أخبار عاجلة

المادية وموت الإنسان

الماديـة وموت الإنسان*

د. عبد الوهاب المسيري**

تؤكد العقلانية المادية على عناصر التجــانس والتكــرار والكـم والسببية والآلية، ولذا فهي تتسم بمقدرة عاليـة نوعـاً على رصـد حركــة الأشــياء ودراستها، فالعقلانيـة المادية تتحرك في إطـار الواحدية المادية التي تخضع لها الأشياء، أما الإنسان فهو ظاهرة تتجاوز حدود الواحدية المادية. ولذا فإن سلكوه، سواء في نُبله أو ضِعَتِه، في بطلوته أو خساسته، ليس ظاهرة مادية محضة وإنما ظاهرة مركبة لأقصى حد:

1. فعقــل الإنسان لـه مقدرات تتحدى النموذج التفسيري المادي، حتى أننا نجد عالماً مثل تشومسكي ينكر تماماً أن عقل الإنسان مجرد صفحة بيضاء سلبية، (وهو الافتراض الوحيد المتاح أمام الماديين) وإنما هو عقل نشط يحوي أفكــاراً كامنــة فطرية. ولـذا نجـد أن تشومسكـي يتحدث عن “معجزة اللغة” باعتبارهـا ظاهرة لا يمكن تفسيرها في إطار مــادي، وإنما في إطار نموذج توليدي يفترض كمون المقدرة اللغوية في عقل الطفل، وهذا الكمون يعنـي أن العقل ليس مجـرد المخ -مجموعة من الخلايا والأنزيمات. وجان بياجيه يقدم رؤية توليدية لتطور الإنسان وتطور إحساسه بالزمان والمكان. وتزايــد الاعتماد على النمــاذج التوليديـة، في مقابل النماذج التراكمية، هو دليل على تراجع النموذج المادي.

2. ثم نأتي إلى مشكلة الفكر. يدعي الماديون أن الفكر هو صـورة من صور المادة أو أثر من آثـارها (فـالعقل صفحة بيضـاء تتراكم عليها المعطيات الحسية وتتحول إلى أفكار كليـة بطريقة آلية). وهي مقولة قد تبدو معقولة ولكنها تخلق من المشاكل أكثر ما تحل. السؤال هو: لماذا يأخذ الفكر هذه الصورة بالذات؟ ولماذا تختلف أفكار شخص عن أفكار شخص أخر يعيش في نفس الظروف؟ وهل الأفكار عصارات وأنزيمات تتحرك أم أنها شيء آخر؟ وما هي علاقـة المؤثـر المادي بالاستجابة الفكرية أو العاطفية؟ ولنأخذ فكرة مثل “السببية”. المعطيات الحسية المادية غير مترابطة ولا علاقة لها بأي كليات. ومع هذا، يُدرك العقل الواقع لا كوقائع متناثرة وإنما كجزئيات تنضوي تحت كلِّ متكامل، ولا يمكن أن يتم الإدراك إلا بهذه الطريقة. ولــذا، نجـد أن المـاديين (في عصر ما بعد الحداثـة)، ينكرون تماماً فكرة الكل، ويعلن نيتشه موت الإلـه الذي يعني في الواقع نهايـة الكل. وهجوم الماديين والطبيعيين على الكل أمر طبيعي، ففكـرة الكل تذكرنا بمعجزة الإنسان الذي يتجاوز النظام الطبيعي وحركـة الأنزيمات والذرات والأرقام. ومن ثم، فإنها تخلق ثنائية راديكالية تســتدعي مرجعية متجاوزة للنظام الطبيعي وهي الإله. فالكل يؤكد تجاوز الإله وتجاوز الإله يؤكد وجـود الإلـه كمقولة تفسيرية معقولة. ولذا لابد وأن تهاجم هذه الفلسفة فكرة الكل، حتى يعود الإنسان إلى الطبيعة ويُســتوعب فيها. وهكذا بدأت المادية بمحاولة تحطيم خرافة الميتافيزيقا، وانتهت بالهجوم على فكرة الحقيقة ذاتها.

3. وهنـاك أخـيراً حس الإنسان الخُلقي والديني، وحسه الجمالي، وقلقـه، وتساؤل عن الأسئلة النهائية الكبرى، وهي أحاسيس لا يمكن تفسيرها على أساس مادي، فهو أمر أكثر صعوبة من تفسير وجود الأفكار. وكما ينتهي الفكر المادي بإنكار الفكر، والكل، فهو ينكر الحس الخُلقي والجمالي ويُسقِط الأسئلة النهائية. فعبــارات مثل “القتل شر” و “وهذه اللوحـة جميلة” و “قلـق الإنسان بخصوص مصيره في الكـون” لا معنى لها من منظور مـادي، تماماً مثل عبارة “الله رحيم” أو “الله موجود” فكلها عبـارات لا يمكن إثباتهــا أو دحضهــا من خلال المنهج العلمي المادي.

4. والفلسفات المادية تدور في إطـار المرجعية المادية، ولذا فإنها ترسم صـورة واحدية للإنسان، إما باعتباره شخصية صراعيـة دموية قـادر على خرق كـل الحدود، وعلى إعلاء إرادته وتوظيف قوانــين الحركــة لحســابه، أو باعتبــاره شخصية قادرة على التكيف مع الواقع والخضوع لقوانين الحركة وهذه صورة مستقطبة غير حقيقة:

     أ. فالصورة الأولى تفشل في رصـد تلك الجوانــب النبيلة في الإنسان، مثل مقدرته على التضحية بنفسه من أجـل وطنه أو من أجل أبيه أو أمـه، ومقدرته على ضبط نفسه من أجل مُثُل عليا.

     ب. الصورة الثانية تؤكد أن الإنسان غير قادر على الثورة والتجاوز. وبالفعل يلاحظ في العصر الحديث هيمنة نظم سياسية تسيطر عليهــا رؤى تكنوقراطية محافظة. ومع هذا، لم تنجح الماديـة تماماً في قمع الإنسان وتسويته بالأمر الواقـع. فالإنسان لا يــزال غير راضٍ، قلقاً إن لم يعبر قلقه عن نفسه من خلال الثورة الناضجة فهو يعبَّر عن نفسه القلق بأشكال مرضية.

5. الماديـة تفشـل في تفسير إصـرار للإنسان على أن يجـد معنى في الكون ومركزاً له. وحينما لا يجد معنى له فإنه لا يستمر في الإنتاج المادي مثـل الحيوان الأعجــم، وإنما يتفسخ ويصبح عدميــاً ويتعاطى المخدرات وينتحر ويرتكب الجرائم دون سبب مادي واضح. وقضية المعنى تزداد حـدة مـع تزايـد إشــباع الجانب المادي في الإنسان، فكأن إنسانية الإنسان لصيقة بشيء أخر غير مـادي. والبحث عن المعنى قد عبَّر عن نفسه على هيئة فنـون وعقائد. وكما يقول علي عـزت بيجوفيتش: فــإن الدين والفن مرتبطان بالإنسـان منذ أن وُجِد على وجه الأرض، أما العلم (المــادي) فهو حديث، وفشل العلم المادي الذي يـدور في إطـار نمــاذج ماديـة في تفســير الإنسان، وفي التحكم فيـه، هو دليــل فشــله في إدراك الظـــاهرة الإنســانية، وإدراك أن الحلول التي يـأتي بها حلول ناقصة.

إن الفلسفة الماديـة تنكــر وجود أي جوهر مستقل عـن حركة المادة، فهـي تدور في إطــار المرجعية المادية الكامنة (ووحدة الوجود المادية). ومن ثـم، لا يحقق أي عنصر في الكون تجاوزاً، بما في ذلـك الإنســان. والفلسـفة العقلانيــة المادية، حينما تتعامل مع الإنسـان تنظر إليه في إطار نموذج تحليلي مادي/ طبيعي، يستبعد كل خصائصه غير الطبيعية مثـل تركيبيتــه ومقدرتــه على التجــاوز واستقلاله عن المقولات المادية/ الطبيعية، ثـم تقوم بتفكيكه إلى عناصره الأولية المادية “الحقيقية” وتـرده في كليتــه إلى مبدأ مادي واحد، وتقوم بتعميم المبــادئ العلمية والرياضية على جميع الظواهر. بما في ذلك الإنسان ـ ومن هنـا الهجوم المــادي الحتمي الشرس على الطبيعة البشرية والجوهـر الإنساني، أي على تلك السمات التي تميَّز الإنسان كإنسان: مقدرته على التجاوز أو انشغاله بالأسئلة النهائيــة الكـــبرى أو اســتقلاله عن الطبيعة/ المادة. فمفهوم الطبيعة البشرية يعني أن ثمة مقولة مستقلة داخــل النظام الطبيعــي المــادي تُســـمَّى “الإنســان” تستعصي على التفســيرات الطبيعية/ المادية، وهذا يمثل فضيحة معرفية، إذ أن ثنائية الإنسان/ الطبيعة، ستشير إلى ثنائيــة أخــرى: الإنسان/ الإلــه أو الخالق/ المخلوق. ولــذا، لابـد وأن تُســتوعَب الطبيعة البشرية تماماً في النظام الطبيعي، ولا بد وأن يختفي الإنسان كإنسان، وأن تهيمن المرجعية الكامنة الواحديـة الماديـة وأن تزول كل الثنائيـات أو تُحَّيد بحيث تصبح متوازنة ومتعادلة تماماً.

ومع هذا، يحدث أحياناً في داخل المنظومــة الواحدية المادية أن يصبح الإنسان هو مركز الكون المتجاوز لـه فتظهر ثنائية الإنسان/ الطبيعة، (وهكذا هو أساس الفكر الإنساني الهيومــاني ]التمركز حــول الــذات[) ومرجعيــة متجاوزة في إطـار مــادي. ولكـن مثل هذه الثنائية ثنائية واهية غير حقيقية، فالفلسفة الماديـة، كما أسلفنا، تنكر وجـود أي جوهر مستقل عن حركة المادة، ومن ثم لا يمكن لأي عنصر (بما في ذلك الإنســان) أن يحقق تجـاوزاً للنظام المادي الطبيعي. ولـذا، لا بد أن تسري القوانين الواحدية المادية في نهاية الأمر وفي التحليل الأخــير علــى الإنســان سريانها على الطبيعة، فيصبح الإنسـان بوعيـه وفهمـه وحسه الخلقي جــزءاً لا يتجـزأ من حركـة المـادة خاضعــاً لهــا، وتصبح هي المركز (وينتصـر الموضوع على الذات)، ويذوب الإنســان ويختفي ويفقد مقدرته على التجاوز ويُستوعَب تمامـاً في النظــام الطبيعي، فمــوت الإنسان هو نتيجة حتمية للرؤيـة الماديـة وموت الإله.

وسنضرب بعض الأسئلة على هذا الهجوم الشرس على الإنسان وعلى الطبيعة البشرية:

1. المساواة والتسوية:

إذا تم رصد الإنسان بشكل موضوعي، طبيعي/ مـادي، في إطار المرجعية الماديـة الكامنــة، فإنـه سـيتم اســـتبعاد مفهــوم الإنسـانية المشــتركة والجوهر الإنساني (وهي أمور متجــاوزة لعــالم المـادة). وبـدلاً من ذلك سيقوم الراصد العلمي بما يلي:

      أ. سيتم رصـد الفروق الماديـة بين الشعوب والأفراد بكل دقة وعناية، كما سيتم تســجيل الاختلافات في الذكــاء والمقدرة العضليــة والفروق الناجمة عن الاختلافـات في البيئة، وسيتم كذلـك تأكيد الاختلافات التشريحية بين الرجــل والمرأة، وبـين الأقويـاء والضعفاء (وهذا تعبير عن النزعـة نحو تأليــه الكــون في النظــم الماديـة). ولـذا، ليس من قبيــل الصدفة أن عنصرية التفاوت الغربية (بما في ذلك النازية والصهيونية) استندت إلى نظريات مادية عن الاختلافات بين الشعوب، وتم اسـتبعاد الشعوب وإبـادة الملايين وتدمـير المعمــورة باسم هذه المنظومة العلمية التي لا تعرف الرحمة أو التراحم، ولا تعرف الضحــك أو البكــاء ولا الخير أو الشر، فهي لا تعرف سوى القوة والعنف والبقاء والهلاك. وهذه هي عنصرية التفاوت وعدم المساواة.

     ب. يمكن للرصد العلمي أن يتجاهل كل هذه الفروق ويركز على الصفات المادية العامـة المشـتركة بين كل البشر ووظائفهم البيولوجية (التعبير عن النزعة نحو إنكار الكون). ولكن هذه الصفـات المادية العامة المشتركة بين البشر هي ذاتها الصفـات التي تربط بين البشر والقـردة العليــا، على سبيل المثــال، وتسوي بينهم (وهذه عنصرية التسوية). فالرؤية المادية العلمية لا ترصد سـوى الاختلافات الواضحة أو الصفات العامـة المادية المشتركة أي أنها رؤية تتأرجح وبحدة بين التفتت الـذري والوحــدة الكونية العضوية. وفي كلتا الحالتين، يتم استبعاد مفهوم الإنســانية المشتركة، وعنصرية التفــاوت وعدم المســاواة أمـر معروف لدينا، تم دراسـته وتمحيصــه، ولكن عنصرية التسوية هـي أمـر جديد تماماً (فهي عنصرية ما بعد الحداثة) وهذا ما سنركز عليه.

أما “المساواة” فهي أن يتعادل شيء ما وآخر في “بعض” الوجوه وحسب، أمـا “التسوية” فهي إحداث التساوي بين شيئين في كل الوجوه. والمساواة بين البشر هي مساواة بينهم في الأساسيات الإنســانية (أي فيما يميز الإنسـان كإنسـان)، أما التسوية فهي تسوية بين كـل المخلوقات (البشــر والحيوانــات والجمـادات) في كـل الوجوه تقريباً. وكل من “المسـاواة” و “التسوية” نتــاج عملية تجريدية، لكن المساواة تتــم في إطار المرجعية المتجاوزة، والإيمان بأن الإنسان مقولـة مســتقلة عن عــالم الطبيعة/ المادة رغم وجوده فيها. ولذا فإن التجريد يأخذ شكل نـزع السمات الشخصية والفردية عن البشر، بحيث تظهر السمات التي تميزهم كبشر، والحـدود التي تفصلهم عن بقية الكائنـات، فتتضح تركيبية الإنسان وتميزه عن عالم الطبيعة/ المادة، أمـا التسوية فهي عملية تتم في إطار الطبيعة/ المادة. فيتم نزع كل السمات غير المادية عن الإنسان لتظهر السمات المادية المشتركة بينه وبين بقية الكائنات، ومن ثم تنزع عن الإنسان كل قداسة وخصوصية ومركزية وتركيبية، وتسقط حدوده الإنسانية، ليصبح الانسان مجرد مادة، شيئاً بين الأشياء يتساوى معها ويُسوَّى بها.

والمساواة لهذا السبب، هي مفهوم إنساني أخلاقي ديني يستند إلى أساس غير مـادي (مرجعية متجاوزة)، أما ما يسمى “بالمسـاواة” في العصر الحديث فهو في واقع الأمر تسوية، تتم في إطار مرجعية مادية كامنـة، أي أنها عمليـة تفكيـك للإنسان وتدمير وتقويض لـه ككيان مستقل عن الطبيعة/ المادة. وقد يتم مســاواة الإنسان بالإنسان الآخر، ولكن يتم تســويتهما بالإنسان الطبيعي المادي الذي يتساوى في كل الوجوه مع الكائنات الطبيعية الأخرى.

وفي تصورنا، فإن مفهوم المساواة (في الغرب) كان يدور في إطار المرجعيــة المتجاوزة، وكان ترجمة علمانيــة، واعية أو غير واعية، للفكرة التوحيدية المتمثلة في قصة الخلق: خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها، وقد جئنا كلنا من صلب آدم. فثمة مســاواة مبدئيــة بين البشــر في الأساســيات الإنسانية، أي فيما يميزهم كبشـر، في جوهرهم الإنساني الذي يفصلهم عن عالم الطبيعة/ المادة. وتتحقق إنســانية الإنسان بمقدار اقترابه من الحالة الإنسانية المثالية أو الجوهرية هذه، وبمقدار تجــاوزه لكثير من دوافعه الطبيعية والمادية (التي تدفع به في عالم الصيرورة)، وبمقــدار اقترابه من الحالـة الإنســانية المثاليــة أو الجوهريـة، وبمقـدار تجاوزه لكثــير من دوافعه الطبيعية والمادية، وبمقدار إعلائـه لهذه الدوافـع وتعبيره عنها من خلال أشكال إنسانية متميَّزة عن الأشــكال الطبيعية المتاحة للحيوانات، إذ ثمــة اختلاف بينه وبين الطبيعة/ المادة بسبب الثغرة أو المسافة التي تفصل بينهما. وفي هذا الإطار، تصبح المساواة شكلاً من أشكال تحقيق الإنسانية وتحقق جوهر الإنسان، فهي شكل من أشكال الاجتماع البشري وتحقيق لقيمة مطلقة متجاوزة للمادة والطبيعة، بل ومتجاوزة لدوافع الإنسان الماديـة والجســدية، أي تجــاوز لمــا يســمَّي (الإنسان الطبيعي “المادي”) “واقــتراب لمـا يمكن أن نسميه “الإنسان الربـاني” الذي يحوي داخله عناصر لا يمكن ردها إلى النظام الطبيعي، (أو لا يمكن أن نســـميه “الإنسان في المنظور الهيوماني” والذي لا يمكن أن يُرد إلى الطبيعة/ المادة).

ولو قلنا: “كلكــم لآدم وآدم من تراب” في إطار المرجعية المتجاوزة، فـإن آدم هنـا يحوي داخلــه قبســاً من الله ســبحانه وتعالى يجعله مســـتخلَفاً في الأرض، (أو يحــوي داخلــه ذاتـه التـي ترفض الإذعــان للمــادة)، وبـذا يصبـح كائناً حراًّ مسئولاً عن أفعالـه، لـه هوية مستقلة، وإرادة مســتقلة، ومقـدرة على إدراك الخير والشر وما ينفع وما يضر، ولا يمكن تفكيكـه أو تقويضه. أمـا إذا قلنا نفس العبارة في إطار المرجعية المادية الكامنة، فإننا نرى أن آدم هو تراب وحسب، ويمكن أن يـرد تماماً للتراب فُيسـوَّي بالطبيعة/ المـادة، فهو الإنسان الطبيعي الذي يمكن تفكيكه وتقويضـه ورده إلى الطبيعة/ المــادة ولا وجــود مستقل له عنها، تسري عليه القوانين الطبيعية سريانها على القرود والفراش والأشجار. ولذا فإن التسوية تعني اقتراباً متزايداً من حــال الطبيعة، وتشــكل هجومـاً شرسـاً على الطبيعة البشـرية وعلى كـل المعايـير أو الموازيـن التي تفترض وجود مرجعية إنسانية متجاوزة، كما تأخذ شـكل الابتعاد المتزايد عن الحالة الإنسـانية والجوهــر الإنســاني والاقتراب المـتزايد من الفكــرة الماديـة الطبيعية.. فالتسوية لا تتم من خلال اقتراب البشر من خصوصيتهم الإنسانية، وإنما تكمن في مقــدار تخليهـم عن هذه الخصوصية وذوبـانهم في عالم الطبيعة العام حتى يصبح الإنسان إنساناً طبيعياًّ، ثم يتطور هذا الإنسان ويزداد تخليه عـن أي خصوصية إلى أن يصبح طبيعة/ مـادة محضاً خاضعاً تماماً لقوانين الحركة.

2. وحدة العلوم:

لنأخذ الحوار الدائر منذ عصر النهضة (والذي لم ينته بعد) عن وحـدة العلوم، فهناك من يرى أن هناك علوماً وحسب يمكن عن طريقهـا دراسة كل من الإنسان والطبيعة دون تمييز أو تفريق بين علوم طبيعة وأخــرى إنسانية، وهؤلاء يـرون أن كـل العلوم تهتــم بوقـائع لا تختلف في حالـة الإنسان عن حالة الحيوان، ولكن هناك أيضاً من يرى أن العلوم الإنسانية لا بد وأن تظل مستقلة تماماً عن العلوم الطبيعية، فوقــائع العلوم الإنسانية في تصورهم تختلف عن وقائع العلوم الطبيعية. فالواقعــة في السياق الإنساني ينتجها موجـود إنســاني لـه ظاهر وباطن، وله معايير وقيم وأهــداف ومقاصد ومشاعر وهواجس، أمـا وقـائع العلوم الطبيعية فهـي مجــرد حركـة في الزمان والمكان ولهـا وجــود حسـي وملموس، والوقـائع الإنســانية ليست ماثلة أمامنا بشكل مباشر، فهي مرتبطة بعالم الدوافع التي تحركها والرموز التي تعبر عنها، وحتى يمكننا الوصول إليها لا بد وأن نكد ونتعب ونفسر ونتعاطف مع الإنسان، أما الوقائع الطبيعية فهي وقائع مباشرة تخضع للإدراك الحسي، ولذا فالوقائع الإنسانية تخضع للفهم الذي ينفذ إلى المعاني الباطنـة داخل الأشياء، أما الوقائع الطبيعية تخضع للتفسير. إن الوقائع الإنسانية ذات طبيعة كيفية خالصة، أما الوقائع الطبيعية فيمكن التعبير عنها بلغة الكـم (انظر: “نموذج تفسيري (اجتماعي)”.

ونحن لو دققنا النظر لوجدنا أن الصراع الدائر هنـا هو صراع بين المرجعيتين (المرجعية المتجاوزة والمرجعية الكامنة)، يأخذ شكل صراع بين دعـاة الإيمان بالإنسان المتجاوز للطبيعة (الذي يستند وجـوده إلى نقطـة خـارج النظام الطبيعي) من جهة من وجهة أخرى دعاة الإيمان بالطبيعة المادية التي تحوي داخلها ما يكفي لتفسيرها، والذين يساوون بين الإنسان والكائنات الطبيعية، ويسوون بينهمـا فيســقطون الإنســان كمقولــة مستقلة في النظام الطبيعي، ومن هنا، فنحن نصفهم بالعداء للإنسان (بالإنجليزيـة: أنتي هيومـانيزم/ anti-humanism)، فدعـاة الإيمان بالطبيعة يرون أن القوانين العامـة للعالم هي القوانين الكامنة في المـادة والتي تسري على كلًّ من الطبيعة والإنسان دون أي تفرقة أو تمييز، وأننا سيزداد تحكمنا في أنفسنا وفي الطبيعة، وأن المعرفــة هي تزايـد معرفتنــا بقوانين الحركة المادية العامـة، ذلك لأن المنحنى الخاص للظاهرة الإنسانية وما يمــيَّز الإنسان كإنسان (جوهـره الإنساني وتركيبيتـه ومقدرتــه على التجــاوز) أمور لا تهم، ولهذا ينادى دعاة وحدة العلوم بأنــه من الممكن إدخـال كـل شيء في شـبكة السـببية الصلبـة والمطلقة ودراسته من خلال النماذج الرياضيـة (التي تتجاوز المرجعية المتجاوزة، ربانيــة كـانت أم إنسانية). قـد نخطئ في محاولتنا ولكننا نعـاود الكرة وتــزداد معرفتنــا ويـزداد تحكمنا، وتدرا التجارب في إطار محايد خال من أي قيم إنسانية أو أخلاقية تضع حدوداً على التجريب، أو تطـرح أي غائية خاصة بالإنسان، أو تمنحـه أي مركزية، فـكل الأمور متســاوية، ولـذا لابد وأن يخضع كل شيء للتجريب الذي يستبعد أي معايير غير علمية وغير مادية مثــل الســمات البشــرية، أو القيم الأخلاقية، أو الطبيعية البشرية بالحيوان، وتختفي معه العلوم الإنسانية وتصبح كل العلوم طبيعية، تدرس قوانين المادة، كمـا يطالب دعـاة وحدة العلوم.

وانطلاقاً من مفهوم وحدة العلوم (أو واحديتهــا المادية) يبدأ تأسيس علوم طبيعية تستعبد الجوهر الإنساني ومفهوم الطبيعة البشرية. ومما لا شك فيه أنه إن أراد الإنسان أن يبني كوبري فإنه لابد وأن يعرف طبيعة المواد التي سيبنى بهــا هذا الجسـر وطريقـة تنظيمها وتركيبها وخواصها.. إلخ وبدون هذه المعرفة، لا يمكن أن يدعي الإنسان أنه على “علم” بالجسر، ولتأسيس علم الحيوان مثلاً لابد وأن نعرف نطاق هذا العلم من خلال تعريف الحيوان في مقابل الإنسان والنبات. وحتى في العلوم غير الدقيقة، مثل النقد الأدبي وتـاريخ الفنون، لا بد وأن تتم الإجابة على سؤال: ما الأدب؟ والسؤال الذي لابد وأن نطرحه هو: هل يمكن تأسيس علوم إنسانية دون معرفة الإنسان؟ هذا ما حدث بالفعل في العلوم الإنسانية الغربية إذ اختفت الإشارات الطبيعية البشرية تماماً فيها، ولا يمكن الحوار إلا من خلال المؤشرات الكميــة والجــداول والقرائـــن المادية المباشرة.

وحينما ترسم هذه العلوم صـورة الإنسان، فإنه يكون إنساناً طبيعياً وظيفياً ذا بُعد واحد، آلياً يتحرك في إطار الدوافع والمثيرات، ويقَسَّـم إلى الـذات والذات العليــا والهو ويدفعه الإيروس والثانـاتوس (فرويــد)، أو النماذج الأصليـة (يونج). وكما يقول “على عزت بيجوفيتش”: فلقد تم طـرد النفس من علم النفس، وفي علم الاقتصاد نجد الإنسان مجموعة من المصالح الاقتصادية، وفي علم الأخلاق هو كيان تحركه الرغبة في البقاء المادي وتحقيق المصلحة المادية، أما في علم الاجتماع، فقد أعلن “دوركهايم” أن الظواهر الاجتماعية مستقلة عن الأفراد، وتتمتع بسلطة قاهرة تفرض نفسها على الأفراد عن طريق الإكراه، وأن الضمير الفردي صدى للضمير الجمعي. فعندما يتكلم ضميرنا فمعنى ذلك أن المجتمع هو الذي يتكلم فينـا، فـالفرد “ذرة اجتماعية” يدرسها علم الاجتماع الذي كان ينوي “كونت” تسميته الفيزياء الاجتماعية! أما الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) فهو يؤكد أن الإنسان ليس له طبيعة وإنما له تاريخ، وإن كانت لدية خاصيات عند الولادة، فهي مجرد استعدادات شفافة لا تصمد أمام مؤثرات المحيط القادر على تشكيل الإنسان كيفما شاء. ففي الإنسان لا توجد دوافع نفسية ثابتة، اللهم إلا دافع الجنس والأكل، أما دافع المعرفة والعاطفة والتملك وغيرها فهي في نظر بعض الدراسات الأنثروبولوجية متغيرة، تظهر وتختفي بحسب عوامل البيئة. كما سعت النظريات التاريخية (المادية) إلى بيان أن الإنسان كائن تشكَّل عبر التاريخ وعبر علاقاته مع الطبيعة ومع الآخرين وأنه قبل ذلك لم يكن إنساناً، وليس في طبيعة الإنسان خاصيات أولية مشتركة بين الناس؛ لأنه ليس للإنسان طبيعة، فالإنسان هو مجموع علاقاته الإنتاجية، وهو لحظة من لحظات جدل الطبيعة، هنا تنتفي الذات الفردية لتخلي مكانها للذات الجماعية وتتراجع الذات الواقعية الطامحة لحساب الذات التاريخية الخاضعة لحتمية التاريخية المتحكمــة في مســار التاريخ، (محسن الميلي). وحتى في عالم الأدب (الملجأ الأخير للنفس البشرية)، ظهرت الفلسفات البنيوية والتفكيكية التي تحاول أن تطهر ذاتها من آخر المطلقات الإنسانية (أي الطبيعة البشرية) ولذا يتحول النقد الأدبي إلى محاولــة لرصد أنماط وبِنَى وألعاب لغوية، تدخل فيها الذات الإنسانية وتصبح خاضعـة لها.

إن العلوم التي تدعي أنها “إنسانية” وتدور في نطاق المرجعية المادية الكامنة، تنطلق من الإيمان بأنه لا توجد “عناصر إنسانية عالمية” أو “طبيعة بشرية ثابتة أو مستقرة” (خاصـــة)، فما يوجد هو ممارسات وعقائد لا ينتظمها إطار. وكما يقول “فوكوه”: لا يوجد ذات إنسانية ثابتة في التاريخ، ولا يوجد حالة طبيعية إنسانية، ولا يوجد شيء في الإنسان (حتى جسده) ثابت بما فيـه الكفاية، يصلح أساساً ليتعرف الإنسان على ذاته وليفهم الآخرين “فكل شيء بما في ذلك الإنسان حـادث بل عرضي وطارئ، ومن ثم محتمل الوقـوع والزوال. ولا مهرب من إدراكنا لهذه الحقيقة (ولحقيقة القوة والهيمنة، مطلق فوكوه الوحيد)، أي أن كل الأمور، بمـا في ذلك الإنسان -كما يعرف الجميع الآن في الغرب- مادية ونسبية وخاضعـة لذلك القانون الواحدي العام الذي يسري على الطبيعة والإنسان. هذا يعنى في واقع الأمر أنه لا توجد معيارية إنسانية، أي لا توجد سوى معيارية موضوعية شيئية. إن ما يحدث هنا هو إلغاء ثنائية الإنسان/ الطبيعة، أي ثنائية الجنس البشري/ الأشياء، ليسود عالم الكم والأرقام والنماذج الاختزاليــة البسيطة التي قد تعطي من يستخدمها راحـة كبيرة ومقدرة على الإنجاز، ولكنها تفكك الإنسان تماماً ثم تقتله. وليس من قبيل الصدفــة أن الفلســفة السائدة الآن في الغرب هي الفلسفة التفكيكية التي تهدف إلى تصفية كل الثنائيات، وعلى كلًّ فإن هذا هو ميراث الاستنارة المظلمة والمضيئة.

ولكن هنـاك النمـوذج الآخر الذي يرى الإنسان كظاهرة منفـردة متجـاوزة (ربانية) لا يمكن مســاواته أو تسـويته بالكائنــات الطبيعية. ولا شـك أن الإنسـان يحـوى كثيراً من العناصر الطبيعية، وهي عناصر لابد وأن تخضع بشكل مـا (وفي بعض جوانبها) إلى التجريب الطبيعي وتدخــل شــبكة السببية الصلبة. لكن الإنسان يظل يملك ما يتحدى التجريب وما لا يمكن معرفتـه ولا يمكن استيعابه داخل هذه الشبكة، إذ أي محاولة من هذا النوع لا بد وأن تبوء بالفشل. ولذا فإن أكثر النماذج التفسيرية كفــاءة حسب هذا التصور، هي النماذج المنفتحة الفضفاضة التي تعترف بثنائية الإنسان والطبيعة، وبأن الطبيعة البشرية والقيم الأخلاقية والغائية النابعة من مركزية هذا الإنسان هي المرجعية النهائية لدراسة ظاهرة الإنسان، وأن هناك ما يمكن معرفته وإدخاله في شبكة السببية الصلبة والمطلقة، وذلك مع تأكيدها بأن هناك أيضاً ما لا يمكن معرفته أو اصطيـاده، ومن ثـم فإن الوصول إلى تفسيرات كاملة وحلول نهائية أمر مستحيل، ولذا فقد اقترح هـؤلاء أن الإنسـان لا يُشــرح (ولا يُفسر كما نفعـل مع الظواهر الطبيعية) وإنما يُفهم ويُؤول، ومن هنـا ظهرت مدرسة الهرمنيوطيقا والتأويل التي تنظر إلى الإنسان باعتباره ظاهرة مركبة تستعصي على التفسير من خـلال النماذج الطبيعية المادية.

ويقول دعاة هذا النموذج الذي يدور في إطار المرجعية المتجاوزة أن النظم المعرفية المادية نظم واحدية تسعى إلى تفسير كل الظواهر تفسيراً كاملاً، ولذا فهي تسقط في حلم نهاية التاريخ حيث يصبح ما كان مجهولاً معروفاً. ومن ثم، فهي تقوم بتفكيك الإنسان وتسويته بكل الأشياء الأخرى، ومن هنا، فإن نهاية التاريخ تأخذ دائماً شكل يوتوبيا تكنوقراطية تسير حسب قوانين الأشياء العلمية المادية الموضوعية في دقة صارمة، وكأنها مترو مدينة “ليل” في فرنسا، الذي يسير بلا سائق بشري.

أما النظم التي تنطلق من الاعتراف بثنائية الإنسان/ الطبيعة، فهي لا يمكن أن تسقط في مثل هذه الرؤية الساذجة، ومن ثم فأن استراتيجية أنسنة العلوم بالنسبة لهؤلاء تتكون من: استرجاع مفهوم الطبيعة البشرية ككيان مركب لا يمكن أن يُرد للنظام الطبيعي ولا أن يسوى مع الأشياء الطبيعية، أي استرجاع الثنائية التقليدية، وإن تم استرجاع مفهوم الطبيعة البشرية، فإنه سيتم معــه استرجاع القيم الإنسانية والأخلاقية كقيم أساسية في عمليات البحث العلمي في مجال الطبيعة والإنسان، فاستبعاد هذه القيم هو الذي أدَّى إلى السقوط في الواحدية الكونية المادية، وإلى تسوية الإنسان بالحيوان، وإلى انفصال التجريب العلمي المادي عن العقلانية الإنسانية.

3. نظرية الحقوق الجديدة:

كثير من الحركات التحررية الجديدة الداعية للمساواة في عصر ما بعد الحداثة، تختلف تماماً عن الحركات التحررية القديمة (في عصــر الحداثـة). فالحركات الجديدة تدعو في واقع الأمر إلى التسوية، فهي ترفض مفهوم الطبيعة البشرية المتجاوزة للطبيعــة/ المــادة، وللإنسان الذي يشغل مركزاً متمـيَّزاً في الكون، وتصـدر عن فهم للإنسان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة/ المـادة لا يتسم بأي تجاوز لها أو تعالٍ عليها. وانطلاقـاً من هذا، تؤسس حركــات التحرر الجديدة نظريتها في الحقوق، فنجد جماعات تدافع عن الفقراء والسود والشواذ جنسـياً، والأشـجار وحقــوق الحيوانات والأطفال والعراة والمخدرات وفقدان الوعي، وعن كل ما يطرأ وما لا يطرأ على بـال (ولعل شيوع الرؤية الحلولية الكمونية الواحدية في العصر الحديث، هو الذي يفسر سر انتشار الديانات الطبيعية والعبادات الجديدة، والنزعات الكونية، والدفـاع الحلولي الكموني عن البنيـة، فكلهـا دعوات تؤكد أسبقية الكــون على الإنسان وتدعو الإنسان إلى الذوبان في الكون، وتلغي كيانه كمقولة مستقلة عن عالم الطبيعة). ويُعد رفض الإنسان تأييد هذه الدعـوة للتسوية فعلاً رجعيِّاً، ورفضاً للتقدم، مع أن رفضه هو في واقع الأمر، محاولة للعودة إلى الإنسانية والتراجع عن حالة الطبيعة المادية (البهيمية)، كما أنه دفاع عن مركزية الإنسان في الكون ورفض تسويته ومساواته بالحيوانات.

وفي هذا الإطار، يمكننا أن نعيد النظر في هذا الدفاع الشرس عن الشذوذ الجنسي والدعوة إلى تطبيعه، فهو في جوهره ليس دعوة للتسامح أو لتفهم وضع الشواذ جنسيِّاً، بل هو هجوم على المعيارية البشرية وعلى الطبيعة البشرية كمرجعية نهائية، وكمعيار ثابت يمكن الوقوف على أرضه لإصدار أحكام وتحديد ما هو إنساني وما هو غير إنساني. والشذوذ الجنسي هو محاولـة أخرى لإلغاء ثنائية إنسانية أساسية هي ثنائية الذكر/ الأنثى التي تستند إليها المعيارية الإنسانية.

بل إننا نرى أن الحديث المتواتر والمتوتِّر عن “حقوق الإنسان”، والذي تقـوده أكثر الدول إمبرياليـــة في العالم (الولايات المتحدة)، هو في جوهره هجوم على الإنسان والطبيعة البشرية، فالإنسان الذي يتحدثون عن حقوقه هو وحدة مستقلة بسيطة أحـادية البُعـد لا علاقـة له بأسرة أو مجتمع أو دولـة، وهو مجموعة من الحاجات المجرَّدة التي تحددهــا الاحتكـــارات وشــركات الإعلانات والأزيـاء وصناعات اللذة، والفرد هنا وحدة تتلقى عديداً من الإشارات الحسية البسيطة الكثيفة من مؤسسات عامة لا خصوصيــة لها ولا تحمل أي قيم (إلا فكرة تعظيم الأرباح). وحقوق مثل هذا الإنسان هي في واقع الأمر استمرار للهجوم على الطبيعة البشرية ككيان مركب متجاوز للطبيعة/ المادة ولذا لم يتحدث أحد عن حق الإنسان في وقف تيار الإباحية التي تُصَدَّر من الغرب، والتي تهدر أبسط الحقوق الإنسانية. وكذلك لا يتحدث أحد عن حقوق الأفراد (الشعوب) الذين سُرقت وتسرق أموالهم وتودع في بنـوك غربية من قبل شخصيات تساندها نفس الحكومات التي تصرخ عن حقوق الإنسان، ولم يحتج أحد على صناعة أسلحة الفتك والدمار التي يطور ويصنع معظمها في العالم الغربي. فالحديث دائماً يجري عن إنسـان مجـرد بسيط لا يوجد داخل المجتمع والتاريخ والأسـرة. ولـذا، نجد أن الحديث ينصب على الحقوق المطلقة لهذا الفرد أي حقوق تتجـاوز حقـوق المجتمع ومنظوماتـه الأخلاقيـة والمعرفية.

ويظهر الهجوم على الطبيعة من خلال نظرية الحقوق المطلقة في المفهوم الجديـد للأقليات الذي يروجه النظام العالمي الجديد وهيئة الأمم المتحدة وبعض الجامعات التي تدور في فلكها. فالجماعات الدينية الصغيرة أقليــة، والجماعات الإثنيـة الصغيرة أقليــة، والشواذ جنسياً أقلية، والنساء أقلية، والمعوقـون أقلية، والمسنون أقلية، والبدينون أقلية، والأطفال أقلية، وكل واحد فيهم له حقوق مطلقة، هذا يؤدى في واقع الأمر إلى أن فكرة المجتمع الذي يستند إلى عقد اجتماعي تصبح مستحيلة، إذ أن الحقوق المطلقــة لا يمكنها التعايش. وهـذا مـا حدث في فلسطين المحتلة حين جاء اليهود بحقوق يهودية مطلقة شردت الفلســطينيين وهدمت وطنـهم. ولكن الأخطر من هذا هو أن تكون الغالبية العظمى من الناس أقليات، فهذا يعنى أنه لا يوجد أغلبية أي لا يوجد معياريـة إنسانية، فتصبح كل الأمور نسبية متساوية، وتسود الفوضى المعرفية والأخلاقية.

4. مشكلة القيمة في المجتمعـات العلمانية (الرأسمالية والاشتراكية) الحديثة:

ثمة مشكلة أساسية كامنــة في المجتمعات العلمانية التي تستند إلى عقد اجتماعي نابع من الإيمان بحقوق الإنسان الطبيعية، وهو عقد -كما نعلم- ينص على مساواة كل البشر. ولكن الإطار العام هو المرجعية المادية الكامنة (الطبيعة/ المادة)، الأمر الذي يعني استبعاد أي قيـم متجاوزة مطلقة. واستبعاد الإنسان أيضاً كقيمة مطلقة. ومن ثـم يصبح نموذج المجتمع هو حركـة الــذرات المتســاوية المتحركة المتصارعة، وهو نموذج بسيط للغاية لا يعترف بالهرمية أو التراتبية ولا يمَّيز بين ذرة وأخرى. والذرات تتحرك من تلقاء نفسها ويسود النظام بشكل آلي من تلقاء نفسه، تماماً كما يحدث في عالم الأشياء والحيوان، فثمة تسوية كاملة بين الإنسان والأشياء. وتؤدي هذه الرؤية بطبيعة الحال إلى نسبية أخلاقية يتساوى داخلها الخــير بالشــر. وتعبِّر هذه المرجعية المادية الكامنة عن نفسها في مفهوم السوق/ المصنع وآليات العرض والطلب واليد الخفية (في النظام الرأسمالي) وفي مفهوم السوق /المصنع، والإيمان بأن كل شيء يُرد إلى المادة وبأن البناء الفوقي يمكن تفسيره في كليته في ضوء البناء التحتي (في النظام الاشتراكي).

ولكن إلى جانب هذا العالم الذري الأملس المستوي، الذي وقع في قبضة الصيرورة، الخالي من القيم المطلقة والذي لا مركز له، يوجد الإيمان (في كلٍّ من الرأسمالية والاشتراكية) بعزة النفس وبكرامة الإنسان وحقوقه المطلقة وبالعدالة، فهو إيمان بمطلقــات متجاوزة لعالم الصيرورة المادية، ومن ثم فهي تفصل الإنسان عن عالم الطبيعة وتميِّز بينه وبين الأشياء وترفض التسوية بينهما، ويتم ترتيب عنـاصر الواقع بموجبها. فما هو خير، هو ما يقترب من هذه القيم (الجوهرية) ويحققها، وما هو شر هو ما يبتعد عنهـا. وتستند النظرية الماركسية إلى الإيمان بوجود جوهر إنساني يشكل الابتعاد عنه اغتراباً، ومن ثم فإن مفهوم الاغتراب الماركسي، هو تعبير عن التمسك الإنساني الهيوماني بالمطلقات الإنسانية مثل العدالة ومنع الاستغلال ومســاواة الإنسان بأخيـه الإنسان، وهي مطلقات تشكل جوهر الاشتراكية في حقبتها البطولية، وباسمها تتم الثورة ليتجاوز الإنسان واقعه وينهي حالة اغترابه. فكأن هناك نموذجــين: واحد حلــولي كموني مـادي يُنكر التجاوز، والآخر يدور في إطار مرجعية متجاوزة داخل إطار مادي.

وهنـا، يبـدأ الصراع الحـاد الخـاص بالقيمة في المجتمعات العلمانية، فإذا كان ثمة إيمان بالقيم المطلقة، فمن ذا الذي يقرر هذه القيم؟ الإجابة الحديثة عن هذا السـؤال (في إطـار المرجعيــة الماديــة الكامنة) هو: الأغلبية العددية، ويقال أيضاً: العلم الطبيعي (الـذي يسوي بين الإنسان والطبيعة)، فلا يوجد أي حقيقة مفارقـة لواقعنا الأرضي وصيرورتنـا الزمنية، أي أن المتجاوز المفارقة (القيم المطلقة مثل الكرامـة والعزة) تُسقط في الصــيرورة (الأغلبية العددية والعلم الطبيعي). وهنا تظهر للإشــكاليات المختلفة. فماذا يحدث لو قررت الأغلبية الاستغناء تماماً عن مفهوم الطبيعة البشرية الجوهريـة المتميِّزة عن الطبيعة المفارقة لها، وبدأت تحكم على البشر من منظور حلولي كموني واحدي طبيعي مادي كمي؟ مـاذا لو قررت الأغلبيـة، متسلحة بالرؤية العلمية المادية الطبيعية، ضرورة إبادة المرضى الذين لا يُرجي شفاؤهم؟ أليس من حق أعضاء أي مجتمع يدور في إطار الحلولية الكمونية أن يقرروا أي قرار طبيعي مادي دون العودة إلى أي مرجعية إنسانية مفارقة؟ أليس من حقهم استئصال جزء من الجسد يراه صاحب هذا الجسد ضاراً، بما في ذلك أعضـاء الأقليات غــير المرغوب فيهم؟ أليس هذا أمراً طبيعيّاً ماديَّاً لا يمكن الوقوف ضده إلا بالعودة إلى مرجعية متجاوزة ومنظومة قيمية مطلقة تؤكد القيمة المطلقة للإنسان؟ وماذا لو أن أعضاء الأغلبية. انطلاقاً من إيـمانهم بـأن الإنسان كــائن طبيعي يتساوى مع كل الكائنات الأخرى، قرروا التخلي عن قيم إنسانية، مثل القيم الاشتراكية عن العدالة ومركزية الإنسان وآثروا الاستغراق في قيــم طبيعية مادية مثل الإنتاج والاستهلاك باعتبارها أموراً ألذ وأظرف وأكثر طبيعية وأكثر مادية ومعقولية من عمليات الدفاع عن هذه القيم (كما حدث في الاتحاد السوفيتي حين سقطت المنظومة الاشتراكية)؟

وتصبح الأمور أكثر إشكالية، على صعيد العلاقات الدولية، لو قررت دولة (مثلاً) غزو الدول والشعوب الأخرى، فما هو الأساس الأخلاقي لمحاولة وقفها عن عدائها (مع غياب المرجعية الإنسانية المشتركة المتجاوزة)؟ وماذا لو قررت دولة ما التوسع في إنتاج السلع (الطبيعية المادية التي لا علاقة لها بأي مرجعية إنسانية أو ربانية) المرتبطة بإباحيـة الأطفال كما تفعل الدنمارك (أكبر منتج لهذه الأشياء في العالم) وهل من حق الجماعة الدولية إيقافها؟ وما هو هــرم القيم الذي يجعلنا نفترض أسبقية قيمة أخلاقيــة إنسانية مطلقة غــير طبيعية (الوقوف ضد غـزو الشعوب والإباحية) على قيمـة طبيعية ماديـة خالصة مثل الإنتاجية والربح؟ وعلى أي أساس تعارض الأمم المتحدة الآن في انضمام بعض الجماعات المدافعة عن ممارسة اللواط مع الصبية ممن لم يبلغوا شن الراشد بعد؟ وإن قبلنا باللواط باعتباره أسلوباً مختلفاً من أساليب الحياة وتعبــيراً عـن حرية الإنســان وميلــه الجنسي، فما هذا الحديث عمن لم يبلغوا سن الرشد بعد؟ ولماذا يكون ذلك أمراً مباحاً لمن بلغو سن الرشد وغير مباح لمن لم يبلغ هذه السن السحرية بعد؟ أليست كل الأمور طبيعية مادية نسبية متساوية؟ أو لم يتم تسوية الإنسان بالإنسان والإنسان بالطبيعة؟

5. الثقافة الشعبية والهجوم على الطبيعة البشرية:

هذا الهجوم الواضح على الإنسان في العلوم الإنسانية الغربيــة العلمانيــة يظهر في أشـكال كثيرة من حياتنا اليوميــة، فيلاحظ في الثقافة الشعبية (التي تصدرها هوليود) شيوع شخصيات لا علاقة لها بالطبيعة البشرية أو بالإنســان كمـا نعرفه، فهناك الشخصيات مـا فـوق الإنسان (طرزان- رامبو … إلخ) ولكن هنــاك شـــخصيات دون الإنســان (فرانكنشـتاين ـــ مادونا) وهـي كلها شخصيات لا علاقة لها بالإنسان ولا بالطبيعة البشرية، تذكرنا بإنسان داروين ونيتشه وفرويـد. وسلوك الإنسان الجنسي وأحلامه هي شأن خاص تماماً مرتبط بفرديته ورؤيته للنفس. ولذا نجد أن الهجوم على الطبيعة البشرية في مجال الثقافة اليومية قد ركز على هذا الجـانب ببراعة فائقة، إذ أنه يمكن صياغة أحلام الإنسان الجنسية بطريقة تجعله يقبل اختفاء المعياريـة الإنسانية المركبة المتجاوزة للطبيعة/ المادة. ونحن نرى أن انتشار الإباحية في العالم الغربي ليس مجرد مشكلة أخلاقيـة، وإنما هي أيضـاً قضية معرفية. فالإباحية هي جزء من هذا الهجوم على الطبيعة البشرية وعلى قداسة الإنسان، ومحاولة تفكيكه، فقد قامت الرؤية العلمانية الإمبريالية بتطبيع الإنسان (أي رأتـه كائنـاً طبيعياً ماديــاً بسيطاً وحسب) ونظــرت إليه باعتباره مادة نسبية صرفة لا قداسة لها. والإباحية هي تعبـير عن نفس الاتجاه، فتجريد جسد الإنسان من ملابسه هو نوع من نـزع القداســة عنــه حتــى يتحــول الإنسان (خليفة الله في الأرض في الرؤى الدينية، ومركز الكون في الـــرؤى الإنسانية) إلى مجرد لحم يُوظف ويُستغل بحيث يصبح مصدراً للـذة. ومـن هـذا المنظور، يمكن أن نـرى الإبادة النازلة لليهود وغيرهم، على أنها شكل من أشكال الإباحية أو الإمبرياليــة الكاملــة التي تـؤدي إلى موت الإنسان الفعلي، فهي حولَّت البشر إلى صفوف وتلال لحم تُوظَف ويُنتفع بها (ولذا فنحن نـرى أن ثمة تشابهاً بين اللحظة النازية واللحظة التايلانديــة في الحضارة العلمانيــة، فكلاهما أسقط القداسة عن الإنسان ورآه مادة استعمالية تُوظَف في أعمال الســخرة في ألمانيا وفي البغــاء في تايلاند).

6. ما بعد الحداثة:

يبــدو أن الاتجاه العــام للحضارة الغربية الحديثة يميل نحو المزيد من الحلولية الواحدية المادية، ونحو استيعاب مفهوم الطبيعة البشرية في عالم الطبيعة والصيرورة. وتنكر ما بعد الحداثة مفهوم الطبيعة البشرية وأي مفاهيم قد ينشأ عنها ثبــات أو تجاوز، وهو موضـوع يستحق دراسة مستقلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المقالة منشورة بمجلة المسلم المعاصر. ع. 79 (1996). ص ص. 81- 98.

** أستاذ الأدب الإنجليزي. كلية التربية، جامعة عين شمس.

شاهد أيضاً

علم العمران الخلدوني

"علم العمران الخلدوني وأثر الرؤية الكونية التوحيدية في صياغته/ صالح بن طاهر مشوش"

إن اختيار ابن خلدون مصطلح " العمران" اسما للعلم الذي أسّسه، زاد هذا الأخير أصالة وتوافقاً مع ما تقتضيه معايير الوحي في المعرفة، ومن خلال استقراء شبه تام لنصوص "المقدمة"، تبين لنا أن استُعمال مفهوم "العمران" جاء على أوجه متعدّدة، وأخذ مواقع في السياقات المختلفة

الحديث النبوي بين علماء الفقه وعلماء الحديث

"السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث/ محمد الغزالي"

هناك طريقًا واحدًا لإرضاء الله سبحانه وتعالى ونيل محبته، هو اتباع محمد – صلى الله عليه وسلم – واقتفاء آثاره والسير على سنته لقوله تعالى: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.