أخبار عاجلة
الرئيسية / الدراسات والأبحاث / عروض كتب / سنن العمران البشري في السيرة النبوية

سنن العمران البشري في السيرة النبوية

العنوان: سنن العمران البشري في السيرة النبوية.

المؤلف: عزيز البطيوي*.

الطبعة: ط. 1.

مكان النشر: فيرجينيا.

الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

تاريخ النشر: 2018.

عدد الصفحات: 647 ص.، 24 سم.

الترقيم الدولي الموحد: 0-649-56564-1-978.

سنن العمران البشري في السيرة النبوية

يخوض الكاتب الدكتور عزيز البطيوي مغامرة بحثية جادة وضرورية تفتقدها الساحة البحثية الأكاديمية، حيث يسعى من خلال صفحات هذا الكتاب -الذي كان في الأصل أطروحة تقدم بها لنيل درجة الدكتوراه في وحدة المناهج العلمية لدراسة السيرة النبوية بكلية الآداب في جامعة ابن زهر بالمملكة المغربية- إلى استنباط مجموعة من سنن العمران البشري من خلال القراءة التاريخية الدقيقة في جزئيات السيرة النبوية، ومن ثم الصياغة العلمية لهذه القواعد، ونظرًا لكون الكتاب في أصله أطروحة لنيل درجة الدكتوراه فإنه عبارة عن دراسة أكاديمية رصينة يظهر فيه الجهد البحثي العلمي والاهتمام بالتأسيس النظري، فالباب الأول من الكتاب وهو ما يقرب من نصف الكتاب عبارة عن وضع أسس معرفية ومنهجية ونظرية لموضوع السنن بشكل عام، ثم يأتي الباب الثانى ليخوض في غمار السيرة ويستنبط منها سنن العمران بشكل تطبيقي.

يقدم للكتاب أستاذين من أساتذة كلية الآداب بجامعة ابن زهر، وهما الدكتور مصطفى بن عمر المسلوتي والدكتور عبد الواحد الإدريسى، ثم تأتي مقدمة الكاتب التي يوضح فيها أسباب ودواعي اختيار موضوع الكتاب، ويقسمها الكاتب إلى دواع منهجية تتعلق بحاجتنا اليوم إلى فقه السيرة النبوية كمنهج ومرجعية، ثم دواع علمية ومعرفية تتعلق بشح الدراسات التي تتناول البعد السنني العمرانى في دراسة السيرة، وأخيرًا دواع حضارية تتعلق بضرورة بناء وعي جديد يتجاوز القصور في الفقه السنني لدى أصحاب المشاريع الإصلاحية والقيادات الفكرية للأمة حتى تقف الأمة على علل الهزيمة الحضارية وأسبابها ومن ثم تتجاوز ما تواجهه من تحديات من خلال الاستهداء بأنوار السيرة النبوية.

الباب الاول

مدخل لدراسة سنن العمران البشري

الفصل الأول: دلالة لفظي “السنن” و”العمران”

في القرآن والحديث والاصطلاح العام

يسعى هذا الفصل إلى الكشف عن دلالة لفظي السنن والعمران من خلال الدلالة المعجمية لكلا اللفظين والوقوف على أصلهما الاشتقاقي، وكذلك الدلالة الاصطلاحية لهما، حيث أشار الكاتب إلى أن جُل المفسرين القدامى في تفسيرهم للفظ السنة في القرآن لم يحيطوا بالمعنى الاجتماعي والحضاري له، باستثناء إشارات من بعضهم كابن تيمية الذي ركز على البعد الاجتماعي التاريخي للسنن، في المقابل كانت بعض التفاسير المعاصرة أكثر وضوحًا في تناول مفهوم السنة في هذا الإطار مثل تفسير “المنار”، “التحرير والتنوير”، “في ظلال القرآن”، و”تفسير الميزان”.

ثم ينتقل الكاتب إلى تعريفات المعاصرين ويعلق على كل تعريف، ويخلص الكاتب إلى أن هناك تعريفات نظرت إلى السنن على أنها وحدة ومنظومة تتداخل فيها عناصر تتكامل فيما بينها، وفي المقابل هناك من نظر إليها على أنها أجزاء مفصولة عن بعضها، أما من حيث النظر في خصائص السنة فهناك خاصية الثبات والإطراد والعموم والنفاذ، ثالثًا من حيث النظر إلى أقسامها يذكر الكاتب أن هناك من ميز في تعريفه بين السنن الكونية والسنن الاجتماعية، وهناك من أفرد السنن بالطابع الاجتماعي دون الطابع الكوني المادي.

 السنة في القرآن الكريم والحديث: في هذا السياق يذكر الكاتب مواطن ورود لفظ السنة ومشتقاته وصيغه المختلفة في القرآن الكريم وفي الحديث وذلك للوقوف على دلالة هذا الورود.

ففي القرآن الكريم يبين الكاتب أن مصطلح السنة يحضر حضورًا مركزيًا، وقد ورد بصيغته الصريحة فقط في ست عشر موضعًا، كما أن نسبة حضوره في القرآن المكي مساوية لنسبة حضوره في القرآن المدني، وهو ما يعكس بوضوح أن لمفهوم السنن أبعادًا عقدية وحضارية ورسالية، ويذكر الكاتب أيضًا أن مصطلح السنة ورد في سياقات مختلفة، فحديث القرآن المكي عن السنن جاء في سياق إيراد تجارب الأمم الماضية ومواقفها من الوحي وما أصابها جراء تكذيب الرسل، أما حديث القرآن المدني عن السنن فقد جاء في سياق بناء الدولة والأمة المسلمة. وفي هذا الإطار وعلى الرغم من إيراد الكاتب للآيات وتقسيمها بين المكي والمدني إلا أنه لم يوضح – بذكر تفاسير الآيات مثلًا – السياق التي جاءت فيه الآيات ليتبين للقارئ وضوح الفرق الذي ذكره بين ورود لفظ السنة في القرآن المكي والمدني من جهة السياق.

ويستكمل الكاتب تحليله لورود لفظ السنة في القرآن، ويقول أن مصطلح السنة في القرآن ورد في ظل مشاهد حركية قوية تتعلق بالجماعات والأمم تدفع بالعقل المسلم نحو رؤية سنن الله الحاكمة وتحذره من إهمالها، ولذلك جاءت الآيات ببيان خصائص السنن الإلهية معبرة عن حركيتها وإطرادها المستمر، كما يذكر أيضًا أنه على الرغم من ورود لفظ السنة في القرآن بمضافات مختلفة “سنة الله”، “سنة الأولين” إلا أنه لا يخرج عن معنى سنة الله مما يدل على أن خالق السنن هو الله سبحانه تعالى وهي تعمل بمشيئته ويحكم الله بها الحياة، ويضيف أن مصطلح السنة ورد في جميع المواضع بصيغة التنكير مما يعكس خاصية التنوع والعموم والشمول.

ومما تجدر الإشارة إليه أن دلالات ورود لفظ السنة في القرآن لم تختلف عن الحديث كثيرًا حسب ما ذكره الكاتب.

وبعد هذه الإشارات التحليلية التي ذكرها الكاتب يقف على مجموعة من الاستنتاجات والخلاصات الخاصة بورود لفظ السنة في القرآن والحديث:

– يشترك ورود لفظ السنة القرآن والحديث بأنه في كلاهما يحضر بمعنى الطريقة والعادة والأحوال والوقائع وأحكام الدين وشرائعه.

– لا سبيل إلى تعريف السنن بمجموع القوانين المتحكمة في ظواهر الكون والمجتمع، فحسب ما يرى الكاتب أن لفظ “القانون” لا يحيل أبدًا إلى تلك الكثافة الدلالية والأبعاد العقدية والقيمية التي تميز مصطلح السنة كمصطلح قرآني متميز، لأننا عندما نعرفه بالقانون نفقده خصائصه حيث أن دلالة القانون تفيد البشرية والنسبية والوضعية والمادية ومرتبطة بالعلوم التجريبية ومناهجها التي تناهض كل ما هو غيبي وديني وأخلاقي، أما سنن الله تعالى فهي تتميز باليقين والمطلق والإطراد والثبات.

– سنة الله ترد في القرآن للدلالة دومًا على سنن العمران أو ما يسمى بالسنن الاجتماعية، ولا علاقة لها بالسنن الكونية التي يعبر عنها القرآن بالآيات {سنريهم آياتنا في الأفاق وفي الأنفس} فصلت- 53.

ثم ينتهى الكاتب إلى صياغة تعريف كلي جامع للسنن فيقول: السنة في الاصطلاح القرآني والحديثي هي أقدار الله تعالى وأحكامه القدرية والتكوينية التي جرت بها عادته في وقائع الاجتماع الإنساني، وأحوال العمران البشري وطبائعه: تداولًا وتدافعًا وتجديدًا، بحسب تحقق الخلق -اختيارًا- بمقتضيات الميثاق الإلهى، ومقومات التوحيد والاستخلاف والعمران، فيجازى بذلك -عدلًا بلا محاباة- من وافقها، ويعاقب من خالفها، ابتلاء للمؤمنين وهداية وتأييدًا، وإملاء للكافرين استدراجًا وإهلاكا.

 الدلالة المعجمية (اللغوية والاصطلاحية) للفظ العمران: في هذا الإطار يعبر الكاتب عن ثراء الجذر اللغوي “عمر” فيقول، أنه ذو خصوبة اشتقاقية يفهم من خلالها أن العمران منظومة معرفية ومقاصدية كبرى وليس مجرد لفظ أو مصطلح، فالعمران إقامة وإصلاح وعبادة وقصد وجهد، وممارسة للبناء تتم في الزمان والمكان وبذلك يتعارض معنى العمران مع الفساد والعبث والسلبية.

أما بالنسبة للدلالة الاصطلاحية العامة لمصطلح العمران يشير الكاتب إلى عدم اهتمام الكثير من المفسرين بمصطلح العمران بوصفه وحدة كلية ومنظومة نسقية تشكل رؤية الإسلام للإنسان والحياة، فهو يرى أن الإغراق في منهج فهم الآيات بعيدًا عن الوحدة البنائية والموضوعية والسياقية أوقع كثير من التفاسير في نزعة تجزيئية عجزت عن إدراك الإطار المعرفي والمنهجي لمصطلح العمران. وفي هذا السياق ذكر الكاتب أن جُل المفسرين اقتصروا في بيانهم لدلالة العمارة والاستعمارعلى البعد المادي والزمني فقط.

ثم ينتقل الكاتب لتعريفات المعاصرين ويقف تحديدًا عند تعريف ابن خلدون و-إن لم يكن من المعاصرين- بوصفه أول من أفرد كلامًا خاصًا ومفصلًا عن العمران في كتابه “المقدمة”.

وبعد أن أفرد الكاتب تعريفات العديد من المفكرين وعلق على كل تعريف على حده، يبين أن العمران مصطلح اقترحه العلامة ابن خلدون في مقدمته للدلالة على نمط حياة تميز الإنسان عن سائر الحيوانات مستلهمًا إياه من قوله تعالى {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}، وفي هذا الإطار يوضح الكاتب أن العمران من الناحية الاصطلاحية هو حال من الاجتماع الإنساني الضروري لتحقيق مجموعة من المقاصد ودفع المفاسد وجلب المصالح بين الناس ليَكمُل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم ومن استخلافه إياهم وهو ما يحقق أهداف العمران وغاياته.

ويشير الكاتب في ثنايا حديثه في هذا الإطار إلى نقطة هامة تتعلق باستخدام البعض لمصطلح الحضارة والتحضر للدلالة على العمران، مبينًا عدم دقة هذا الاستخدام نظرًا لما صار يحمله مصطلح الحضارة في الاستعمالات المعاصرة من دلالات مادية وتقنية، وأنه في ذاته لا يحمل أي قيمة حسنة، فقد تكون الحضارة خيرة وقد تكون مدمرة، أما العمران فيحمل في ذاته معنى قيميًا معياريًا بدلالات إيجابية، فهو أرقى وضع للاجتماع الإنساني.

العمران في اصطلاح القرآن والحديث: ينتقل الكاتب إلى بيان حد لفظ “العمران” في القرآن والحديث حيث يبين حجم وروده وشكله ودلالات ذلك كما فعل مع مصطلح”السنن”، فيذكر:

– أن مصطلح العمران ورد في القرآن الكريم في تسعة عشر موضعًا، وقد جاء في القرآن المكي في سياق التقدير الإلهى للخلق والنشأة، وفي سياق الامتنان الإلهي على الخلق بأن استعمرهم في الأرض والنظر في عاقبة المشركين المغترين بنموذجهم الحضاري في تعميرهم الأرض. أما حديث القرآن المدني فقد جاء فيه “العمران” في سياق اقامة العمارة التعبدية والشعائرية -وامتدادتهما الاجتماعية والحضارية – للمساجد بوصفها مؤسسة مركزية في بناء العمران.

– ورد مصطلح العمران في القرآن في ظل مشاهد ووقائع ذات أبعاد مختلفة تتجاوز ما هو مادي بحت.

– حضور المعطى الزمني والعقدي والتعبدي في الاستعمال القرآني لاشتقاقات مصطلح العمران.

– ورود مصطلح العمران في القرآن الكريم على أنه تكليف شرعي بعمارة الأرض بما يتعلق بأدوار الإنسان في الكون المستخلف فيه.

– تربط الرؤية القرآنية بين العمران وبين معنى الاستقرار والحياة.

– العمران مصطلح قرآني ذو أبعاد متساندة، فلا يتحقق العمران بالمعنى القرآني إلا بإطلاق الفعالية التسخيرية والاستخلافية في اتجاه العبودية لله تعالى.

– العمران مقصد عام من مقاصد الشريعة.

ثم ينتهى الكاتب إلى صياغة تعريف كلي للعمران فيقول:هو مقصد شرعي عام وتكليف رباني للإنسان- تكريمًا له- بالكدح والسعي بإيجابية وتكاملية وتوازن مع الطبيعة والحياة، المفضى إلى الصلاح والإصلاح، والمؤسس على الفعالية التسخيرية والاستخلافية التي تحرر الجهد البشري من كل ضلالات الهوى والمادة في اتجاه العبودية لله تعالى، والمحكوم بسنن ناظمة، وقيم موجهة ضابطة (التقوى، الخير، الحق ، العدل، والجمال) ومقاصد وغايات كبرى تحقيقًا للترقي الإستخلافي الشهودي.

وينهي الكاتب الفصل بتعريف تركيبي لسنن العمران البشري:

أقدار الله تعالى وأحكامه القدرية والتكوينية التي جرت بها عادته في تمكين الخلق من إقامة العمران توحيدًا لله تعالى، واستخلافًا في الأرض، وتسخيرًا للطبيعة وتحقيقًا للصلاح والإصلاح، تداولًا وتدافعًا وتجديدًا، فيجازي –عدلًا بلا محاباة- من وافقها عمرانًا راشدًا، ويعاقب من خالفها، خرابًا وضنكًا، ابتلاء للمؤمنين وهداية وتأييدًا وإملاء للكافرين استدراجًا وإهلاكًا.

الفصل الثانى: فقه سنن العمران البشري

يتناول الكاتب في هذا الفصل السنن الإلهية من حيث حجيتها وأقسامها وخصائصها ومواردها وأصولها وطرق استنباطها، مع إفراد جزء خاص بضرورة الفقه السنني وأثره في تجديد الوعي الاستخلافي.

أولًا: حجية السنن الإلهية وأقسامها وخصائصها:

1- حجية السنن: يذكر الكاتب أن السنن تستمد حجيتها أولًا من ربانيتها، لأن مصدرها ومدبرها هو الله تعالى فهي الدالة على أوامره سبحانه وأحكامه التكوينية في الخلق والنشأة والمصير، وتستمد السنن حجيتها أيضًا من دعوة القرآن إلى السير في الأرض والنظر في تاريخ الأمم وأحوال الحضارات.

2- أقسام السنن: يطرح الكاتب في هذا الجزء مجموعة من التقسيمات التي وضعها المفكرون للسنن ويعلق عليها كاشفًا المنطلق الذي يتحرك منه الباحث، مبينًا أبعاد هذا التقسيم وجوانبه التي قد تكون سلبية، وفي هذا السياق ذكر التقسيمات الآتية: أ- السنن الجارية والسنن الخارقة. ب- السنن عامة وخاصة. ج- السنن الكونية الآفاقية والسنن الاجتماعية. د- سنن اختيارية وسنن اجبارية. ه- سنن الله في النفس، سنن الله في التغيير الاجتماعى، سنن الله في التداول والتدافع الحضارى.

ويقدم الكاتب بعد ذلك تقسيمه للسنن على الشكل الآتى:

ا- سنن اجتماعية: وهي السنن الحاكمة والناظمة لسير حركة المجتمع مثل سنن البناء الاجتماعي، سنن الإصلاح الاجتماعي، وسنن الفعالية الاجتماعية وسنن التعارف والاختلاف.

ب- سنن تاريخية: وهي السنن الحاكمة لحركة التاريخ حيث توجه مساراته وتحكم بانتظام فعالية الإنسان دون أن تلغي حريته في استثماره لمعطيات الواقع، ومن بين السنن التاريخية: سنة الابتلاء، سنن السقوط وهلاك الأمم…

ت- سنن حضارية عمرانية: وهي السنن الحاكمة لحركة الحضارة والعمران الإنساني، والموجهة للمسار الحضاري العام لأمة من الأمم، ومنها سنن التداول والتدافع الحضاري، وسنن النهوض والتمكين.

3- خصائص السنن وطبيعتها: يذكر الكاتب في هذا السياق مجموعة من خصائص السنن:

ا- ربانية.

ب- عدم التحويل وعدم التبديل.

ت- الإطراد وعدم التخلف.

ث- العموم والحاكمية.

4- خصوصية السنن و مقايسها: يبين الكاتب خصوصية السنن بأنها عادلة وأنها ذات طبيعة استشرافية استبصارية قائمة على منطق سببي ترابطي استنتاجي كلي، فالإحاطة بها يفضي إلى تشكيل عقلية منهجية استباقية لدى العقل المسلم، كما أن من خصوصيتها أنها تبعث في الفرد والأمة الإيجابية والحركة والمبادرة ورؤية الواقع في حقيقته دون الوقوع في استسهال الأمور أو التهويل منها.

ينتقل الكاتب للحديث عن مقاييس السنن فيذكر أنها تتمتع بالأصالة -وهذا لا يجعلها مقابلة للمعاصرة- وإنما أصالتها تدل على ارتباطها بمرجعية الوحي وبكونها ربانية، ويتمثل المقياس الثاني في فعاليتها التي تمكن الأمة من الحركة والفعل والإنجاز، أما المقياس الثالث فهو رسالية السنن، فهي حينما تستهدف تنمية الوعي بالوظيفة الوجودية الاستخلافية لدى المسلم، وحينما تجعله متحملًا لمسؤولياته التاريخية بوصفه عضوًا داخل الجماعة المسلمة يسعى نحو استعادة دور الشهادة على العالمين، فهي بذلك تؤدى دورها الرسالي.

ولعل كان الأفضل أن يدرج الكاتب خصوصية السنن ومقاييسها ضمن خصائصها لأنها أيضًا من خصائصها حتى لا تكثر العناوين الفرعية والجزئيات.

ثانيا: موارد السنن وأصولها وطرائق استنباطها ومعرفتها:

1- موارد السنن وأصولها:

– الوحي مصدرًا للسنن: الوحي قرآنًا وسنة وسيرة يشكل المصدر الأساس لمعرفة السنن واكتشافها واستنباطها مع ضبط قواعد الفهم والاستدلال منه.

سيركز الكاتب في هذا الفصل على القرآن الكريم مصدرًا للسنن، أما مصدرية السيرة النبوية فسيأتي الحديث عنها في الفصل الأول من الباب الثانى، يذكر الكاتب موارد السنن في القرآن الكريم كما يلي:

– القصص القرآنى: يبين الكاتب أن من أراد أن يستخلص سنن العمران فعليه أن ينخرط في ممارسة تحليلية مقارنة للقصص القرآني، يفسر من خلالها كيفية وقوع الأحداث ويضبط سياقاتها ويفسر نتائجها ويستنبط منها قواعد عامة لإقامة العمران، فتتبين له من خلالها قوانين السقوط والنهوض والسنن الاجتماعية.

مما يؤخذ على الكاتب هنا استخدامه للفظ القوانين مع السقوط والنهوض وليس سنن، على الرغم من انتقاده لتسوية البعض بين المصطلحين، وهذا يطرح تساؤلًا وراء استخدام مصطلح القانون في هذا السياق وليس السنن.

– الأمثال القرآنية: يدلل الكاتب على دلالة لفظ “المثل” في الآيات القرآنية على معنى “السنن” فيستدعي تفسير ابن كثير، فقد ذكر ابن كثير في معنى قوله سبحانه وتعالى {أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم}، أى سنتهم وهنا تتجلى دلالة المثل على السنة وارتباطه بها وإمكانية استنباطها منه، حيث إن العائد الذي أراده القرآن من ضرب الأمثال هو أن يتحقق ذلك الوعي السنني الاستخلافي.

– السير في الأرض أو التاريخ: لقد قرن القرآن الكريم بين السير في الأرض واكتشاف السنن، وقد دلت جميع الآيات القرآنية التي وردت فيها الدعوة إلى السير في الأرض على أن السير في الأرض يورث معرفة سننية واعتبار بوقائع الأمم وأحداث التاريخ.

– الآيات المشتملة على ربط الأسباب بالمسببات: من موارد السنن في القرآن أيضًا الآيات التي ورد فيها الربط التعليلي بين الأسباب والمسببات، وبين المقدمات والنتائج مما يقوي النظر على استبصار المستقبل ومعرفة عواقب الأفعال ومآلاتها، والسببية كما يقول الكاتب مبدأ سنني كلي أقام الله عليه نظام الحياة وقضايا الجزاء والحساب، حتى إن تحقق نصر الله تعالى لأوليائه في تلك الحالات التي تدخل فيها الإرادة الإلهية ويرى فيها الإنسان خارقة من الخوارق، إنما يتم من خلال جريان الأسباب مراعاة لمبدأ السببية. وحبذا لو أتى الكاتب ببعض الآيات في هذا السياق وأفرد تفسيرًا لهم يبين بالمثال ما يطرحه من استنباطات.

وبعد هذا البيان للقرآن الكريم كمصدرًا للسنن ضمن مصادر الوحي ينتقل الكاتب إلى ذكر المصادر الأخرى للسنن، والتي في حقيقتها محكومة بمنظومة الوحي ورؤيته المعرفية والتي أشار القرآن ودعا إلى اعتبارها وهذه المصادر تتضمن الفطرة، والخبرة والتاريخ.

2- طرائق استنباط ومعرفة السنن من القرآن الكريم:

فى هذا الجزء يبين الكاتب طرق استخلاص السنن من القرآن مشيرًا إلى أن هذا لا ينحصر عند الآيات التي ورد فيها لفظ السنة صريحًا، ومن هنا يقدم الكاتب طريقين تعرف بهما السنن في كتاب الله تعالى:

أ- ورود لفظ “السنة” أو “سنن” بمختلف مضافاته.

ب- طريق مبني على معنى الإطراد والعموم بما يفيد ترتب النتائج على المقدمات: ويذكر الكاتب أن هذا أسلوب متكرر في القرآن يأتي من خلال صيغ لفظية يحضر فيها مكونا السنة: يكون الأول مقدمة يعبر عنها سلوك الإنسان وما يفرزه من مضاعفات اجتماعية واقتصادية وسياسية ويكون الثانى نتيجة تتجلى في عادة الله تعالى وحكمه وأمره على هذا السلوك. ومن مثل ذلك الآيه 112 من سورة النحل {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُون}.

ثالثا: أهمية وضرورة الفقه السنني وأثره في تجديد الوعي الاستخلافي:

يبين الكاتب في هذا السياق أهمية فقه السنن وضرورته وذلك من خلال عدة نقاط:

أ- دعوة القرآن إلى أن فقه السنن جزء من الدين.

ب- أن معرفة السنن يعين على تلمس مواطن الضعف والخلل في مسيرة الأمة الحضارية، وبإحكام المسألة السننية تتصدر الأمة لقيادة أمم الأرض وتحقق أمر الشهادة على العالمين.

ت- العلم بالسنن مفضي إلى تحقيق مقصد أمانة الاستخلاف وعمارة الأرض لأن العلم بالسنن يمكن الإنسان من تسخير الكون ويمنحه أيضًا قدرًا كبيرًا من القدرة على التحكم بالنتائج والتخفيف من الآثار السلبية.

ث- العلم بالسنن يبصر الإنسان بحركة التاريخ واستشراف المستقبل وإدراك عواقب الأمور ومآلاتها والتهديدات التي يمكن أن تنال من سلامة العمران وصلاحه.

ج- فقه السنن ينجي الأمة من النظرة الجزئية التبعيضية للدين ويخرجها من التيه المنهجي والمعرفي والقيمي، فتجاوز هذا الخلل لا يتم إلا عن طريق قراءة الكون (الكتاب المنظور) وما تختزنه ظواهره المادية والتاريخية والإنسانية من أسرار وسنن بهدف تسخيرها وإعمال طاقات العقل فيها، وقراءة القرآن الكريم (الكتاب المسطور) للاستهداء ببصائره، وكشفًا لسنن عالم النفس والمجتمع.

2- أثر الفقه السنني في تجديد الوعي الاستخلافي

يبتدئ الكاتب هذا الجزء بتعريف وبيان مقتضيات الاستخلاف، ويترقى الإنسان في كمالات الاستخلاف بقدر إحاطته بالسنن القاضية معرفة واستثمارًا وتسخيرًا، فلا يوجد استخلاف عمرانى خارج دائرة العمل بالسنن والسير على هداها، من هنا يصيغ الكاتب هذه الأهمية بقوله لا توحيد بلا تكليف ولا تكليف بلا استخلاف ولا استخلاف بلا عمران ولا عمران بلا سنن.

وفي هذا الصدد يذكر الكاتب الآيات القرآنية التي وردت في الاستخلاف بلفظه ومشتقاته، موضحًا أن المتأمل في هذه الآيات يجد أنها كلها تؤكد على أن حركة الاستخلاف تقوم على مبادئ الحق لا الهوى، وعلى تلقي الأمر من عند الله عز وجل للانطلاق في الأرض عملًا وتعميرًا وعلى النظر في السنن واكتشافها والعمل بها.

الفصل الثالث: بصائر قرآنية في الوعي والفقه السنني

(في الأسس المعرفية لفقه السنن)

يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن الأسس المعرفية لفقه السنن من خلال الرؤية التوحيدية القرآنية والتي سيعرض فيها بصائر الوحي في الفقه العمراني ودلالات ختم النبوة وعالميتها وعلاقتها بالرؤية المستقبلية السننية الإسلامية والمنظومات السننية الحاكمة لحركتي التسخير والاستخلاف البشري.

أولًا: آيات الوحي والدعوة إلى الإبصار والاعتبار

يبين الكاتب في هذا الجزء كيف أرشد القرآن الكريم العقل البشري إلى الإبصار والاعتبار الذي يتحقق بعبور هذا العقل من دائرة الزمن الحاضر إلى عوالم الماضي وآفاق المستقبل وعبوره من الواقعة التاريخية والفعل الاجتماعي إلى استخلاص السنن الحاكمة لهذه الواقعة، وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى ثلاثية الاعتبار والسير والنظر التي ينبه من خلالها القرآن الكريم على فقه السنن، والتي من خلالها يكتسب المجتمع الرسالي القدرة على التحرر من ضغط الواقع ومن مذاهب الحتمية والعبثية والعدمية وينمي لديه وعيًا بحقيقة تقلبات الأحوال وفق طبائع النفس والعمران، فيدرك سنن الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد والاستبدال والنصر والتمكين.

ثانيا: المستقبلية في الرؤية القرآنية السننية ودلالات ختم النبوة

1- المستقبلية في الرؤية القرآنية السننية: يتحدث الكاتب في هذه النقطة عن الفقه الاستشرافي المؤسس على الرؤية القرآنية والتطبيقات النبوية وأهميته من حيث أنه مطلبًا شرعيًا وحضاريًا وواقعيًا، فالاستشرافية المستبصرة أساس لموضوعية الاستعداد، وواقعية تصور الآفاق ومن ثم فعالية المواجهة وهي في الرؤية القرآنية تقوم على عدة أصول:

– الأصل الإيماني.

– الأصل الأخلاقي القيمي: والذي يتمثل في تشديد القرآن على قيمة الزمن ومركزيته في إحداث النهضة والتمكين العمرانى الحضاري ولعل تتبع فكرة الزمن في سياقات الآيات القرآنية يجعلنا نقف على منظومة من القيم الفاعلة والنابعة من قيمة الزمن ذاتها مثل قيمة الفاعلية والإنتاجية، والأمانة وتحمل المسؤولية، وتجاوز العقلية التبريرية، والمبادرة والمسارعة والمسابقة إلى الخيرات..إلخ.

– الأصل المعرفي: إن المنطلق المعرفي في الرؤية القرآنية للمستقبل يقوم على إثارة العقل الإنساني للنظر المستبصر في الغد كما في قوله تعالى {ولتنظر نفس ما قدمت لغد}، فالنظر إلى الغد عبارة عن تقييم وتقويم استباقي لنتائج السعي البشري والتي يترتب عليها الجزاء النهائي والمصير الأخروي. وبناء على هذا يؤكد الكاتب على أن التفكير المستقبلي لا يمكن أن يستشرف آفاق الغد -بهداية الله تعالى- إلا إذا أدرك القوانين والسنن الكونية والتاريخية التي يسير بمقتضاها العالم والتي تؤثر في مصائر الأمم ومنعطفات التاريخ.

2- سنن العمران البشري ودلالات ختم النبوة: يتناول الكاتب في هذا الجزء ختم النبوة وعلاقته بفقه السنن، ففهم دلالات ختم النبوة -حسب ما يرى الكاتب- تعتمد على المقاربة الكلية السننية التي تستحضر السياق التاريخي للنبوة ومستوى التطور الذي بلغه الإدراك البشري، كما تستحضر منهاجية الوحي القرآني وافتراقها عن منهجية الوحي في النبوات السابقة، فالنبوة الخاتمة بإعلانها عن منظومة من المفاهيم الكلية -التوحيد والاستخلاف والتزكية والعمران والشهادة والخيرية والعالمية- أعلنت تحولًا في تاريخ الرسالات وفتحت آفاقًا أمام السعي الإنساني تسخيرًا وتعميرًا وشهادة على العالمين. يشير الكاتب إلى نقطة هامة في دلالات ختم النبوة بأنها ليست إعلانًا عن عدم حاجة الإنسان إلى الإرشاد الإلهي، وإنما هو تحول في علاقة الإنسان بالغيب وتكليف جديد كلف به الإنسان وهو اكتشاف شرع الله وأمره عبر منهجية جديدة هي الاجتهاد في فهم الكتاب الخاتم.

ثالثا: المنظومات السننية الحاكمة لصيرورة العمران البشري حسب الرؤية القرآنية:

يبين الكاتب أولًا أسلوب القرآن في عرض المنظومات السننية بشكل شمولي غير تجزيئي، ولابد للمسلم أن يتعامل معها بنفس هذا المنطق التكاملي، ثم ينتقل الكاتب إلى بيان المنظومات السننية الأربع:

أ- منظومة آيات الآفاق: وهي تلك المنظومة المتكاملة من النواظم الضابطة للأنظمة الطبيعية والمادية، وهي ما يقصده البعض بمصطلح “السنن الكونية”. وقد دعا القرآن الكريم من أجل تبصر حقيقة الآفاق إلى إحكام المنهجية العلمية الصارمة وهي منهجية النظر التجريبى التي يتكامل فيها النظر الحسي والعقلي مع التجربة ليتحقق المقصد منها كما أراده القرآن، وبها تزداد عقيدة المسلم يقينا وبها يقدرعلى تحقيق أعلى درجات الترقي الاستخلافي.

ب- منظومة آيات الأنفس: تمثل هذه المنظومة مجموع النواظم الحاكمة لحركة النفس والمجتمع والتاريخ، وكثير من الباحثين يطلق عليها مصطلح “السنن الاجتماعية”.

ت- منظومة سنن الهداية: وهي ترتبط بالإطار المرجعي الذي يتركب من مجموعة من القضايا المعرفية والقيم المعيارية المستمدة من الوحي وتطبيقاته النبوية المتمثلة في السيرة النبوية، كما تمنح الإنسان الوجهة والغاية وتكبح مطامعه. ويشير الكاتب في هذا السياق إلى ما ذكره رشيد رضا حول غياب سنن الهداية عن النموذج الحضاري الغربي، وما أدى إليه ذلك من صدور دورته الإنجازية عن الهوى والطغيان.

ث- منظومة سنن التأييد: تمثل هذه المنظومة دائرة الاستعانة وطلب الولاية الربانية واستمداد العون من الله عز وجل في وجه حركة الابتلاء والتدافع والتداول، والتضرع إليه بالدعاء قبل وبعد ومع استفراغ جهد الإتيان بالأسباب التي تشكل منظومات سنن الآفاق والأنفس والهداية مجالها الأساس.

الفصل الرابع: قضية السنن في الفكر الإسلامي المبكر

بين التأسيس النظري، والوعي، والممارسة العملية

يتناول الكاتب في هذا الفصل حضور السنن فقهًا ووعيًا وممارسةً في تاريخ الفكر الإسلامي وفي جهود علماء المسلمين، مع التمييز بين مستويين من الإنجاز: مستوى الوعي والممارسة العملية، ومستوى التأسيس النظري.

أولًا: هل تحولت قضية السنن إلى علم:

يناقش الكاتب في هذا السياق مسألة اعتبار السنن علمًا أم لا، عن طريق تعريف العلم، ومناقشة من اعتبروا السنن علمًا كالشاطبى، متوصلًا إلى نتيجة مفادها أن السنن نموذجًا تفسيريًا إرشاديًا، نظرًا لأن هناك العديد من العلوم الأخرى تتكامل داخلها مثل فلسفة التاريخ، الجغرافيا، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا وعلم التفسير، وعلم الأصول.. ومن ثم فهى تمثل ركيزة لهذه العلوم توجهها وتوحد رؤيتها نحو ضبط ما يتحكم في ظواهر الوجود والمجتمع. وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى اهتمام علماء المسلمين بموضوع السنن على اختلاف مستوى وأسلوب التناول، فيذكر مجهودات ابن خلدون والشاطبى وابن تيمية والشيخ محمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن العضراوى، ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى أن السلف الصالح وإن لم يفردوا للسنن علمًا كعلم الفقه ومصطلح الحديث وغيرها فهذا لا يعنى غياب مفهوم السنن عن وعيهم، ففى كتاباتهم -كما يشير مجدى عاشور- ثروة معرفية منهجية في التأسيس لهذا العلم موزعة في مختلف التخصصات.

ثانيًا: حضور الفقه السنني في كتابات علماء الأمة:

يشير الكاتب إلى أن الفقه السنني كان حاضرًا في عهد الصحابة وإن لم يدونوا هذا العلم، وذلك لقرب عهدهم بالممارسة النبوية لفقه السنن دون الحاجة للكتابة عنه كغيره من العلوم التي لم تدون في عهدهم رضوان الله عليهم، ثم يذكر الكاتب في هذا السياق جهود مجموعة من العلماء، فيذكر الغزالي وابن حزم والشاطبي وابن تيمية وابن القيم وابن خلدون، مراعيًا في اختيارهم تنوع تخصاصتهم المعرفية وتفاوت طرائقهم المنهجية، وتعدد انتماءاتهم المذهبية واختلاف بيئاتهم الحضارية، وكذلك تغاير سياقاتهم التاريخية.

ثالثا: فقه سنن العمران البشري وتكامل العلوم في المعرفة الإسلامية:

1- المقاربة الحضارية لتكامل العلوم

يناقش الكاتب في هذا السياق التشوهات التي لحقت بمسألة تكامل العلوم والخلل في فهمها مؤكدًا على ضرورة نبذ النظر التجزيئي الذي يقف عند حرفية التخصص ويلغي الأبعاد المتداخلة بين العلوم والمعارف، ويناقش أيضًا أزمة نشأة العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما نتج عنه من انفصال العلوم الوافدة عن العلوم الموروثة بمناهجها وموضوعاتها وقضاياها التي تهتم بها، والنتائج التي تتوصل إليها، فأصبح لدينا علوم اجتماعية حديثة ولكنها غير وظيفية، كما أضحت لدينا علوم شرعية أصيلة ولكنها غير فاعلة، ومن هنا يدعو الكاتب إلى ضرورة ردم الهوة بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية فتكون العلوم الاجتماعية موجهة بعلوم الشرع.

2- الرؤية المقاصدية للفقه السنني، أو البعد المقاصدي لسنن العمران البشري:

يبين الكاتب أن للسنن مقاصدها ولا عبرة بفقه سنني لم يستكمل عناصر الرؤية المقاصدية، كما أن الفقه المقاصدي خادم للفقه السنني ومراع له في كثير من قواعده ومنطلقاته، كقاعدة اعتبار المآل وما يتعلق بالحكمة والتعليل، لأن الفقه السنني في جزء منه يأخذ بالمآلات ويحتكم للحكم والتعليلات، ويذكر الكاتب في هذا السياق ما ذكره فريد الأنصارى في تعريف اعتبار المآل بما يفيد بعده السنني والتوقعي فيقول: “أصل كلي يقتضي اعتباره تنزيل الحكم على الفعل بما يناسب عاقبته المتوقعة مستقبلًا”، ويشير الكاتب أيضًا في هذا الإطار إلى ما ذكره عبد الرحمن السنوسي والطاهر بن عاشور فيما يتعلق بمبدأ المآلات والنسق المقاصدي العمراني، ثم ينتقل لابن خلدون والشاطبي وابن تيمية وابن القيم بشئ من التفصيل، وذلك للدلالة على التكاملية المنهجية في موضوع السنن التي تتجاوز الحدود المصطنعة بين العلوم والمعارف.

الباب الثاني: مقدمات في سنن العمران البشري في السيرة النبوية

الفصل الأول: الفقه السنني وتجديد درس السيرة النبوية

يقدم الكاتب في بداية الفصل بمقدمة مفادها ضرورة إعادة تجديد درس السيرة النبوية عن طريق القيام بتقييم عام للدراسات المنجزة حول السيرة وفق المقاربة السننية، وانطلاقًا من المنهج المقاصدي وذلك للوقوف على حجم الخلل الحاصل في المنظومة الثقافية التي عزلت السيرة النبوية عن أن تكون قوة محفزة لإعادة الأمة إلى القيام بواجب الشهادة من خلال اعتماد المقاربة السننية العمرانية. ومن هنا سيتناول الكاتب في هذا الفصل ثلاث موضوعات تشكل عناوين الفصول الثلاث الآتية: الفقه السنني وتجديد السيرة النبوية، الفقه السنني النبوى والسياقات المتعددة، و فقه الكليات السننية للعمران البشري في الهدي النبوي.

أولًا: السيرة النبوية مصدرًا للفقه السنني:

يرى الكاتب أن كون السيرة النبوية ربانية جعلها مركزية ومصدرية في الهداية السننية للفعل العمراني، ومن ثم تتمتع بالأصالة، وتتسم بالفعالية والواقعية وكذلك الشمولية والنموذجية فضلًا عن كونها عالمية.

ويبين الكاتب قلة الدراسات التي عنيت بالسيرة النبوية كمصدر للفقه السنني، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة للانكفاء على دراسة السيرة النبوية كمصدر للهداية السننية كونها الصدى العملي للقرآن العظيم وقصة خاتم النبيين وأعظم بشر، فالسيرة النبوية قادرة على إعادة تشكيل منهج التفكير والعمل لدى المسلم، فهي المصدر الثاني للمعرفة السننية بعد القرآن الكريم بوصفها التطبيق العملي للفقه السنني القرآني.

ومن هنا ينتقل الكاتب للحديث عن نقطة منهجية هامة وهي خطوات استثمار السيرة مصدرًا للفقه السنني:

أ- أن يكون المرجع في تبين سنن الله في المجتمع البشري من خلال استنطاق وقائع السيرة.

ب- النظر إلى السيرة على أنها وحدة موضوعية بنائية تجيب عن إشكالات العصر وقضايا العمران البشري.

ت- اعتماد الروايات الصحيحة في استنباط الفقه السنني.

ث- الاستفادة من العلوم الاجتماعية والإنسانية مع الوعي بتحيزات هذه العلوم للخلفية الفلسفية الغربية.

ج- تجاوز المنهج السردي الذي ينظر إلى السيرة من خلال وقائع تاريخية متلاحقة، واعتماد منهج تحليلي بنيوي ينظر إلى السيرة على أنها وحدة نسقية تترابط فيها الأحداث لإنجاز دورة حضارية جديدة وفق رسالة الإسلام الخالدة.

ح- ارتباط مقاصد هذا المنهج التحليلي البنيوي الموضوعي بالكشف عن السنن الحاكمة للعمران البشري، والوقوف على تلك المنظومات المعرفية والمنهجية والقيمية والتواصلية التي صار وفقها الفعل النبوي لإنجاز هذا العمران.

خ- النظر في حضور السنن التي نبه إليها القرآن الكريم في المسار العمراني للسيرة النبوية.

د- صياغة فقه سنني مستخلص من السيرة النبوية على شكل قواعد كلية تستبين بها أبعاده وضوابطه وأشكاله وترسم معالمه الرسالية.

وفى هذا السياق وبعد انتهاء الكاتب من صياغة هذه الخطوات المنهجية الهامة ينبه على فكرة أنه لا يمكن الإحاطة بسنن العمران البشري في سيرة شخص أو جماعة ما عدا النبي ﷺ، لأنه مؤيد بالوحي لذلك يتداخل في سيرته البعد البشري الإنساني الواقعي المتمثل في فعالية الإنسان وما يتمتع به من مسؤولية الإرادة والفعل مع الفعل الإلهي المطلق والهداية الربانية.

ثانيا: تقويم الدراسات حول السيرة النبوية على ضوء قضية السنن:

يسجل الكاتب بعض الملاحظات كتقويم مبدأي لكثير مما كُتب عن سيرة رسول الله ﷺ فيذكر الآتى:

– اعتماد الكثير من الدراسات على الروايات الضعيفة في استنباط قضايا كبرى.

– وقوع عدد من الدراسات التي تبنت منهج تحليل الوقائع والاستنباط منها في إسقاطات لرؤى تنظيمية وتربوية وفكرية، فتعسفت في التأويل وفصلت الوقائع عن سياقاتها المتعددة، فاعتمدت نظرة تجزيئية اختزالية غابت فيها الرؤية الشاملة للمنهج النبوي.

– تكرار الكثير من الدراسات لموضوعات بعينها وأفكار واستنتاجات توصلت إليها دراسات سابقة دون أدنى محاولة للمراجعة.

ويؤكد الكاتب على أن المطلوب اليوم هو بعث الفعالية في معطيات السيرة النبوية بالقيام بدراسات علمية تستثمر هذه المعطيات في تقديم إجابات وحلول لمشكلات الأمة الحضارية، من خلال عملية تجهيز منهجي يجردها من خصوصيات الزمان والمكان ليصلها بخصوصيات الزمان والمكان المعاصرين.

وفي هذا الصدد يشير الكاتب إلى بعض الأعلام التي مثلت كتباتهم تأسيسًا للدراسة السننية للسيرة النبوية، ومنهم محمد الصادق عرجون وكتابه “سنن الله في المجتمع من خلال القرآن”، هذا بالإضافة إلى عدد من الباحثين الذين لا تخلو كتاباتهم من إشارات للموضوع، وإن لم يفردوا في دراسة السيرة مؤلفًا خاصًا في موضوع السنن مثل عماد الدين خليل وسعيد حوى ومحمد الغزالي ورمضان البوطي ومالك بن نبي وعمر عبيد حسنة وغيرهم.

وفى هذا الإطار يستدعي الكاتب نموذجًا لما يدعو إليه من تقديم دراسة متكاملة ومتوازنة للمقاربة السننية في قراءة السيرة النبوية، وذلك من خلال سلسلة كتبها الطيب برغوث حاول من خلالها أن تكون السيرة النبوية مصدرًا أساسيًا يسمح لنا -من خلال إتقان المداخل المنهجية والمعرفية- بصناعة الفعالية الحضارية من منظور سنني.

ثالثًا: منهج تجديد السيرة النبوية: ضوابط ومنطلقات:

يتناول الكاتب مفهوم التجديد الذي يدعو إليه ويبين أنه لا يخرج عن الأسس الآتية:

– نفي ما علق بالسيرة من أخبار ومرويات ضعيفة وموضوعة.

– نفي انغلاقية الاقتداء والتأسي بما يتعارض مع واقعية الاتباع والارتباط بالمنهج النبوي.

– القدرة على التمييز بين مقامات التصرفات النبوية وذلك لإدراك ما كان ملزمًا وما ليس بذلك، وما كان عامًا أو خاصًا، وما ارتبط بمصلحة أو شخص أو وقت أو حال.

– إحياء المعاني الكبرى للسيرة النبوية، وإبراز هدايتها السننية في الاجتماع والعمران البشري.

– نفي ما علق بالسيرة من مناهج ومفاهيم منحرفة عطلت مقاصد الاقتداء، فقرأت السيرة باعتبارها مجرد أحداث متعلقة بشروط اجتماعية وتاريخية تم تجاوزها.

ويرى الكاتب أن تحقيق الاقتداء بالمنهج النبوي يستلزم بعض الضوابط:

أولًا- الضابط البياني الذي يمنع التعسف في استعمال اللفظ ويمنع أيضًا الافتتان بمصطلحات تنتمي إلى منظومة معرفية مناقضة لروح السيرة النبوية.

ثانيًا- الضابط المعرفي الذي يرد الفروع إلى الأصول ويعتمد النظر الشمولي.

ثالثًا- الضابط التكاملي أو ما يسميه بالإبداعي، ويعمل هذا الضابط على تأكيد مبدأ التكامل بين علوم الوحي والعلوم الإنسانية المعاصرة.

رابعًا- الضابط السياقي، والمقصود به وضع الحدث والوقائع كما ترويها كتب السير في سياقاتها التاريخية.

خامسًا- الضابط المنهجي، ويعنى به إحكام منهج استقرائي تحليلي نقدي ينظر في الأسانيد والمتون ويمحصها مستصحبًا في ذلك القرآن الكريم.

سادسًا- الضابط المقاصدي ويركز هذا الضابط على المقصد من تجديد درس السيرة النبوية والبعد عن الانحرافات التي قد تحيد بنا عن المقصد الأساسي وهو التأسي بصاحبها ﷺ.

سابعًا- الضابط الإيماني، ويعني به الكاتب أن يجمع عالم السيرة بين العلم والتقوى والورع والتجرد من الأهواء، وأن يكون إيمانه هو منطلقه الذي يتحرك من خلاله.

وينهي الكاتب هذا الفصل ببيان ضرورة إخراج درس السيرة من مجرد النظر العقلي إلى فضاءات الفعل والممارسة وذلك من خلال ثلاث مستويات، مستوى فهم الخطاب والممارسة النبوية، ومستوى فهم الواقع، وأخيرًا مستوى التنزيل، ليتحقق الهدف الذي يدعو إليه الكاتب بأن تكون السيرة مصدرًا للفقه السنني العمراني على المستوى المنهجي والمعرفي والعملي.

الفصل الثاني: الفقه السنني والسياقات المتعددة

يقدم الكاتب لهذا الفصل ببيان ضرورة الوعي بالسياقات المتعددة والبنيات الاجتماعية والأطر المعرفية التي وجدها الفقه السنني النبوي أمامه وهو يخوض أكبر عملية تحول تغيير في تاريخ البشرية، وأن هذا مما يعين على الانخراط في مشروع تجديد درس السيرة النبوية.

أولًا- السياق التاريخي ومنظومة القيم قبل البعثة:

يذكر الكاتب أن الوقوف على الوضع الاجتماعي ومنظومة القيم السائدة في المجتمع العربي الجاهلي قبل بعثة النبي ﷺ، يجعلنا ندرك حقيقة الإصلاح الجذري الذي قام به النبي ﷺ، مبينًا أن الكثير من كتب السيرة قد تناولت هذا الجانب إلا أنها لم تقدم سوى توصيف للظواهر الاجتماعية قبل البعثة ولم ترق بذلك إلى مستوى التحليل بآليات منهجية كما فعل ابن خلدون على سبيل المثال.

وفى هذا الإطار يخوض الكاتب في الحديث عن مجتمع مكة وما حولها في سرد تاريخي تحليلي يتناول السياق التاريخي والمكانة الحضارية للمجتمع العربي الجاهلي، مبينًا التغيرات التي طرأت على المعتقد في المجتمع المكي والتشوهات التي عكرت صفو التوحيد الذي أرساه إبراهيم عليه السلام، ثم ينتقل إلى الحديث عن منظومة القيم السائدة التي كانت تتسم بالتناقض والتعارض والعجز عن التحرر من سلطة الآباء والتقليد الأعمى ومضاعفات ذلك الاجتماعية والثقافية والحضارية .

ثانيًا- البنيات الاجتماعية والأطر المعرفية السائدة قبل البعثة:

يسلط الكاتب الضوء على عالم الثقافة داخل المجتمع المكي قبل البعثة، مشيرًا إلى طغيان النسق الثقافى البدوي، مستدعيًا ما قدمه مالك بن نبى في تحليل المجتمعات البشرية وفقًا لحضور العوالم الثلاثة: عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء، فيبين الكاتب أن عالم الأشخاص في المجتمع الجاهلي انحصر في القبيلة، بينما عالم الأفكار تمثل في القصائد المعروفة بالمعلقات والتي كانت تدور حول مجد القبيلة أى تدور حول عالم الأشخاص والنمط الثقافى العام المنغلق على نفسه، أما عالم الأشياء فاحتل القمة في سلم القيم في المجتمع المكي، ويشير الكاتب هنا إلى مصطلح “الجاهلية” بوصفه مفهومًا ذكر في القرآن للإشارة إلى نظام اجتماعي وبنية ثقافية ومنظومة قيمية قائمة بذاتها. من هنا يصف الكاتب اللحظة التاريخية التي كان يعيشها العربي بأنها لحظة ثقافية مأزومة بسبب فراغ عالم الأفكار والدوران حول الأشخاص وقداسة الأشياء التي تحولت إلى أوثان تُعبد من دون الله، ففقد المجتمع شروط التنمية والعمران. وبالرغم من افتقاد المجتمع الجاهلي لشروط التنمية إلا أن العربي كان لديه من الاستعدادات الفطرية ومكارم الأخلاق ما ستبعثه الرسالة الخاتمة في النفوس لإقامة العمران.

ثالثًا- في قيمة ومركزية التحول الجذري الذي أحدثه الفقه السنني:

يبين الكاتب أن فهم التحول الجذري الذي أحدثته الحركة النبوية على المستوى الفردي والجماعي داخل المجتمع العربي وخارجه بأبعاد عقدية وفكرية واجتماعية وحضارية شاملة لا يتم إلا من خلال الكشف عن ذلك الفقه السنني العمراني في الرسالة الخاتمة كما تجلى في منهج النبي ﷺ وحركته في البناء والإصلاح والدعوة والدولة، وهو فقه سنني يشمل السنن العامة التي يدركها جميع الناس بعقولهم وتتعلق باستجماع شرائط النصر دون اعتبار لإيمان أو كفر، والسنن الخاصة التي هي إمدادات الله تعالى لعباده المؤمنين.

ويشير الكاتب إلى أن إدراك عمق وحقيقة هذا التحول وفهمه لا يمكن أن يتم دون الوقوف عند فهم طبيعة شخصية النبي ﷺ قبل البعثة، وكيف تشكلت داخل الفضاء العربي، وفي هذا السياق يحلل الكاتب مفردات ست يعتبرها مدخل لفهم شخصية النبي ﷺ قبل البعثة

 1- المفردات الست المفتاح لفهم شخصية النبى ﷺ قبل البعثة:

 اليتم أي الحقل الأسري، والصحراء أي الفضاء المادي الطبيعي، والرعي أي حقل التجربة الأولى ومرحلة العبور من البيت إلى المجتمع، والتجارة أي حقل البنيات الاقتصادية، والزواج أي شبكة العلاقات الاجتماعية، والإسهام في أعمال ذات قيمة اجتماعية وعمرانية، وأخيرًا غار حراء أي لحظة بلوغ الرشد.

2- من غار حراء إلى عرصات الحياة

ويذكر الكاتب هنا ما قاله مالك بن نبي عن لحظة بعث النبي ﷺ: “رسالة بدأت بكلمة “إقرأ” مزقت هذه الكلمة ظلمات الجاهلية وقضت على عزلة المجتمع الجاهلي فشرع بهدم ما بداخله من حدود قبلية ليؤسس عالمه الجديد من الأشخاص وليبني عالمًا ثقافيًا جديدًا تتمحور فيه الأشياء حول الأفكار.”

ثم ينتقل الكاتب للحديث عن تحول آخر بدأ مع أمر النبي ﷺ للجماعة المؤمنة بالهجرة إلى الحبشة مشيرًا إلى أنها تحمل دلالات سننية هامة:

– استراتيجية الحفاظ على قوة هذه الكتلة البشرية.

– تمكين المؤمنين المهاجرين من الوقت الكافى في أجواء من العدل والأمن حتى يتحقق لهم بناء اجتماع إسلامي وفق مقتضيات الرسالة ومقوماتها.

– البحث عن موطن تُحمى فيه الدعوة وتبلغ الرسالة وتشكل احتياطي بشري استراتيجي للاحتمالات الممكنة.

3- من القبيلة إلى الأميين: نحو الظهور الكلى للدين:

يسلط الكاتب الضوء هنا على عالمية الإسلام وأن الحركة النبوية بفقهها السنني العالمي لم تتجه نحو تكوين قومية، فهذا مخالف لأبعادها القائمة على منهجية الوسطية والاستخلاف والعمران والعالمية والإنسانية والشهادة، ولم يكن من تطلعات النبي ﷺ تأسيس سلطة سياسية توحد القبائل بقدر ما كان تأليفًا لهم، وهنا يقف الكاتب عند مصطلح التأليف كمصطلح قرآني يهدف إلى تحقيق التكامل والتناغم لا إلى الانصهار والتوحيد، وأن تأليف الله عز وجل لقلوب المؤمنين يعكس البعد الغيبي في توجيه حركة التاريخ وسنن العمران. ومن ثم كانت حركة النبي ﷺ هي حركة نحو تنزيل الأسباب والشروط لتحقيق وعد الله في التأليف، وهذا يعكس التكامل بين سنن الهداية والتوفيق وسنن التدافع والتداول والتجديد.

4- الفقه السنني النبوي لتعزيز وتدعيم بنية الشروط الحاسمة لإقامة عمران إسلامي عالمي:

يتناول الكاتب هنا مرحلة ما بعد الهجرة إلى المدينة المنورة والسنن المتعلقة بإقامة الدولة والأمة والعمران الإسلامي، وفي هذا الإطار يتناول الكاتب انعكاس فقه النبي ﷺ للسنن على تلك الخطوات التي اتخذها في إقامته للعمران الإسلامى، فيشير إلى التدابير الوقائية الاستبقائية التي دلت عليها بيعة العقبة الأولى والثانية، وإرسال مصعب بن عمير لتعليم الناس القرآن، واتخاذ تدابير ذات طابع مؤسسي تنظيمي لحماية المجتمع المدني مثل بناء مؤسسة المسجد، نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار حيث تدعيم الاندماج الاجتماعي للمهاجرين، بناء سوق المدينة حيث التدافع الحضاري مع اليهود وتأمين الأمة على المستوى الغذائي، صحيفة المدينة حيث رسم عليه الصلاة والسلام الخطوط العامة للسياسة الداخلية للدولة الإسلامية وتشكيل وعي جديد وهو الانتماء للأمة.

ثم ينتقل الكاتب في ثنايا حديثه للوقوف عند صلح الحديبية وما يحمله من دلالات سننية كبرى درَب من خلاله النبي ﷺ العقل المسلم على التفكير السنني، حيث فقه الواقع وفقه الموقع والنظر في الآفاق البعيدة والفرص المتاحة وتدخل الغيب في إتمام المشروع الرسالي، فعندما دخل النبي ﷺ مكة تحقق الوعد الإلهي وأصبح لدى الصحابة وعي بسنن التدافع والتداول بحسب ما أراده الله عز وجل من سننه في الاستخلاف والعمران.

ويختم الكاتب الفصل بالإنجازات التي حققها النبي ﷺ والجماعة المؤمنة، تلك الإنجازات التي تحمل أبعادًا عمرانية عالمية دفعت بعمليتى التسخير والاستخلاف إلى مداهما: التوحيد في مواجهة الشرك، التأليف في مواجهة التفكك، الدولة في مواجهة القبيلة، التشريع في مواجهة العُرف، المؤسسة في مواجهة التقاليد، الأمة في مواجهة العشيرة، الإعمار في مواجهة التخريب، المنهج في مواجهة الفوضى، المعرفة في مواجهة الجهل، الإنسان المسلم في مواجهة الجاهلي.

الفصل الثالث: الكليات السننية للعمران البشري

في الهدي النبوي

يستهل الكاتب هذا الفصل بالحديث عن ضرورة ضبط دراسة سنن العمران البشري في السيرة النبوية لكليات جامعة وقواعد ناظمة ترد الفروع إلى الكليات وتتجاوز منهج التجزئة، ومن هنا ينتقل لتسليط الضوء على الأبعاد الكبرى لفقه الكليات السننية للعمران البشري في ضوء الهدي النبوي.

أولًا- الأبعاد الكبرى لفقه الكليات السننية للعمران البشري في المنهج النبوي:

1- البعد المنهجي لفقه الكليات السننية للعمران البشري في إدارة التدافع مع القوى المناهضة للعمران:

وهو بعد يقوم على منهج مراعاة السنن من خلال إحكام فقه النص، إحكام فقه الواقع، إحكام فقه الموقع، إحكام النظر المآلى ورؤية المستقبل وعدم استعجال الثمرة، وفي هذا السياق يضرب الكاتب أمثلة من السيرة النبوية في كيفية تطبيق النبي ﷺ لهذه المبادئ خاصة في صلح الحديبية.

أ- البعد الوظيفي للكليات السننية: يؤكد الكاتب أن الكليات السننية ليست رؤى مجردة أو نظريات جامدة وإنما هي أصول إيمانية وقواعد تشريعية وأسس عملية فعالة، وذلك بما تتيحه من تسريع وتجويد وتيرة الأداء والإنجاز، يتجلى ذلك في سنة الأخذ بالأسباب وسنة التدرج وسنة التغيير والبناء وسنة الابتلاء وسنة التدافع…

ب- البعد الاستراتيجي للسنن: لقد تجلى هذا البعد للسنن في قرارات النبي ﷺ ومخططاته التي تُظهر مدى القدرة على الإبصار ورؤية المستقبل وإحكام فقه الضروريات وتقدير سياقات الواقع.

ثانيًا- المداخل الأساسية للكليات السننية:

يذكر الكاتب أن هذه المداخل إنما هي بمثابة نواظم معرفية تشكل فهم العقل المسلم لتحولات الحقل الاجتماعي والسياسي، وتدفعه للبحث عن خيارات متعددة يحافظ من خلالها على مكتسبات الأمة، وتنبنى هذه المداخل على مجموعة من القضايا أهمها:

– أن سنن الاجتماع والعمران البشري موجودة في الفطرة الإنسانية وفي ظواهر الوجود.

– أن الرؤية التوحيدية الكونية القرآنية هي الموجهة للكليات السننية.

– الموازنة بين سنة “كل شئ بقدر” والأخذ بالأسباب، وقد تجلى ذلك في الفعل النبوي.

– توافق سنة الأخذ بالأسباب مع سنة الله القدرية وسنته التشريعية.

– التكامل بين سنن الاستخلاف وسنن التسخير.

وبعد هذا البيان يقف الكاتب عند مفاوضات النبى ﷺ مع بني شيبان ليستخلص منها أهم المداخل الكبرى للكليات السننية، وكيف استشرفت الحركة النبوية مستقبل العمران الشهودي العالمي والسعي نحو تحقيق الظهور الكلي للدين.

ثالثًا- الكليات السننية للعمران البشري في المنهج النبوي:

الكلية الأولى: كل سنة من السنن تتعارض مع مقاصد الدين فهي من الدين عارية.

الكلية الثانية: كلية الفعالية والأصالة.

الكلية الثالثة: اعتبار المآل شرط في صحة النظر السنني، فما كانت نتيجته الفساد والشر يمنع الإقدام عليه.

الكلية الرابعة: الاستباقية الوقائية التي تنشأ عن قاعدة اعتبار المآل.

الكلية الخامسة: أن السنن تتكامل ولا تتعارض لأنها من عند الله تعالى.

الكلية السادسة: تكاملية منظومات السنن: سنن العمران والتاريخ، سنن الهداية، سنن التأييد والإمداد.

الكلية السابعة: مدافعة السنن بعضها البعض لتحقيق العمران.

الكلية الثامنة: التناغم بين السنن التشريعية والآيات الآفاقية والنفسية وسنن التاريخ والاجتماع والعمران.

الكلية التاسعة: تكاملية وتوازن المبدأ والواقع.

وفى نهاية الفصل يشير الكاتب إلى ضرورة تتبع واستقراء الكليات السننية في المنهج النبوي، وأن ما ذكره من كليات ليست على سبيل الحصر وإنما الأمر يحتاج إلى تتبع وجمع واستقراء والاستعانة بمناهج تخصصات عدة كعلماء الأصول والاجتماع وغيرهم.

الفصل الرابع: سنن العمران البشري في الفعل،

 والمنهج النبوي بين البدايات والنهايات

أولًا- مراحل البناء السنني للعمران البشري في السيرة النبوية ومنظومة القيم المضادة له:

يميز الكاتب في حديثه عن تاريخ السيرة النبوية في سعيها لإقامة عمران بشري وفق سنن الله بين مرحلتين، مرحلة التأسيس والبناء، ومرحلة النصر والتمكين:

1- مراحل البناء السنني للعمران البشري في السيرة النبوية:

ويرى الكاتب من منظور سنني أن هذه المرحلة امتدت من بداية الدعوة ونزول الوحي على النبي ﷺ إلى صلح الحديبية، لما أفرزه هذا الصلح من معطيات جديدة أسهمت في إحداث تغييرات جوهرية في شبه الجزيرة العربية. ويقسم الكاتب هذه المرحلة إلى مراحل جزئية:

أ- من بدء الوحي إلى الهجرة الأولى إلى الحبشة: وهي لحظة البحث عن الإنسان المؤهل لتشكيل القاعدة الصلبة للعمران، والهجرة من المنظور المادي الاقتصادي نحو أنسنة الفعل التغييري العمراني وجعل الإنسان محور العملية العمرانية.

ب- من الهجرة إلى الحبشة إلى الهجرة إلى المدينة: وهي لحظة بناء الإنسان وتأهيله ليكون قادرًا على تحمل أعباء الدولة.

ت- من الهجرة إلى المدينة إلى صلح الحديبية: لحظة بناء الأمن الاجتماعي والسياسي وهي لحظة الهجرة من القبيلة إلى الدولة.

أ- مرحلة التأسيس البناء: ينتقل الكاتب للوقوف عند التجهيز السنني الذي تجلى في منهج النبي ﷺ في هذه المرحلة فيقف عند دلالات مجموعة من التدابير والخطوات التي اتخذها النبي ﷺ في هذه المرحلة، وإن كنت أرى أن هذا الجزء يعد تكملة لما ذكره الكاتب في الفصل الثاني من هذا الباب تحت عنوان الفقه السنني النبوي وعمق الإنجازات التاريخية في تعزيز بنية الشروط الحاسمة في إقامة عمران إسلامي عالمي، حيث ذكر حينها الدعائم الكبرى التي أقام عليها النبى ﷺ حركته الرسالية في بناء الاجتماع والعمران الإسلامي مثل بناء المسجد والمؤاخاة وهكذا وما سيذكره الكاتب هنا يعد مكملا لهذا الجزء ولا ينفصل عنه حيث يذكر الكاتب الآتي:

– التعليم فداء الأسرى.

– الإحصاء أو المسألة الديموغرافية السكانية.

ب- مرحلة النصر والتمكين: يقسم الكاتب هذه المرحلة إلى لحظتين تاريخيتين:

اللحظة التاريخية الأولى تمتد من صلح الحديبية حتى فتح مكة ويسميها لحظة الهجرة من السلطان السياسي إلى السلطان العمراني أو من الدولة المحدودة بحدود جغرافية إلى العمران الممتدة آفاقه خارج حدود الجغرافيا، يقف الكاتب عند استثمار النبي ﷺ لسنن الله في العمران في هذه اللحظة حيث أرسال الرسل إلى الملوك والأمراء والتوجه نحو عالمية العمران وما يتطلبه هذا التحول من سنن مثل سنة الاختلاف، التعارف، التعاون، التدافع، التداول…إلخ، وإنهاء الوجود اليهودي الإقصائي الصراعي الذي لا يؤمن بتدافع الحضارات، وأخيرًا فتح مكة الذي توجت به هذه اللحظة التاريخية.

 أما اللحظة الثانية فتبدأ من فتح مكة وأطلق عليها الكاتب لحظة استكمال الهجرة من الدولة إلى إقامة العمران الإسلامي الرسالي العالمي، ويبين الكاتب هنا أيضًا استثمار النبي ﷺ لسنن الله في العمران في هذه اللحظة، حيث فتح مكة وما حصل فيه من تكسير الأصنام إعلانًا للتوحيد وتحريرًا للإنسان من الوثنية، وخطبة الوداع ما اشتملت عليه من توكيدات تخلية الفكر من العصبية الجاهلية، وغزوة تبوك التي كانت آخر غزوة غزاها النبي ﷺ والتي كانت تجسيدًا عمليًا لعموم الرسالة، وأخيرًا حجة الوداع وما تخللها من خطب منبئة بخصائص اللحظة التاريخية القادمة التي ستعيشها الأمة الإسلامية في تدافعاتها المتوالية لتثبيت دعائم العمران البشري وفق سنن الله تعالى.

2- منظومة القيم المضادة للعمران البشري:

يتناول الكاتب في هذا السياق أهمية الدور الذي تلعبه القيم باعتبارها جزء من المنظومة الكلية لثقافة المجتمع وعلاقتها بالعمران البشري وكيف يمكن أن تتسبب في هدمه، في هذا الإطار يقترح الكاتب نموذجًا لتصنيف القيم مستلهَمًا من سورة العلق يتكون من ثلاث منظومات قيمية يقابلها ثلاث أخرى، منظومة قيم الطغيان يقابلها منظومة قيم الهدى، ومنظومة قيم الاستغناء يقابلها منظومة قيم التقوى، منظومة قيم المنفعة المفصولة عن الآخرة يقابلها منظومة قيم الإحسان، وهنا يبين الكاتب أن المجتمع حينما يتحول من منظومات القيم الإيجابية في تجلياتها الوظيفية (الهدى، التقوى، الإحسان) نحو منظومات القيم السلبية (الطغيان، الاستغناء، المنفعية) فإنه يتحول إلى أنساق اجتماعية زائفة وهشة ويكون عمرانه عمرانًا كاذبًا وسرعان ما ينهار، ويشير الكاتب هنا إلى نقطة هامة وهي أن الدين مصدر القيم ولا يمكن فهم القيم بمعزل عن الدين.

ويعد هذا الجزء خارج السياق قليلًا لأنه ابتعد بنا عن سنن العمران البشري إلى القيم، ورغم أن القيم محورية في علاقاتها بالعمران إلا أن الهدف الأساسي للكتاب هو السنن وهذا ما سار عليه الكاتب منذ البداية.

ثانيًا- دعائم سنن التغير الاجتماعي وشروط إحكام سنن العمران البشري في ضوء الهدي النبوي:

يشير الكاتب إلى أن الهدي النبوي في إقامة العمران الإسلامي مثَل نموذجًا لإرشاد العالم إلى سنن التغير الاجتماعي، ويتناول الكاتب هنا ما سماه بدعامات التغير الاجتماعي، والتي لابد أن تتسم بالكلية والعموم والإطراد شأنها شأن السنن، ومما يؤخذ على الكاتب أنه لم يوضح الفرق بينها وبين السنن ولم يبين كيف تكون كليتها وعموميتها وإطرادها بذكر أمثلة تبين ذلك. ويكمل الكاتب بأن التغيير الذي حققته الممارسة النبوية تم من خلال أربعة مستويات: مستوى صناعة التغيير وإنتاجه، مستوى إدارة التغيير وتدبيره، مستوى ضبط مسارات التغيير وتوجيهه، ومستوى حماية مكتسبات التغيير واستشراف آفاقه، وهنا يذكر الكاتب دعامة واحدة في كل مستوى ويبين آثارها في بناء العمران البشري السنني.

تتمثل الدعامة الأولى في العصب الاجتماعية وصناعة القادة وهي التي يمثلها مجتمع الصحابة، ويصنفهم الكاتب إلى أقسام يبين دور وخصائص كل فئة والأدوار التي كلفهم بها النبي ﷺ. أما الدعامة الثانية فتتمثل في الكتلة الحرجة والاحتياطي الاستراتيجي التي تمثلها جماعة المكيين الذين بادروا بالإسلام وحماية النبي ﷺ لهم بأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وهي دعامة مكملة للدعامة الأولى ويتعلق كلاهما بالرأسمال البشري الذي أمن به النبي ﷺ مستقبل مشروع العمران الرسالي. أما الدعامة الثالثة فهي دعامة الفرص المتاحة والتهديدات الممكنة وضبط مسارات التغيير وتوجيهها والتي تتمثل في اغتنام الفرص بالنظر في الأسباب الظاهرة والخفية المتحكمة في المجتمع والقدرة على التنبؤ والتوقع والاستشراف. وأخيرًا الدعامة الرابعة المتمثلة في الخصوبة والبدائل وحماية مكتسبات التغيير واستشراف آفاقه، ويعني الكاتب بالخصوبة النمو الديموغرافي والتكاثر الطبيعي، والبدائل يقصد بها التنبيه على ضرورة تفكير الأمة في البدائل والفرص التي تتحاشى بها الوقوع في الفتن التي حذر منها النبي ﷺ.

ثالثًا- الفقه السنني في توقع الأزمات في ضوء الهدي النبوي:

يستحضر الكاتب هنا المنظور الاستشرافي الاستباقي الذي كان ينهجه النبي ﷺ

1- أصول الفقه المستقبلي في توقع الأزمات وإدارتها في ضوء السيرة النبوية:

يحدد الكاتب هذه الأصول التي كان يرسخها النبي ﷺ في نفوس أصحابه في أربعة أصول تتضمن: الأصل الإيماني والذي ينطوي على اليقين في موعود الله عز وجل متى استكملت شروطه. والأصل الأخلاقي والذي يتمثل في الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المسلم لكي يكون قادرًا على مواجهة الأزمات، مثل الصبر والنصرة والإيواء والقيم الإيجابية. أما الأصل الثالث فهو الأصل المعرفي الذي يقوم على وضوح المرجعية والنظر الكلي المقاصدي ومركزية الوعي بالزمن. وأخيرًا الأصل التنظيمي المتعلق بالجانب الإداري.

2- قواعد الفقه المستقبلي في توقع الأزمات وإدارتها في ضوء السيرة النبوية:

يجمل الكاتب هذه القواعد في الآتى معلقًا على كل منها بأمثلة ووقائع في السيرة النبوية:

أ- رصد ظواهر النفاق والإرجاف (إشعال نار الفتن) في التنظيم الاجتماعى.

ب- بناء نظم اتصال فعالة ومنظمة.

ت- السرعة والجاهزية في تدبير الحدث ومرونة في تغيير الخطط.

ث- تشكيل جهاز معلوماتي استخباراتي.

ج- تشكيل رؤية وصورة واضحة ودقيقة وواقعية عن الأزمة.

ح- تغيير موازين القوى، والإخلال بتوازن الطرف الآخر وكسر إرادته.

خ- التنسيق الترابطي التكاملي بين الأهداف والإجراءات والكيفيات والتوقعات ومنظومة القيم.

د- النظر في الفرص المتاحة والتهديدات والمخاطر المتوقعة.

ذ- إعمال المنطق الإحتمالي التخيلي.

ر- تدبير عملية التفاوض.

ثم ينهى الكاتب دراسته بخاتمة تلخص أهم ما يرنو إليه وأهم ما توصل إليه من استنتاجات. وبهذه الدراسة يفتح الكاتب آفاقًا جديدة في دراسة السيرة النبوية حيث طرق من خلال دراسته أبوابًا يصلح كل منها أن يكون دراسة مستقلة في حد ذاتها.

عرض:

أ. يارا عبد الجواد**

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث وأستاذ بجامة ابن زهر بأكادير. المغرب.

**  باحثة في العلوم السياسية.

عن يارا عبد الجواد

شاهد أيضاً

الترف الخالد: من عصر المقدس إلى زمن الماركات

تأليف: أ. د. جيل ليبوفتسكي، أ. د. إلييت رو

ترجمة: أ. الشيماء مجدي

عرض: أ. أميرة مختار

يعرض هذا الكتاب مقالتين لكاتبين، وهما بمثابة إضاءتين الأولى تأويل سوسيو- تاريخي للترف، ووجهة نظر طويلة المدى، والأخرى مقاربة تسويقية وسيميائية للترف تركز على هوية الماركات وتدبيرها.

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

تأليف: أ. محمود محمد شاكر

عرض: أ.تقى محمد

رغم مرور أكثر من 45 سنةٍ على صدور كتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" والذي يُعد مقدمةً لكتاب "المتنبي"، إلا أنه مازال إلى اليوم حاضرًا ومستحضرًا في حياتنا الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.