ص 39- 54 .

(23) مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية (1407)  ندوة التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية : أوراق العمل ،الرياض

(24) مركز البحوث بجامعة الإمام محمد بن مسعود الاسلامية (1993) مفهوم التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية ، تعريف معروض على الندوة التي عقدت حول مفهوم التأصيل الإسلانى للعلوم الاجتماعية الرياض .

(26) نجاتى ، محمد عثمان (1990) ” منهج التأصيل الإسلامي لعلم النفس ” ، المسلم المعاصر ، العدد 57، ص ص 21- 45 .

(27) يالجن ، مقداد ( 1993 أ) أهم معام منهج التوجيه الإسلامي للعلوم ، ورقة غير منشورة .

(28) يالجن ، مقداد (1993 ب) مفهوم التأصيل  الإسلامي للعلوم الاجتماعية ، ورقة مقدمة إلى ندوة مفهوم التأصيل الإسلامي ، ذى الحجة 1413 ، عماد البحث العلمى – جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية – بالرياض .

شاهد أيضاً

النيوليبرالية ونظام السوق والعولمة

أ. مهجة مشهور في بداية التسعينات من القرن العشرين حدث تحول كبير في الواقع الدولي …

التاريخية هل هي مدخل للاجتهاد في النص أم للخروج على النص… نموذج نصر حامد أبو زيد وقضايا المرأة

التاريخية هل هي مدخل للاجتهاد في النص أم للخروج على النص… نموذج نصر حامد أبو زيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.